أهم الموضوعاتأخبارالاقتصاد الأخضر

وظائف تحت الحصار.. لماذا يستبدل الذكاء الاصطناعي بعض الوظائف أسرع من غيرها؟

من البرمجة إلى خدمة العملاء: الصناعات الغنية بالبيانات تسقط أولًا أمام الذكاء الاصطناعي

تسارعت وتيرة الحديث عن تأثيرات الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، إذ يخشى كثيرون من أن تحل الآلات محل البشر في العديد من المهن.

لكن ما لا يدركه البعض هو أن الأمر لا يتعلق دائمًا بمدى تعقيد المهمة، بل بوفرة البيانات التي يمكن للنماذج الذكية التعلم منها.

الاعتقاد السائد هو أن الوظائف المعقدة تحتاج وقتًا أطول لاستبدالها بالذكاء الاصطناعي.

إلا أن التجربة العملية تثبت العكس؛ فالقطاعات الغنية بالبيانات تُعد أكثر عرضة للأتمتة، بينما القطاعات الفقيرة بالبيانات تواجه صعوبة أكبر في إدخال هذه التقنية.

وكما يقول المثل المنسوب إلى “صن تزو”: “اعرف نفسك وعدوك تحقق النصر دائمًا”.

كيف يتعلم الذكاء الاصطناعي؟

مثلما يتعلم البشر من التجارب، يتعلم الذكاء الاصطناعي من البيانات. فالنموذج محدود البيانات يشبه طفلًا صغيرًا، أما النموذج المدعوم بكم هائل من المعلومات فيشبه خبيرًا مخضرمًا.

على سبيل المثال، بدأت أبحاث السيارات ذاتية القيادة في ثمانينيات القرن الماضي، في حين لم تظهر النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) إلا في العقد الماضي، ورغم ذلك حققت الأخيرة تقدمًا أسرع بكثير.

السبب أن تدريب السيارة ذاتية القيادة يحتاج إلى آلاف الساعات من بيانات القيادة المتنوعة، وبعض الحوادث النادرة يصعب حتى توفير بيانات عنها، بينما النماذج اللغوية تتدرب على محتوى الإنترنت الضخم والمتنوع.

مفارقة البيانات

وفرة البيانات، لا سهولة المهمة، هي ما يحدد سرعة التطور. فالبرمجة، على سبيل المثال، غنية بالمصادر؛ إذ يستضيف موقع “غيت هاب” أكثر من 420 مليون مستودع برمجي، منها 28 مليون مفتوح المصدر، ما أتاح لأدوات مثل “جيت هاب كوبايلوت” التعلم وكتابة الأكواد بكفاءة، حتى أن ثلاثة أرباع المبرمجين يستخدمون الآن مساعدين ذكيين.

الأمر نفسه ينطبق على خدمة العملاء، حيث تستفيد أنظمة الذكاء الاصطناعي من سجلات المكالمات ورسائل البريد وتذاكر الدعم الفني، مما سمح بخفض التكاليف بنسبة تصل إلى 23.5% وفق بيانات “آي بي إم”.

وفي القطاع المالي، تعتمد الخوارزميات على كم هائل من بيانات الأسواق والمعاملات، حتى أن التداول عالي التردد يمثل نحو 70% من حجم تداول الأسهم في الولايات المتحدة.

القطاعات الفقيرة بالبيانات

على النقيض، تتباطأ وتيرة تبني الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، حيث تقل نسبة البيانات الجراحية المتاحة للعامة عن 10% بسبب القيود القانونية مثل HIPAA وتجزؤ السجلات بين المستشفيات وشركات التأمين والعيادات.

أما قطاع البناء، فيُعد من أكثر المجالات مقاومة للأتمتة، ليس لصعوبة العمل، بل لغياب التوثيق المعياري وضعف الرقمنة.

وفي التعليم، تحد قوانين الخصوصية مثل FERPA من إمكانية جمع بيانات الطلاب، مما يقلل فرص تطوير أنظمة تعليمية ذكية.

ولسد فجوة البيانات، تلجأ بعض المؤسسات إلى أساليب مثيرة للجدل، مثل تركيب كاميرات مراقبة في غرف العمليات لتدريب أنظمة جراحية ذكية، أو استخدام برامج مراقبة الطلاب التي تتبع حركات العين وتعبيرات الوجه أثناء الامتحانات.

تأثيرات اقتصادية متفاوتة

تشهد القطاعات الغنية بالبيانات ما يُعرف اقتصاديًا بـ”الدمار الخلاق” بسرعة هائلة، إذ تختفي وظائف وتظهر أخرى جديدة، لكنها غالبًا تتطلب مهارات مختلفة وتتركز في المراكز التقنية الكبرى.

فقد يتحول مركز خدمة عملاء يوظف 500 شخص إلى قسم يضم 50 مشرفًا على أنظمة ذكاء اصطناعي في موقع واحد.

في المقابل، تواجه الصناعات الفقيرة بالبيانات تحولًا أبطأ لكن أكثر عمقًا، حيث يعاد هيكلة الإدارات بأكملها.

ورغم التوقعات بظهور 170 مليون وظيفة جديدة بحلول 2030 مقابل اختفاء 92 مليونًا، فإن المشكلة تكمن في الفجوة بين أماكن فقدان الوظائف وأماكن ظهورها، إضافة إلى عدم تطابق المهارات المطلوبة مع ما يمتلكه العاملون حاليًا.

كيف يواكب الأفراد هذا التحول؟

على الباحثين عن عمل إدراك أن حدود القطاعات تذوب أسرع من تشكل المسميات الوظيفية الجديدة.

لذا، فإن الفرص الكبرى تكمن في الوظائف التي تمزج بين الحكم البشري وقدرات الذكاء الاصطناعي، أو تلك التي تصل بين الأنظمة التقنية واحتياجات الأعمال.

الأولوية ليست لتعداد الخبرات السابقة فقط، بل لإبراز القدرة على التعلم والتكيف مع الأدوات الجديدة وحل المشكلات في بيئات عمل متغيرة.

كما أن فهم نقاط الاحتكاك بين التكنولوجيا والواقع العملي قد يفتح مجالات عمل في إدارة وتنظيم وتنفيذ مشاريع الذكاء الاصطناعي، حتى دون امتلاك معرفة تقنية متخصصة.

وأخيرًا، يمكن استثمار الخبرة في القطاعات الحالية عبر تعلم أساسيات الذكاء الاصطناعي ودمجها في العمل اليومي، وهو ما يوفر فرصًا جديدة دون الحاجة إلى الانتقال الكامل لمجال جديد.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading