هل يضع البنك المركزي الأوروبي معيارًا عالميًا للتمويل الأخضر؟ فجوة بيانات الانبعاثات تهدد مصداقية الاستثمارات

هل تنهي قواعد بيانات الانبعاثات «الغسل الأخضر» في البنوك والاستثمارات؟

لا يكفي أن تعلن الشركات خفض انبعاثاتها الكربونية حتى يُعد ذلك تقدمًا حقيقيًا في مواجهة تغير المناخ، ولا يكفي أن تتعهد البنوك بتمويل التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون لضمان توجيه الأموال إلى الأنشطة الأكثر استدامة. فالمشكلة الأعمق تكمن في القدرة على قياس الانبعاثات ومقارنة النتائج والتحقق مما إذا كانت التخفيضات المعلنة ناتجة عن تغييرات فعلية في العمليات أم عن اختلاف طرق الحساب والإبلاغ.

وتضع هذه المعضلة البنك المركزي الأوروبي أمام فرصة لتطوير إطار علمي مشترك يمكن أن يساعد المؤسسات المالية على تقييم مصداقية خطط التحول المناخي، والتمييز بين خفض الانبعاثات الحقيقي والتغيرات المحاسبية، وتحسين تقدير المخاطر التي قد تواجه البنوك مع تشديد السياسات المناخية وتزايد آثار الاحترار العالمي.

وتستند هذه الرؤية إلى دراسة علمية محكّمة نشرها باحثون في دورية «Nature Sustainability»، بعنوان «من تعهدات الشركات بالوصول إلى صافي الصفر إلى العمل المناخي الموثوق»، والتي تقترح تطوير بنية علمية مشتركة لبيانات الانبعاثات ومسارات خفض الكربون وآليات قياس التقدم الفعلي.

62.5 % من تغيرات الانبعاثات لا تفسرها العوامل التشغيلية

من أبرز النتائج التي يعرضها المقال تحليل شمل 401 شركة أوروبية، إذ وجد الباحثون أن 62.5% من التغيرات السنوية في انبعاثات النطاق الثالث لم يمكن تفسيرها بالعوامل التشغيلية.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأن انبعاثات النطاق الثالث تشمل الانبعاثات المرتبطة بسلاسل القيمة خارج العمليات المباشرة للشركة، مثل إنتاج المواد الخام لدى الموردين، والنقل، واستخدام المنتجات المبيعة، وبعض الأنشطة الأخرى المرتبطة بأعمالها.

وعلى عكس الانبعاثات المباشرة، يصعب على الشركات قياس هذه الانبعاثات والتحكم فيها؛ لأنها تعتمد على بيانات أطراف متعددة، وتقديرات عوامل الانبعاث، وافتراضات بشأن سلوك الموردين والعملاء واستخدام المنتجات.

لكن النتيجة لا تعني أن 62.5% من التخفيضات المعلنة كانت احتيالية أو أن الشركات لم تخفض انبعاثاتها فعليًا. فعدم القدرة على تفسير التغيرات بالعوامل التشغيلية لا يثبت وحده وجود تلاعب، وإنما يكشف عن فجوة في القدرة على تحديد أسباب التغير بدقة.

كريستين لاجارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، خلال لقاء رسمي في فرانكفورت

وقد تكون التغيرات مرتبطة بالنشاط الاقتصادي، أو نمو الأعمال، أو تغيير منهجية الحساب، أو تعديل حدود التقارير، أو عمليات الاستحواذ والاندماج. ومن دون فصل هذه التأثيرات، يصبح من الصعب معرفة مقدار التقدم المناخي الحقيقي الذي حققته الشركة.

لماذا تختلف تقديرات الانبعاثات للشركة نفسها؟

تظهر مشكلة أخرى عندما تستخدم الشركات قواعد بيانات مختلفة لحساب الانبعاثات الناتجة عن النشاط الاقتصادي ذاته.

ووفقًا للبحث الذي يستشهد به المقال، فإن استخدام بيانات المشتريات نفسها مع قواعد بيانات مختلفة لعوامل الانبعاثات أدى إلى اختلاف التقديرات بمعامل يصل إلى 2.09 مرة للشركة نفسها.

ويعني ذلك أن بيانات النشاط قد تكون متطابقة، بينما تختلف النتيجة النهائية بصورة كبيرة تبعًا للمصدر المستخدم لتقدير الانبعاثات.

وتبرز هنا مشكلة تتجاوز الإفصاح المناخي؛ إذ تعتمد البنوك على بيانات الشركات لتقييم مخاطر الإقراض، وقياس مدى توافق محافظها التمويلية مع أهداف خفض الانبعاثات، وتحديد تعرضها للأنشطة التي قد تواجه ارتفاعًا في التكاليف أو تغيرات تنظيمية أو تراجعًا في الطلب خلال التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون.

فإذا كانت البيانات الأساسية غير قابلة للمقارنة، فقد يبدو أداء شركة أفضل من أخرى بسبب اختلاف طريقة القياس، لا بسبب انخفاض أكبر في انبعاثاتها الفعلية.

وهذا يضعف قدرة المؤسسات المالية على التمييز بين التحول الحقيقي والنتائج التي تبدو إيجابية على الورق فقط.

انهيار التحالفات الطوعية يعيد دور التنظيم والرقابة

تأتي الدعوة إلى بناء معايير أكثر صرامة في وقت واجهت فيه المبادرات الطوعية التي جمعت المؤسسات المالية حول أهداف صافي الصفر ضغوطًا سياسية.

ويشير المقال إلى حل تحالف البنوك من أجل صافي الصفر (NZBA) في أكتوبر 2025، بعد انسحاب بنوك أمريكية بارزة وتصويت الأعضاء المتبقين على إنهاء التحالف.

وكان التحالف قد تأسس عام 2021 بمشاركة مؤسسات مصرفية تعهدت بمواءمة أنشطتها التمويلية مع مسارات الوصول إلى صافي الانبعاثات الصفرية.

كما يستشهد المقال بدراسة للبنك المركزي الأوروبي وجدت أن البنوك المنضوية في التحالف خفضت الإقراض للجهات الملوثة بنسبة 20% بين عامي 2018 و2022، دون أن يكون هذا الخفض أسرع من نظيره لدى بنوك لم تقدم التعهد نفسه.

ولا تثبت هذه النتيجة بمفردها أن التعهدات الطوعية عديمة الجدوى، لكنها تثير تساؤلات حول قدرتها على إحداث تغيير إضافي قابل للقياس، خصوصًا عندما تتغير الظروف السياسية أو تتعارض الأهداف المناخية مع المصالح التجارية قصيرة الأجل.

ومن هنا، يرى المقال أن التعهدات لا يمكن أن تكون بديلًا عن بيانات موثوقة ومنهجيات قابلة للمقارنة وآليات رقابية تساعد على تقييم النتائج الفعلية.

لماذا تختلف تقديرات الانبعاثات للشركة نفسها؟

ما المقترح؟ قاعدة بيانات مشتركة ومعايير قطاعية

يقترح الباحثون تطوير بنية علمية مشتركة للتمويل الأخضر، مستندة إلى التوصيات التي طرحتها شبكة البنوك المركزية والجهات الرقابية المعنية بتخضير النظام المالي (NGFS).

وتقوم الفكرة على ثلاثة محاور مترابطة:

أولًا: توحيد حساب الانبعاثات.

إنشاء قاعدة بيانات مفتوحة لعوامل الانبعاثات، تكون متسقة علميًا ومصممة لتناسب سلاسل القيمة في القطاعات المختلفة. ومن شأن ذلك تقليل الفروق الناتجة عن استخدام مصادر متباينة، وتحسين قابلية مقارنة بيانات الشركات.

ولا يعني التوحيد استخدام عامل انبعاث واحد لجميع الأنشطة، بل وضع منهجيات واضحة ومناسبة لطبيعة كل صناعة وسلسلة إمداد، مع توثيق مصادر البيانات والافتراضات وحدود التقدير.

ثانيًا: وضع مسارات خفض خاصة بكل قطاع.

لا تستطيع جميع الشركات خفض انبعاثاتها بالوتيرة نفسها؛ فالاحتياجات التقنية والاقتصادية تختلف بين قطاعات مثل الطاقة والنقل والصناعة والزراعة.

