نظام زراعي مبتكر.. تنوع النباتات يرفع إنتاج المراعي ويقلل استخدام الأسمدة عالميًا
بحث عالمي يكشف: إضافة البقوليات والأعشاب يعزز غلة المزارع دون إضرار البيئة
تغذّي المراعي المختلطة مساحات واسعة من المناطق الزراعية حول العالم، إذ تعتمد مزارع كثيرة على نوع واحد فقط من الأعشاب وتستخدم كميات كبيرة من الأسمدة النيتروجينية للحفاظ على ارتفاع الإنتاج.
ورغم بقاء الغلة قوية، فإن التربة والمياه والمناخ يتأثرون سلبًا بطرق غير مباشرة. ولهذا يبحث عدد متزايد من المزارعين عن أساليب تحافظ على الأراضي وتوفر في الوقت نفسه كمية كافية من العلف الجيد للماشية.
وقد تعاون فريق واسع من العلماء من دول عديدة لدراسة فكرة بيئية جديدة، مفادها أن الحقول التي تضم عددًا أكبر من الأنواع النباتية قد تنتج مزيدًا من العلف مع استخدام أقل للنيتروجين. وتقدم دراسة حديثة دعمًا واضحًا لهذه الفكرة، وفق نتائج مستخلصة من 26 موقعًا بحثيًا موزعة عبر أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا ونيوزيلندا.
وقد نُشرت الدراسة في دورية “ساينس”.
لغز الزراعة الرئيسي
يسعى مزارعو المراعي إلى تحقيق إنتاج مرتفع دون الإضرار طويل الأمد بالأراضي، فالنظم التقليدية تعتمد على أصناف قليلة من النباتات وعلى استخدام مكثف للنيتروجين، ما يجعل الحقول سهلة الإدارة لكنها تتسبب في فقدان المغذيات وتدهور التربة وزيادة الضغوط المناخية.
ومن الممكن أن يشكل التحول نحو مزيج نباتي أكثر تنوعًا مسارًا أفضل، إذ يمكن للحقول المختلطة دعم نمو قوي وتقليل استخدام الأسمدة وتعزيز صحة التربة.
وتشير دراسات عديدة إلى مكاسب واضحة عندما تنمو الأعشاب والبقوليات والأعشاب العطرية معًا في الحقول نفسها، بما يرفع الإنتاج ويحد من التلوث ويخلق نظامًا زراعيًا أكثر استقرارًا للمستقبل.

جهد بحثي عالمي
أجرى فريق LegacyNet، وهو شبكة عالمية من الباحثين، تجربة مشتركة واسعة في مواقع متعددة. واختبر كل موقع ثلاثة أنظمة للمراعي:
– نظام يعتمد على نوع واحد من الأعشاب.
– نظام ثنائي يجمع بين عشب وبقوليات.
– نظام يضم ستة أنواع تتكون من نوعين من الأعشاب ونوعين من البقوليات ونوعين من الأعشاب العطرية.
نمت الخلطات المتنوعة مع استخدام منخفض للنيتروجين، بينما احتاجت الحقول أحادية الصنف إلى كميات أكبر بكثير من السماد.
واختارت كل منطقة الأنواع الأنسب لمناخها، مثل الرايجراس المعمر، التيـموتي، البرسيم الأحمر، البرسيم الأبيض، الهندباء العلفية، وحشيشة الرشاد العلفية. وقد سمحت الفوارق المناخية الكبيرة بين المواقع برصد أداء الخلطات النباتية عبر بيئات متنوعة.

لماذا تساعد الخلطات العشبية؟
حققت الحقول التي تضم ستة أنواع نباتية غلالًا أعلى من كثير من المراعي التقليدية التي تعتمد على كميات كبيرة من النيتروجين، ويعود ذلك إلى “العمل الجماعي” بين النباتات: فالأعشاب توفر الكتلة الحيوية، وتضيف البقوليات نيتروجينًا طبيعيًا، وتمنح الأعشاب العطرية قدرة أكبر على تحمل الضغوط. وتؤدي تفاعلات هذه المجموعات إلى إنتاج أعلى من مجموع مساهمة كل نوع على حدة.
وأوضح كارستن ماليش من جامعة آرهوس أن “زيادة التنوع لا تقلل الإنتاج، بل ترفعه”. وكانت النتائج أقوى في المناطق الدافئة، ما يشير إلى إمكانات كبيرة في ظل المستقبل الأكثر حرارة.

تعاون علمي دولي
يمثل مشروع LegacyNet نموذجًا جديدًا للبحث العلمي، حيث اتبعت دول عديدة بروتوكولًا واحدًا، مما عزّز موثوقية النتائج، وأكد دييجو أبالوس، أحد المشاركين في الدراسة، أن مثل هذه الجهود المشتركة نادرة لكنها يجب أن تصبح أكثر شيوعًا. وذكرت كارولين بروفاي من كلية ترينيتي دبلن أن تعدد المواقع يوفر إحصاءات أقوى وأنماطًا أوضح.

إرشادات واضحة للمزارع
تبيّن أن الحقول المختلطة من الأعشاب والبقوليات والأعشاب العطرية يمكنها خفض استخدام الأسمدة وزيادة الإنتاج في الوقت نفسه. وقال جون فين، أحد مؤلفي الدراسة، إن “الخلطات متعددة الأنواع توفر إنتاجًا أعلى باستخدام كمية أقل من النيتروجين”.
وتشير النتائج إلى أن الخلطات التي تحتوي على ما بين الثلث والثلثين من البقوليات، مع وجود كافٍ من الأعشاب والأعشاب العطرية للحفاظ على التوازن، تقدم أفضل أداء في معظم المناخات. كما تخفض الحاجة إلى الأسمدة وتدعم صحة التربة.
تأثير التنوع النباتي على المراعي
بدأت التجارب الأولى في أيرلندا، قبل أن تتوسع تدريجيًا مع انضمام مزيد من الفرق البحثية من قارات مختلفة، وتشير نتائج جميع المناطق إلى فكرة واضحة: المراعي الغنية بالأنواع النباتية توفر علفًا أفضل، وتمسك التربة بصورة أقوى، وتقلل فقدان النيتروجين، وتتكيف مع الحرارة المتصاعدة.
وتُظهر هذه النظم جذورًا أعمق وقدرة أكبر على سحب المغذيات من التربة والبقاء منتجة تحت الضغط، وهي تمنح المزارعين فرصة لحماية الأرض وتقليل التكاليف وبناء مستقبل أكثر استقرارًا لإنتاج الغذاء.




