أخبارالاقتصاد الأخضرالتنوع البيولوجي

18 مليون فقير يعتمدون على مروج الأعشاب البحرية.. وفقدانها يهدد الغذاء والدخل

حماية الأعشاب البحرية ضرورة لمكافحة الفقر والجوع في المجتمعات الساحلية

يعتمد ما لا يقل عن 18 مليون شخص من ذوي الدخل المنخفض في منطقة المحيطين الهندي والهادئ على الصيد في مروج الأعشاب البحرية للحصول على الغذاء وكسب الرزق، فيما يعتمد نحو 6.5 مليون شخص عليها بوصفها مناطق الصيد الوحيدة المتاحة لهم، وفقًا لبحث علمي حديث يحذر من التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لتدهور هذه الموائل البحرية.

وتواجه مروج الأعشاب البحرية ضغوطًا متزايدة نتيجة التوسع العمراني والساحلي، والتغيرات في استخدام الأراضي، وتدهور جودة المياه. ولا تقتصر عواقب تضرر هذه الموائل أو فقدانها على الحياة البرية، بل تمتد إلى الأسماك والكائنات البحرية التي تعتمد عليها، ما يهدد الإمدادات الغذائية ومصادر دخل الأسر الساحلية.

وتسلط الدراسة الضوء على حجم اعتماد المجتمعات الفقيرة على هذه البيئات البحرية، وتطرح تساؤلات بشأن مصير الأشخاص الذين ترتبط سبل معيشتهم بموائل طبيعية تتعرض لضغوط متزايدة.

وتُعد الأعشاب البحرية نباتات مزهرة تنمو في المياه الساحلية الضحلة، وتكوّن مروجًا تحت الماء توفر موائل للأسماك وغيرها من الكائنات البحرية.
وتتيح هذه المناطق للسكان ممارسة الصيد باستخدام الشباك البسيطة والفخاخ وخيوط الصيد، أو جمع الأصداف والكائنات البحرية الأخرى يدويًا.

وعلى خلاف بعض مناطق الصيد الأخرى، يمكن الوصول إلى مروج الأعشاب البحرية في كثير من الأحيان دون الحاجة إلى قوارب أو معدات باهظة الثمن، وهو ما يجعلها موردًا مهمًا للأسر محدودة الموارد التي لا تمتلك وسائل بديلة لكسب الدخل.

ورغم أن جهود الحفاظ على الأعشاب البحرية تركز عادةً على حماية التنوع البيولوجي وتخزين الكربون، فإن فهم عدد الأشخاص الذين يعتمدون عليها في مواجهة الفقر لا يزال محدودًا نسبيًا.

دراسة على نحو 2000 أسرة في خمس دول

حماية الأعشاب البحرية
حماية الأعشاب البحرية

حلل الباحثون بيانات ما يقرب من 2000 أسرة في أكثر من 150 مجتمعًا ساحليًا في كمبوديا وإندونيسيا والفلبين وسريلانكا وتنزانيا، بهدف تقييم العلاقة بين أنماط الصيد ومستويات الدخل والفقر.

وشملت الدراسة مصادر دخل الأسر وأنشطتها في الصيد والموائل التي تعتمد عليها للحصول على الأسماك والموارد البحرية الأخرى، مع مقارنة سبل معيشة الأسر التي تستخدم مناطق صيد مختلفة، بما في ذلك الأسر التي تعيش في فقر.

وأظهرت النتائج أن أكثر من 80% من الأسر في المجتمعات التي شملتها الدراسة تمارس الصيد، سواء للحصول على دخل أو توفير الغذاء أو تحقيق الغرضين معًا.

كما تبين أن الأسر التي تعتمد حصريًا على الصيد في مروج الأعشاب البحرية تحقق دخلًا أقل بنحو 23% مقارنة بالأسر التي تصطاد في موائل أخرى، حتى بعد مراعاة الاختلافات في حجم الأسر.

