هل تتحمل «شل» مسؤولية «الإعصار الفائق»؟
ناجون من الفلبين يقاضون شركة النفط العملاقة في سابقة قانونية عالمية
قبل أيام من عيد الميلاد عام 2021، اجتاح إعصار «راي» (المعروف محليًا باسم «أوديت») الفلبين مخلّفًا وراءه دمارًا واسعًا؛ إذ أسفر عن مقتل أكثر من 400 شخص، وتشريد نحو 3.2 مليون، وتدمير أكثر من مليون منزل.
ترياكسي إيل، وهي من سكان جزيرة باتاسان في مقاطعة بوهول، ما زالت تبكي كلما تذكرت كيف كافحت مع أسرتها للبقاء على قيد الحياة بينما كانت العواصف العاتية والأمواج العارمة تبتلع منزلهم في ظلام الليل.
تقول: تشبثنا بأيدي بعضنا ونحن نسبح في المياه الجارفة، نصلي ألا نموت. بعد أن هدأ الإعصار، لم يبقَ لنا شيء.. كنا نأكل ما نعثر عليه من بقايا، حتى الحيوانات النافقة، لم ننجُ إلا بأجسادنا.
من الناجون إلى المدّعون
بعد أربع سنوات من المأساة، قررت ترياكسي ومعها 66 ناجيًا آخر من المجتمعات الساحلية الفلبينية رفع دعوى قضائية ضد شركة شل أمام المحاكم البريطانية، للمطالبة بتعويضات مالية عن الخسائر والأضرار التي لحقت بهم جراء الإعصار.
القضية تُعد الأولى من نوعها في المملكة المتحدة، بل وفي العالم، إذ تربط بشكل مباشر بين أنشطة الشركات الملوِّثة وبين الوفيات والإصابات التي حدثت بالفعل في دول الجنوب العالمي.
فغالبية الدعاوى السابقة كانت تتعلق بمخاطر مستقبلية، وليس بأضرار واقعة.
يقول فريق المحامين، بقيادة «جريج لاسيلز» من مكتب «هاوسفيلد»، إن الدعوى تستند إلى القوانين الفلبينية التي تكفل الحق الدستوري في بيئة صحية، وتتهم «شل» بانتهاك هذا الحق من خلال إسهامها في تغيّر المناخ، وفشلها في الحد من الانبعاثات، فضلاً عن تضليل الرأي العام بشأن العلم المناخي.
علم مبكر وإنكار متواصل
تستند الدعوى إلى وثائق داخلية مُسرَّبة تشير إلى أن «شل» كانت على علم منذ أكثر من ستين عامًا بالتأثيرات الخطيرة لاستخراج وحرق الوقود الأحفوري على المناخ، لكنها واصلت التوسع في أعمالها وتحقيق الأرباح.
في المقابل، نفت الشركة هذه الادعاءات، وقال متحدث باسمها: القول إن شل كانت تمتلك معرفة فريدة بتغير المناخ أمر غير صحيح. قضية المناخ مطروحة على الساحة العلمية والعامة منذ عقود.
غير أن المدّعين يؤكدون أن الشركة لم تكتفِ بإخفاء ما تعرفه، بل ساهمت في تقويض الإجماع العلمي عبر أنشطة الضغط والتشويش الإعلامي حول أسباب وأخطار الأزمة المناخية.
دعم علمي وقانوني متنامٍ
القضية تستند كذلك إلى دراسات علمية حديثة؛ إذ خلص باحثون من كلية إمبريال لندن وجامعة شيفيلد ومعهد جرانثام إلى أن التغير المناخي الناتج عن النشاط البشري زاد من احتمال وقوع أعاصير شديدة مثل «أوديت» بأكثر من الضعف.
كما تستند إلى تقرير رائد أصدرته لجنة حقوق الإنسان الفلبينية عام 2022، خلص إلى أن كبريات شركات النفط والغاز والإسمنت، ومن بينها «شل»، تتحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية عن انتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بالأزمة المناخية.
العدالة المناخية.. ميدان جديد
تزايدت في السنوات الأخيرة الدعاوى القضائية ضد الشركات الملوِّثة حول العالم، حيث سُجلت 11 قضية من نوع «الملوِّث يدفع» خلال عام 2024 فقط، وفقًا لباحثين من كلية لندن للاقتصاد.
وفي إحدى القضايا بألمانيا، قضت المحكمة بإمكانية تحميل شركة طاقة مسؤولية انبعاثاتها. لكن حتى الآن، لم تُجبر أي شركة كبرى على دفع تعويضات مباشرة عن أضرار المناخ.
تقول المحامية والناشطة البيئية تيسا خان، المديرة التنفيذية لمنظمة Uplift التي تدعم المدّعين: اللجوء إلى القضاء هو آخر الخيارات أمام المجتمعات المتضررة. لكنه يبقى السبيل الوحيد حين تفشل الشركات والحكومات في تحمّل مسؤولياتها الأخلاقية والإنسانية.
جزيرة غارقة وأمل بالبقاء
على جزيرة باتاسان التي صارت تُعرف اليوم باسم «الجزيرة الغارقة»، لا تزال ترياكسي وأسرتها يكافحون للبقاء.
فمياه البحر باتت تغمر المنازل والمدارس في أيام المد، ما دفع الأهالي لبناء بيوتهم فوق أعمدة مرتفعة.
تقول الأم الشابة، التي لم تفقد إيمانها رغم كل شيء: «أفكر في مستقبل أطفالي فقط. لا أريد لهم أن يعيشوا الخوف الذي عشناه. ربما نجاتي من الإعصار كانت لحكمة… ربما رسالتي الآن أن أجعل شركات مثل شل ترانا، نحن الذين نعاني بسبب أعمالهم».