ولذلك يقترح المقال تطوير معايير قطاعية مرتبطة بمسارات مناخية واضحة، تتيح للبنوك مقارنة أهداف الشركات ومساراتها الفعلية مع المسارات المتوافقة مع أهداف المناخ، بدلًا من الاكتفاء بالتعهدات العامة أو المؤشرات التي لا تراعي الاختلافات بين الأنشطة الاقتصادية.

ثالثًا: فصل الخفض الحقيقي عن التغيرات الأخرى.

يقترح الباحثون منهجية لتفكيك التغير السنوي في الانبعاثات إلى مكونات مختلفة، تشمل التغير في النشاط الاقتصادي، والتغيرات المنهجية، والتغيرات التنظيمية في الشركة، مثل عمليات الدمج والاستحواذ، إلى جانب أثر الإجراءات الفعلية لخفض الانبعاثات.

ويمكن لهذا النهج أن يمنح البنوك أساسًا أوضح لتقييم أداء الشركات، ويساعدها على تجميع البيانات على مستوى المحافظ التمويلية دون الخلط بين التحسن التشغيلي والتغيرات الناتجة عن طريقة الحساب.

البنك المركزي الأوروبي يواجه مخاطر المناخ في ميزانيات البنوك

لا يقتصر اهتمام البنك المركزي الأوروبي على جودة الإفصاح، بل يمتد إلى انعكاسات التحول المناخي على استقرار المؤسسات المالية.

فقد أظهر اختبار الضغط المناخي الذي أجراه البنك عام 2022 اعتمادًا واسعًا على البيانات البديلة والتقديرات غير المباشرة لقياس انبعاثات النطاقات الأول والثاني والثالث، مع اختلاف النتائج بحسب المنهجية المستخدمة.

وفي يونيو 2026، أدخل البنك عاملًا مناخيًا ضمن إطار الضمانات المقبولة لديه، بهدف التعامل مع جوانب عدم اليقين المرتبطة بالتحول المناخي، وفقًا لما أورده المقال.

كما ارتفعت حصة السندات الخضراء في محفظة الأموال الخاصة بالبنك إلى 33% بنهاية عام 2025، مقابل 28% قبل عام، مع استهداف بلوغ 35% في عام 2026، بحسب المصدر.

وتوضح هذه الخطوات أن المؤسسات النقدية باتت تتعامل مع المخاطر المناخية باعتبارها جزءًا من إدارة المخاطر المالية، وليس مجرد قضية بيئية منفصلة.

وتشير بيانات أوردها المقال إلى أن نحو 70% من بين 95 بنكًا خضعوا لتقييم أوروبي قد يواجهون مخاطر تقاضٍ مرتفعة إذا لم تتوافق محافظهم مع التزامات اتفاق باريس للمناخ. ويظل تفسير هذا المؤشر مرتبطًا بمنهجية الدراسة ومعايير تقييم مخاطر التقاضي التي استخدمتها.

البنك المركزي الأوروبي يواجه مخاطر المناخ في ميزانيات البنوك

السندات المرتبطة بالاستدامة ليست بمنأى عن الثغرات

تظهر مشكلة مصداقية المؤشرات أيضًا في السندات المرتبطة بالاستدامة، التي تربط بعض شروطها المالية بتحقيق أهداف محددة للأداء البيئي أو المناخي.

ويشير المقال إلى أن البنك الدولي رصد ثغرات هيكلية في بعض هذه الأدوات، يمكن أن تسمح للمصدرين بتجنب العقوبات حتى عندما لا تتحقق الأهداف المعلنة.

وتعكس هذه المشكلة أهمية تصميم أهداف واضحة وقابلة للتحقق، وربطها بمؤشرات مناسبة وآليات إنفاذ فعالة. فمجرد وصف أداة مالية بأنها مرتبطة بالاستدامة لا يضمن بالضرورة أن شروطها ستؤدي إلى خفض فعلي للانبعاثات.

وكلما كانت قواعد القياس أكثر وضوحًا، أصبح من الأسهل على المستثمرين مقارنة الأدوات المالية، وتقدير مخاطرها، وتحديد مدى جدية الأهداف التي تستند إليها.

هل يصبح المعيار الأوروبي مرجعًا عالميًا؟

يرى صاحب المقال أن البنك المركزي الأوروبي يمكن أن يساعد في تحويل البنية العلمية المقترحة إلى مرجع أوسع، خصوصًا أن شبكة NGFS تضم أكثر من 40 عضوًا من ست قارات، وتستخدم مؤسساتها سيناريوهات مناخية في أعمال الرقابة وتحليل المخاطر.

وإذا طُورت قاعدة بيانات مشتركة لعوامل الانبعاثات، ومسارات قطاعية واضحة، ومنهجيات موحدة لتفسير التغير السنوي في الانبعاثات، فقد تتمكن الجهات الرقابية من تقييم الشركات والبنوك وفق أسس أكثر اتساقًا عبر الأسواق.

لكن تحويل المبادرة إلى معيار عالمي لن يتحقق بمجرد إطلاق قاعدة بيانات أوروبية؛ إذ يتطلب تعاونًا دوليًا، وشفافية في المنهجيات، وتحديثًا مستمرًا للبيانات، وتوافقًا بشأن كيفية التعامل مع نقص المعلومات والاختلافات بين الاقتصادات والقطاعات.

كما ينبغي أن تكون المعايير قابلة للتطبيق على الشركات الكبيرة والصغيرة، وألا تؤدي متطلبات الإفصاح المعقدة إلى تحميل الشركات الأقل موارد أعباءً غير متناسبة، مع الحفاظ على دقة القياس ومصداقيته.

ويؤكد المقال أن البنية العلمية المقترحة يمكن أن تمتد مستقبلًا إلى تقييم المخاطر المادية لتغير المناخ وتكاليف التكيف على مستوى الشركات، بما يساعد الجهات الرقابية على بناء صورة أكثر شمولًا عن تعرض المؤسسات المالية لمخاطر المناخ.

الدلالة للاقتصادات العربية والتمويل الأخضر

بالنسبة إلى الاقتصادات العربية، تبرز أهمية هذه القضية مع توسع مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين منخفض الكربون والتمويل المستدام، وتزايد الحاجة إلى جذب استثمارات تعتمد على مصداقية البيانات البيئية.

فوجود منهجيات أكثر اتساقًا لقياس الانبعاثات قد يساعد المؤسسات المالية والمستثمرين على مقارنة المشروعات، والتحقق من نتائج خفض الكربون، وتقييم مخاطر التحول المناخي بصورة أدق.

كما يمكن أن يدعم تطوير قواعد بيانات محلية أو إقليمية لعوامل الانبعاثات، تتوافق مع المعايير الدولية وتراعي خصائص القطاعات والاقتصادات العربية، من دون الاكتفاء بنقل تقديرات صممت لظروف إنتاج مختلفة.

لكن الاستفادة من هذا التوجه تتطلب تحسين الإفصاح عن الانبعاثات، وتوثيق البيانات التشغيلية، وتطوير قدرات التحقق المستقل، ووضع مسارات واقعية لخفض الانبعاثات في القطاعات المختلفة.

وهذه الدلالات تمثل تحليلًا لفرص التطبيق في المنطقة، وليست نتائج كمية توصلت إليها الدراسة الأوروبية ذاتها.

التمويل الأخضر يبدأ من القدرة على إثبات النتائج

التمويل الأخضر يبدأ من القدرة على إثبات النتائج

تتمثل القضية الأساسية في أن مصداقية التمويل الأخضر لا تتوقف على حجم الأموال المعلنة أو عدد التعهدات المناخية، بل على القدرة على إثبات أن التمويل يحقق نتائج قابلة للقياس والتحقق.

وإذا نجحت المؤسسات الرقابية في تحسين جودة بيانات الانبعاثات، وتوحيد أساليب حسابها، وتطوير مسارات قطاعية واضحة، فسيصبح من الأسهل التمييز بين الخفض الحقيقي والتغيرات المحاسبية، وتحسين تقدير المخاطر المالية المرتبطة بالتحول المناخي.

وقد يتيح ذلك للبنك المركزي الأوروبي وشركائه وضع أساس علمي مشترك يمكن أن تستفيد منه أسواق أخرى. لكن نجاح هذا المسار سيعتمد على شفافية البيانات، وقابلية المقارنة، والتعاون الدولي، وقدرة المعايير على مواكبة التطورات العلمية والاقتصادية.

↑
Exit mobile version