ولتوضيح حجم الفارق، أشار الباحثون إلى أنه إذا كان دخل الأسرة يبلغ 7.50 جنيه إسترليني يوميًا، فإن الفارق البالغ 23% يعادل نحو 52 جنيهًا إسترلينيًا شهريًا، وهو مبلغ قد يمثل عبئًا كبيرًا على الأسر التي تكافح لتوفير نفقات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

وأكدت النتائج أن الاعتماد على هذه الموائل كان أكثر وضوحًا بين الأسر التي تعيش في فقر مدقع؛ إذ كان ما يقرب من نصفها يمارس الصيد في مروج الأعشاب البحرية إلى جانب موائل أخرى، بينما اعتمد أكثر من ربعها على هذه المروج وحدها.

ولا تعني هذه النتائج أن الصيد في مروج الأعشاب البحرية يتسبب في الفقر، بل تشير إلى أن سهولة الوصول إلى هذه المناطق قد تجعلها موردًا أساسيًا للأشخاص الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف القوارب أو معدات الصيد المتخصصة.

10.8 مليون شخص في خمس دول يعتمدون على الأعشاب البحرية

حماية الأعشاب البحرية
حماية الأعشاب البحرية

جمع الباحثون بيانات الأسر مع تقديرات أعداد السكان الذين يعيشون بالقرب من مروج الأعشاب البحرية، لتقييم نطاق الاعتماد على هذه الموائل في الدول الخمس التي شملتها الدراسة.

وقدرت النتائج أن نحو 10.8 مليون شخص من ذوي الدخل المنخفض في هذه الدول يستخدمون مروج الأعشاب البحرية في الصيد، فيما قد يعتمد نحو 5.4 مليون شخص عليها باعتبارها موائل الصيد الوحيدة المتاحة لهم.

وتشير هذه الأرقام إلى أن تدهور هذه البيئات لا يمثل مشكلة بيئية فحسب، بل قد يتحول أيضًا إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي والاقتصادي للمجتمعات الساحلية الأكثر احتياجًا.

الأعشاب البحرية مصدر للعناصر الغذائية الأساسية

لا تقتصر أهمية مروج الأعشاب البحرية على توفير الدخل والغذاء، بل تمتد إلى دعم التغذية الصحية، خصوصًا لدى الأسر التي لا تستطيع تحمل تكاليف نظام غذائي متنوع.

وفي دراسة منفصلة نُشرت في وقت سابق من العام نفسه، وجد الباحثون أن تجمعات الأسماك المرتبطة بمروج الأعشاب البحرية قد توفر مجموعة أوسع من العناصر الغذائية الأساسية مقارنة بالأسماك المرتبطة بالشعاب المرجانية.

ورغم أن الشعاب المرجانية تدعم أعدادًا أكبر من الأسماك إجمالًا، فإن الأسماك المرتبطة بمروج الأعشاب البحرية أظهرت قدرة أكبر على توفير عدة عناصر غذائية مهمة مجتمعة.

وتشمل هذه العناصر الحديد، الذي يساعد على الوقاية من فقر الدم، والزنك الضروري لنمو الأطفال ودعم الجهاز المناعي، والكالسيوم المهم لصحة العظام، وأحماض أوميجا 3 الدهنية التي تسهم في نمو الدماغ.

وبالنسبة إلى الأسر التي تعاني محدودية الموارد، يمكن للأسماك أن توفر عددًا من هذه العناصر الغذائية ضمن وجبة واحدة، حتى عند تناولها في صورة حساء أو مرق.

وبالتالي، فإن فقدان إمكانية الوصول إلى مروج الأعشاب البحرية قد لا يؤدي إلى تراجع الدخل فقط، بل قد يحرم الأسر أيضًا من مصدر مهم للتغذية، خصوصًا الأطفال والفئات الأكثر عرضة للمخاطر الصحية.

فقدان 20% من مروج الأعشاب البحرية يفاقم المخاطر

تكتسب هذه النتائج أهمية إضافية في ظل الضغوط العالمية التي تتعرض لها مروج الأعشاب البحرية، إذ تشير أبحاث إلى فقدان نحو 20% من المساحات التي شملتها الدراسات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ خلال العقود السبعة إلى التسعة الماضية.

ويُعد التوسع العمراني والساحلي وتراجع جودة المياه من أبرز العوامل التي تهدد هذه الموائل، إلى جانب التأثيرات الناجمة عن الأنشطة البشرية في المناطق الساحلية.

وفي مناطق أخرى من المحيطين الهندي والهادئ، وثق باحثون انخفاضًا بنسبة 84% في وفرة الأسماك عقب فقدان مساحات كبيرة من الأعشاب البحرية.

ويعني تراجع أعداد الأسماك بالنسبة إلى الأسر الساحلية التي تعتمد على هذه الموائل انخفاض الكميات المتاحة للصيد، وتقلص فرص الحصول على الدخل، وتراجع الموارد الغذائية المتاحة للاستهلاك اليومي.

وتوضح هذه المؤشرات كيف يمكن أن يؤدي تدهور الموائل البحرية إلى سلسلة من التداعيات المترابطة، تبدأ بفقدان التنوع البيولوجي، وتمتد إلى الاقتصاد المحلي والأمن الغذائي ومستويات المعيشة.
حماية الأعشاب البحرية تتطلب حماية المجتمعات الساحلية
يرى الباحثون أن حماية مروج الأعشاب البحرية لا ينبغي أن تقتصر على فرض قيود على الصيد، إذ إن الإجراءات التي تحد من وصول السكان إلى مناطق الصيد قد تضر بالمجتمعات التي تعتمد عليها في توفير الغذاء والدخل، خاصة عندما تكون البدائل الاقتصادية محدودة.

وفي المقابل، قد لا يمتلك الصيادون المحليون القدرة على التحكم في مصادر أخرى لتدهور هذه الموائل، مثل التلوث الناتج عن الأنشطة الزراعية أو التوسع العمراني على السواحل.

لذلك، يتطلب الحفاظ على هذه البيئات تحقيق توازن بين حماية النظم البحرية واحتياجات السكان الذين يعتمدون عليها، مع تقييم التأثيرات المحتملة لأي قيود على الصيد في دخول الأسر وإمدادات الغذاء.

وفي الفلبين، تشارك مجتمعات الصيد المحلية بالفعل في إدارة محميات بحرية تهدف إلى حماية مروج الأعشاب البحرية.
وتتيح بعض هذه النماذج استمرار الصيد وجمع الأصداف والكائنات البحرية، مع تقييد الأنشطة الأكثر ضررًا أو حماية مناطق محددة لإتاحة الفرصة أمام الحياة البحرية للتعافي.

أما في إندونيسيا، فقد أسهمت سنوات من إزالة الغابات في زيادة تآكل التربة، ما أدى إلى انتقال الرواسب إلى المياه الساحلية وتهديد مروج الأعشاب البحرية.

واستجابة لذلك، تعاونت الحكومات المحلية والمجتمعات والمنظمات المعنية على زراعة أكثر من 4500 شجرة على امتداد ضفاف الأنهار، بهدف الحد من انتقال الرواسب إلى البحر وحماية مناطق الصيد التي تعتمد عليها الأسر المحلية.

ويؤكد الباحثون أن حماية مروج الأعشاب البحرية لن تقضي على الفقر الساحلي بمفردها، لكنها تمثل خطوة مهمة لحماية الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها ملايين الأسر في الغذاء والدخل.

وتخلص الدراسة إلى أن سياسات الحفاظ على البيئة البحرية ينبغي أن تأخذ في الحسبان احتياجات المجتمعات المحلية، وألا تتحمل الأسر الفقيرة وحدها تكلفة حماية هذه النظم البيئية، بل يجب أن تتضمن حلولًا تعالج مصادر التلوث والتدهور وتوفر بدائل واقعية للمعيشة عند الضرورة.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى