12 مليار دولار لمواجهة الجفاف.. قمة أممية تبحث إنقاذ الأراضي المتدهورة وتعزيز الأمن الغذائي

2.6 تريليون دولار مطلوبة بحلول 2030.. العالم يواجه فاتورة هائلة لإنقاذ الأراضي من الجفاف

تكتسب قمة الأمم المتحدة لمكافحة التصحر وتدهور الأراضي أهمية متزايدة هذا العام، في ظل موجات حر قياسية وجفاف واسع النطاق وحرائق غابات تضرب مناطق مختلفة من العالم، وتهدد المحاصيل الزراعية وإمدادات الغذاء والمياه.

وتبدأ اليوم في العاصمة المنغولية أولان باتور أعمال الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر COP17، بمشاركة عشرات الدول، وسط مساعٍ لتحويل تعهدات مالية تتجاوز 12 مليار دولار إلى مشروعات فعلية تساعد الدول الأكثر تضررًا من الجفاف وتدهور الأراضي.

وتبدأ أعمال المؤتمر اليوم وتستمر حتى 28 أغسطس، فيما تتركز المفاوضات على كيفية تحويل التعهدات التي أُعلنت خلال السنوات الماضية إلى استثمارات ومشروعات ملموسة في الدول النامية.

وقالت ياسمين فؤاد، الأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، إن المفاوضات يمكن أن ترسل «إشارة إيجابية بشأن التعددية»، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تعاون دولي لمواجهة الجفاف وتدهور الأراضي.

ياسمين فؤاد، الأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر

12 مليار دولار لـ74 دولة

في قلب محادثات COP17 توجد الشراكة العالمية للمرونة في مواجهة الجفاف في الرياض، التي أُطلقت عام 2024 بقيادة السعودية.

وبموجب هذه الشراكة ومبادرات مرتبطة بها، تعهدت دول ومؤسسات بتوفير نحو 12 مليار دولار على مدى 7 سنوات لمساعدة 74 دولة تعاني من الجفاف وتدهور الأراضي المصاحب له.

ورغم أن هذا المبلغ يمثل تقدمًا مهمًا في تمويل مواجهة الجفاف، فإنه لا يزال أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية.

وتقدر اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر أن العالم يحتاج إلى نحو 2.6 تريليون دولار تراكميًا بحلول نهاية العقد الحالي من أجل استعادة الأراضي المتدهورة، ووقف التصحر، والحماية من آثار الجفاف، واستعادة خصوبة التربة.

وتكمن أهمية مؤتمر COP17 في محاولة تحويل الأموال التي جرى التعهد بها إلى مشروعات حقيقية يمكن أن تغير واقع المجتمعات الأكثر تعرضًا للجفاف.

وقالت ياسمين فؤاد إن أكثر من 70 دولة قدمت خططًا لإدارة الجفاف، لكن التحدي الحالي يتمثل في تحويل هذه الخطط إلى مشروعات قابلة للتنفيذ.

الجفاف والتصحر في قلب قمة أممية.. 12 مليار دولار لمساعدة 74 دولة على مواجهة أزمة الأراضي

من الري إلى المحاصيل المقاومة للجفاف

يمكن أن تشمل المشروعات التي يجري بحث تمويلها تحديث شبكات الري لجعلها أكثر كفاءة في استخدام المياه، وإعادة زراعة الأراضي بمحاصيل أكثر قدرة على تحمل الجفاف، إلى جانب تطوير منشآت تخزين مياه الأمطار لمساعدة المزارعين على مواجهة فترات شح المياه.

وتأتي هذه الإجراءات في وقت تتزايد فيه الضغوط على الزراعة العالمية بسبب ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الموارد المائية وتكرار موجات الجفاف.

وتحذر التوقعات من ارتفاع أسعار الغذاء في العديد من دول العالم نتيجة الأضرار التي لحقت بالمحاصيل بسبب الحرارة القياسية ونقص المياه.

كما يتوقع برنامج الأغذية العالمي أن يؤدي نظام «إل نينيو» فائق القوة الذي يتشكل حاليًا إلى دفع نحو 50 مليون شخص إضافي نحو الجوع خلال العام المقبل.

وتكشف هذه التطورات أن قضية تدهور الأراضي لم تعد ملفًا بيئيًا منفصلًا، بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بالأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

الجفاف يهدد الغذاء عالميًا.. قمة أممية تبحث استثمار 12 مليار دولار لإنقاذ الأراضي

من «المعاهدة الفقيرة» إلى ملف عالمي متصاعد

وُقعت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر عام 1992، باعتبارها واحدة من ثلاث اتفاقيات بيئية رئيسية خرجت من قمة الأرض التي عُقدت في ريو دي جانيرو.

وضمت المجموعة أيضًا اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، التي أصبحت الإطار الذي انبثق عنه اتفاق باريس لعام 2015، واتفاقية التنوع البيولوجي التي تتضمن أهدافًا لحماية الأنواع والنظم البيئية.

وعلى مدار العقود الثلاثة الماضية، ظلت اتفاقية مكافحة التصحر تحظى باهتمام وتمويل أقل من الاتفاقيتين الأخريين، ولم تحقق بالقدر نفسه من التقدم.

لكن تصاعد الجفاف وتدهور الأراضي وارتفاع درجات الحرارة بدأ يغير موقع القضية على أجندة الحكومات والمؤسسات الدولية.

السعودية تعزز حضورها في ملف مكافحة التصحر

برزت السعودية بصورة متزايدة في دعم اتفاقية مكافحة التصحر، رغم الخلافات المستمرة حول سياسات المملكة في ملف تغير المناخ والوقود الأحفوري.

واستضافت المملكة مؤتمر الأطراف السادس عشر لاتفاقية مكافحة التصحر في عام 2024، وتعهدت بتقديم مئات الملايين من الدولارات لدعم أهداف الاتفاقية، إلى جانب العمل مع حلفائها ومؤسسات دولية لحشد تمويل أكبر.

وقال أسامة فقيها، نائب وزير البيئة السعودي، إن تدهور الأراضي والجفاف لهما تأثيرات كبيرة على الأمن الغذائي والمائي، والتنوع البيولوجي، والقدرة على الصمود أمام تغير المناخ، ورفاهية ما يقرب من نصف سكان العالم.

وأضاف أن مؤتمر COP16 في الرياض شكل نقطة تحول تاريخية في الوعي العالمي والحاجة إلى التحرك لمعالجة إدارة الأراضي والجفاف.

العالم يحتاج إلى نحو 2.6 تريليون دولار تراكميًا بحلول نهاية العقد الحالي من أجل استعادة الأراضي المتدهورة، ووقف التصحر، والحماية من آثار الجفاف

التمويل الخاص يدخل على خط المواجهة

وتأتي جميع التعهدات البالغة 12 مليار دولار حتى الآن من القطاع العام، لكن الأمم المتحدة تسعى إلى جذب استثمارات إضافية من القطاع الخاص.

وترى قيادة اتفاقية مكافحة التصحر أن الشركات التي تعتمد بصورة كبيرة على المياه والمحاصيل، مثل شركات الأغذية والمنسوجات، يجب أن تتحمل جزءًا من مسؤولية حماية الموارد التي تعتمد عليها سلاسل الإمداد الخاصة بها.

وتقول ليلي ماكسويل-لوين، رئيسة قسم المناصرة في منظمة Commonland الهولندية غير الربحية المعنية بالأراضي المتدهورة، إن الدول الغنية يجب أن تدرك أن تمويل استعادة الأراضي ومواجهة الجفاف في الدول الفقيرة يحقق فوائد مباشرة لها أيضًا.

وتشير إلى أن تدهور الأراضي في الدول الأخرى يمكن أن يتحول إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي، ويزيد ضغوط الهجرة، ويؤثر في مرونة سلاسل الإمداد العالمية.

الجفاف لم يعد أزمة محلية

تأتي قمة COP17 في توقيت تتزامن فيه موجات الحر والجفاف والحرائق في مناطق واسعة من نصف الكرة الشمالي، مع استمرار المخاوف من أن يكون عام 2026 من بين أكثر الأعوام حرارة على الإطلاق.

وتضرب الحرائق أجزاء من أمريكا الشمالية وأوروبا، بينما تعاني مناطق واسعة من آسيا موجات حر شديدة، ما يفاقم الضغط على الزراعة والمياه والطاقة.

وتعني هذه الظروف أن مواجهة التصحر لم تعد مجرد قضية مرتبطة بالمناطق الصحراوية أو الدول الأكثر جفافًا، وإنما أصبحت جزءًا أساسيًا من معركة عالمية لحماية الغذاء والمياه والاقتصاد.

2.6 تريليون دولار.. الفجوة الأكبر

رغم أهمية التعهدات الجديدة، تكشف الأرقام عن فجوة ضخمة بين التمويل المتاح وحجم الاستثمارات المطلوبة.

فبينما تم التعهد بنحو 12 مليار دولار على مدى سبع سنوات لمساعدة 74 دولة، تقدر الأمم المتحدة الاحتياجات العالمية لاستعادة الأراضي وحماية التربة ومواجهة الجفاف بنحو 2.6 تريليون دولار حتى نهاية العقد.

وهذا يعني أن نجاح COP17 لن يقاس فقط بحجم الأموال التي جرى التعهد بها، وإنما بقدرة الدول والمؤسسات على تحويل التمويل إلى مشروعات على الأرض، وبناء أنظمة زراعية أكثر قدرة على تحمل الجفاف، وتحسين إدارة المياه، واستعادة الأراضي المتدهورة.

وفي ظل تسارع تغير المناخ وتكرار موجات الحرارة والجفاف، باتت حماية الأراضي واستعادة التربة جزءًا أساسيًا من معركة الأمن الغذائي العالمي، وليس مجرد ملف بيئي ثانوي.

Exit mobile version