وجهات نظر

نوران عبد العزيز: الأدوية الخضراء.. بين الابتكار الطبي والحفاظ على البيئة

باحثة ماجستير – جامعة الإمارات

في عالم يتجه بسرعة نحو الاستدامة والاستخدام الرشيد للموارد، تبرز صناعة الأدوية كرسالة جديدة تجمع بين الحاجة الطبية وتحمل المسؤولية البيئية.
فالمواد الدوائية التقليدية، سواء كانت مركبات دوائية أو مواد تعبئة وتغليف، تحمل آثارًا بيئية كبيرة تتراوح بين عمليات التصنيع واستهلاك الطاقة وصولًا إلى النفايات الدوائية التي قد تصل إلى المسطحات المائية وتؤثر في النظم البيئية والكائنات الحية.
في هذا السياق، ظهر مفهوم تطوير مواد دوائية صديقة للبيئة كمسعى يتجاوز مجرد تحسين الفعالية العلاجية ليشمل تقليل الأثر البيئي عبر تصميم منتجات صحية آمنة للبيئة والإنسان معًا، مع الاستفادة من الموارد المتاحة وابتكار حلول تكنولوجية جديدة تجمع بين الكيمياء والبيئة والاقتصاد والصحة العامة.
ويتطلب ذلك رؤية جديدة في تصميم المواد ودمجًا محكمًا بين العلوم الأساسية والتقنيات التطبيقية، إضافة إلى إطار تنظيمي ومجتمعي يدعم البحث والتطوير ويحفز الصناعة على اعتماد ممارسات أكثر استدامة.

تحديات تواجه تطوير مواد دوائية صديقة للبيئة

التحديات التي تواجه تطوير مواد دوائية صديقة للبيئة عظيمة ومتعددة المستويات، لكنها ليست مستحيلة إذا توفرت الإرادة البحثية والاقتصادية والسياسية.
أحد أبرز هذه التحديات هو التعارض أحيانًا بين متطلبات السلامة الحيوية والبيئية من جهة ورغبة الصناعة في تحقيق فوائد علاجية سريعة وتكاليف إنتاج منخفضة من جهة أخرى.
في كثير من الأحيان، تكون المواد الجديدة بحاجة إلى اختبارات سلامة طويلة ومكلفة لضمان عدم وجود آثار جانبية غير مقصودة على المدى الطويل، وهو ما يشكل عائقًا أمام الانتشار السريع للابتكارات البيئية.
كما أن الانتقال من المواد التقليدية إلى مواد بديلة أكثر صداقة للبيئة يفرض تغييرات هيكلية في خطوط الإنتاج والعمليات التصنيعية، وهو ما قد يتطلب استثمارات كبيرة في معدات وأنظمة معالجة ونظم ضبط جودة جديدة، إضافة إلى تدريب العاملين وتعديل سلاسل الإمداد لتكون أكثر استدامة وشفافية.
وترتبط التحديات التنظيمية بإطار الموافقات التنظيمية واللوائح التي تحكم تصنيع وتوزيع واستخدام المواد الدوائية والوسائط الحاملة والتعبئة والتغليف.
فالمعايير التنظيمية في كثير من البلدان تركز بشكل رئيسي على السلامة والفعالية، بينما قد تكون هناك فجوات في المعايير التي تُمكّن من تقييم الأثر البيئي بشكل منهجي ومشترك عبر البلدان.
وهذا يجعل من الضروري وجود معايير موحدة أو مقاييس مقبولة دوليًا لتقييم سلسلة الحياة كاملة للمواد الدوائية من مرحلة التصميم حتى التخلص النهائي، بما في ذلك زمن التحلل الحيوي في الأنظمة البيئية وجودة المياه والتربة والتأثيرات المحتملة على الكائنات غير المستهدفة.
مثل هذه المعايير تتطلب تعاونًا بين العلماء والهيئات التنظيمية والصناعة والمجتمع المدني، وهو تعاون يحتاج إلى إطار حوكمة واضح وآليات تمويل تفضيلية للبحوث التي تسعى إلى دمج الصحة العامة مع تقليل الأثر البيئي.

تحديات تقنية متعلقة بتطوير مركبات جديدة

إلى جانب ذلك تبرز تحديات تقنية متعلقة بتطوير مركبات جديدة أو مواد وسيطة تكون في الوقت نفسه فعالة علاجيًا وأقل ضررًا للبيئة. فتصميم مركبات دوائية ذات آليات محدودة للتنظيم الحيوي في جسم الإنسان قد يتيح تقليل الجرعات وتقليل النفايات الدوائية، لكنه يتطلب فهمًا عميقًا لمسارات الامتصاص والإخراج والتأثيرات السمية المحتملة على النظام البيئي.
وفيما يخص التعبئة والتغليف، يمكن أن يفتح الابتكار في اختيار المواد الحيوية أو القابلة لإعادة التدوير أو القابلة للتحلل خيارًا لإحداث فرق بيئي، إلا أن هذه الخيارات قد تأتي مع زيادة في التكاليف أو تعقيدات في سلسلة التوريد.
وبالتالي تكون هناك حاجة إلى توازن دقيق بين الأداء الطبي والاستدامة البيئية وتكاليف الإنتاج والتوزيع، وهذا التوازن ليس سهلًا دائمًا لكنه ليس مستحيلًا إذا اعتمدت استراتيجيات متكاملة وتعاونًا متعدد القطاعات.

فرص واعدة لتسريع تطوير مواد دوائية صديقة للبيئة

من أجل تجاوز هذه التحديات، تبرز مجموعة من الفرص الواعدة التي يمكن استغلالها لتسريع تطوير مواد دوائية صديقة للبيئة وتحويلها من فكرة إلى واقع مستدام قادر على إحداث تغيير في منظومات الرعاية الصحية والبيئة.
إحدى هذه الفرص تكمن في مبدأ التصميم المستدام للمركبات والمواد، وهو نهج يعتمد على التفكير المسبق في آثار المادة طوال دورة حياتها. تشمل مبادئ التصميم المستدام اختيار مكونات خام ذات أثر بيئي منخفض من حيث استخراجها واستخدامها، وتفضيل المواد القابلة للتحلل أو القابلة لإعادة التدوير، وتقليل الاعتماد على مركبات الكربون الثقيلة والملوثة، مع مراعاة السلامة الحيوية والدوائية. التصميم المستدام لا يقتصر على المواد الجديدة فحسب، بل يشمل أيضًا أساليب التصنيع والتعبئة والتغليف.
فمثلًا، يمكن اعتماد عمليات تصنيع أقل استهلاكًا للطاقة، واستخدام مصادر الطاقة المتجددة، وتبني تقنيات إنتاج نظيفة، وتبني أساليب بنائية للصناعة الدوائية تشجع على تقليل النفايات وتقليل وجود مواد كيميائية قابلة للخروج في البيئة.

فرصة أخرى تكمن في استخدام المواد الحيوية وشبه الحيوية كبدائل للمواد الكيميائية التقليدية.
فالمواد الحيوية أو شبه الحيوية تشهد تطورًا سريعًا بفضل التقدم في علم الأحياء الدقيقة والتقنيات الحيوية والهندسة الحيوية.
يمكن استغلال الكائنات الدقيقة أو الإنزيمات لتصنيع مركبات دوائية بطريقة أكثر كفاءة وأقل اعتمادًا على الطاقة والمواد الكيميائية الثقيلة، وهو ما ينعكس إيجابًا في تقليل الانبعاثات الكيميائية والنفايات.
إضافة إلى ذلك، يمكن تطوير مركبات دوائية ذات قابلية تحلل عالية في البيئة وتحتفظ بسلامتها في جسم الإنسان حتى تؤدي وظيفتها العلاجية، ثم تتحلل بسرعة إلى مركبات غير ضارة عند التخلص النهائي. هذا المزيج من الأداء الطبي والقدرة على التحلل يمثل تحديًا تقنيًا ولكنه يمثل أيضًا فرصة حقيقية لإحداث فرق بيئي.
الابتكار في أنظمة التوصيل الدوائي يعد أيضًا ركيزة أساسية ضمن مسار تطوير مواد دوائية صديقة للبيئة. استخدام أنظمة توصيل أكثر كفاءة يقلل من الجرعات المطلوبة ويقلل من النفايات الدوائية الناتجة عن إفراز الجسم للدواء.
تقنيات مثل النانوفورمات، والجسيمات النانوية، والتوصيل المستهدف، والتقنيات القابلة للتحلل يمكن أن تتيح تحقيق فعالية علاجية عالية مع تقليل أثر النفايات والمواد المضافة.
إضافة إلى ذلك، هناك إمكانات لتطوير وسائل تعبئة وتغليف أكثر استدامة، مثل التغليف القابل لإعادة الاستخدام أو القابل للتحلل الحيوي، والتغليف المصنوع من مواد قابلة لإعادة التدوير بالكامل، وهو ما يساعد في تقليل النفايات البلاستيكية والتلوث.

إلى جانب الابتكار الفني، توجد فرصة كبيرة في تعزيز التعاون بين القطاع الأكاديمي وقطاع الصناعة والجهات التنظيمية والمجتمع المدني.
عندما تتشارك الجامعات ومراكز البحوث مع شركات الأدوية وموردي المواد والتعبئة والتغليف، يمكن تصميم مسارات بحث وتطوير تجمع بين التحديات البيئية والاحتياجات الطبية وتكاليف الإنتاج.
وتعتبر الشراكات مع الجهات التنظيمية أمرًا حيويًا لانتقال المعرفة من المختبر إلى السوق بسرعة وبشكل آمن.
يمكن تنظيم مسارات تمويل مشتركة تشجع على التجارب العملية وتوفير منح لبحوث التقييم البيئي عبر دورة حياة المواد الدوائية.
كما أن إشراك المجتمع المدني في هذه الرحلة عبر التوعية والمشاركة في اختيار المواد والتقنيات يمكن أن يعزز قبول المجتمع للابتكارات ويعيد تشكيل الأفكار حول قيم الاستدامة في الصحة والدواء.

السياسات الحكومية والتشريعات لتعجيل التطوير المستدام في صناعة الدواء

علاوة على ذلك، تمثل السياسات الحكومية والتشريعات أداة حقيقية لتعجيل التطوير المستدام في صناعة الدواء. يمكن للحكومات أن تقدم حوافز مالية مثل الإعفاءات الضريبية، أو منحًا للبحوث والتطوير في مجالات المواد البيئية الدوائية، أو اشتراطات بيئية ضمن سلسلة التوريد الصحية لضمان أن الشركات والمنتجين يلتزمون معايير الاستدامة.
كما يمكن أن تشجع سياسات مثل اشتراط وجود برامج لإعادة التدوير أو إعادة الاستخدام للمواد التغليفية أن تعمل كدافع لتبني مواد أكثر صديقة للبيئة. إضافة إلى ذلك، يمكن للسياسات الحكومية توفير إطار قياس وتقييم واضح لأثر المواد الدوائية على البيئة، بما في ذلك مقاييس مثل قابلية التحلل الحيوي، وتأثير المواد الكيميائية في المياه والتربة، وتأثيراتها على الأحياء المائية والبرية.

إعادة التفكير في كامل الدورة الحياتية للدواء

من بين الأمور التي يجب الانتباه إليها أن تطوير مواد دوائية صديقة للبيئة ليس فقط مسألة استبدال مركب كيميائي بآخر أكثر صداقة للبيئة، بل هو عملية تتطلب إعادة التفكير في كامل الدورة الحياتية للدواء من التصميم إلى التخلص النهائي.
لذلك، من الضروري توجيه الاهتمام ليس فقط إلى سلامة المادة الدوائية داخل الجسم، وإنما أيضًا إلى أثرها في البيئة عند التخلص منها بطريقة آمنة.
وهذا يستلزم تطوير اختبارات تقييم بيئي موحدة تقيس مدى التحلل في الطبيعة، والتحكم في مخاطرة التراكم الحيوي للمركبات الكيميائية في المدى الطويل، والتأكد من عدم وجود مسارات تلوث جديدة من خلال ممارسات التصنيع أو التعبئة.
في هذا الإطار يجب تطوير نماذج تقييم دورة حياة المنتج (LCA) والنماذج البيئية المعتمدة عبر القطاع الصحي لتقديم صورة كاملة عن تأثير المواد منذ استخراجها وحتى التخلص النهائي.

من حيث التقييم الاقتصادي، يمثل الاقتصاد الأخضر في قطاع الدواء تحديًا وفرصة على حد سواء. شرائح واسعة من التكاليف قد ترتفع في البداية بسبب الاستثمار في مواد بديلة وعمليات إنتاج أكثر استدامة، لكن يمكن أن يتحقق عائد اقتصادي في المدى المتوسط إلى الطويل عبر تقليل استهلاك الطاقة، وتقليل تكلفة التخلص من النفايات، وتحسين سمعة الشركة وتعزيز قبول المنتجات من قبل الجهات التنظيمية والمرضى.
كما يمكن أن تسهم سياسات الشراء المستدام، والطلب من قبل الحكومات والمؤسسات الصحية على أدوية ومواد تعبئة وتغليف صديقة للبيئة في دعم الانتقال إلى نماذج اقتصادية أكثر استدامة.
وهذا يتطلب وضع نماذج تقييم اقتصادية تأخذ في الاعتبار الفوائد البيئية مع مراعاة النتائج الصحية والتكاليف البيئية.

الآفاق المستقبلية لتطوير مواد دوائية صديقة للبيئة

الآفاق المستقبلية لتطوير مواد دوائية صديقة للبيئة تبقى واعدة إذا توفرت الإرادة المؤسسية والابتكار التكنولوجي والتعاون العالمي.
هناك اتجاهات تقنية واعدة يمكن أن تقود هذا المسار مثل الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة في تصميم المركبات وتقييم سلامتها وبيئتها، والطباعة ثلاثية الأبعاد التي قد تسمح بإنتاج مركبات دوائية أكثر تخصيصًا وتقلل من النفايات، والتقنيات المتقدمة لقياس المواد في البيئة وتحديد أثرها بدقة.
كما يمكن تعزيز تعليم وتدريب العاملين في الصناعة على مبادئ الاستدامة والبيئة من خلال برامج تعليمية وتدريبية وتطوير مهارات جديدة تتناسب مع احتياجات هذا المجال.
وذلك يعني أنه إذا توافرت الشروط الصحيحة من تمويل وسياسات تنظيمية وتعاون عبر القطاعات، يمكن لمجال تطوير المواد الدوائية صديقة للبيئة أن يتحول من مرحلة البحث والتحصيل إلى منظومة صناعية راسخة تسهم بشكل فعّال في تحسين صحة الإنسان مع الحفاظ على البيئة كقيمة أساسية.
يمكن القول إن مسار تطوير المواد الدوائية الصديقة للبيئة ليس مجرد خيار أكاديمي أو تنظيمي، بل هو التزام إنساني يجمع بين حماية الصحة العامة والحفاظ على كوكبنا للأجيال القادمة.
التحديات كبيرة، لكنها ليست حاجزًا أمام التقدم إذا ما توافرت الإرادة والموارد والقيادة الفاعلة.
الفرص التي تحملها هذه الرؤية عظيمة وتستحق الاستثمار والدعم من جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك الحكومات والجهات التنظيمية والصناعة والمؤسسات الأكاديمية والمجتمعات المدنية.
معًا، يمكننا بناء منظومة دوائية لا تحافظ فقط على الحياة من خلال العلاج، بل تحافظ أيضًا على الحياة من خلال حفظ البيئة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading