أخبارالتنمية المستدامةالتنوع البيولوجي

نباتات بدائية غيّرت مناخ الأرض قبل 455 مليون عام

نباتات صغيرة أعادت تشكيل دورة الكربون على الأرض قبل مئات الملايين من السنين

قبل مئات الملايين من السنين، لم تكن القارات مغطاة بالغابات أو النباتات كما نعرفها اليوم، بل كانت مساحات واسعة من الصخور العارية والتربة البدائية، ومع ذلك، تشير أدلة جيولوجية جديدة إلى أن نباتات برية بدائية صغيرة، ربما تشبه الطحالب أو الحزازيات، بدأت قبل نحو 455 مليون عام في تغيير كوكب الأرض بعمق، ليس فقط على اليابسة، بل في المحيطات والغلاف الجوي أيضًا.

تكشف دراسة حديثة، نُشرت في دورية Nature، أن هذه النباتات المبكرة ساهمت في ضخ كميات كبيرة من الكربون إلى المحيطات عبر الأنهار والرسوبيات، وهو ما أدى إلى تغييرات واسعة في دورة الكربون العالمية ومستويات الأكسجين وثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.

وتشير النتائج إلى أن تأثير النباتات على مناخ الأرض بدأ قبل عشرات الملايين من السنين من ظهور الغابات الأولى، ما يعني أن تاريخ تفاعل الحياة مع النظام المناخي للكوكب أقدم وأكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا.

ويعتمد هذا الاكتشاف على تحليل كيميائي واسع لرواسب بحرية قديمة، أظهر ارتفاعًا ملحوظًا في نسبة الكربون إلى الفوسفور في طبقات الطين البحري حول العالم.

ويعد هذا التغير الكيميائي بمثابة بصمة جيولوجية واضحة لانتشار النباتات على اليابسة، إذ تحتوي النباتات البرية على كميات أكبر بكثير من الكربون مقارنة بالكائنات البحرية مثل الطحالب.

وبمرور الوقت، أدى دفن هذا الكربون العضوي في قاع المحيطات إلى تقليل ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي وزيادة الأكسجين، وهو تحول كان له دور مهم في إعادة تشكيل مناخ الأرض ونظمها البيئية.

النص المُعاد صياغته بشكل أعمق وأكثر تفصيلًا

تشير الأدلة المستخلصة من الرواسب البحرية القديمة إلى أن النباتات البرية بدأت في إرسال كميات كبيرة من الكربون إلى المحيطات قبل نحو 455 مليون عام.

ويعيد هذا الاكتشاف رسم توقيت اللحظة التي بدأت فيها النباتات تؤثر في توازن الأكسجين وثاني أكسيد الكربون والمناخ العالمي، أي قبل وقت طويل من انتشار الغابات التي غطت القارات لاحقًا.

وتكشف طبقات الطين البحري القديمة عن زيادة حادة في نسبة الكربون إلى الفوسفور عبر بيئات قاع البحر المختلفة والمتباعدة جغرافيًا، ويُعد هذا التغير الكيميائي مؤشرًا مهمًا على وصول مواد عضوية مصدرها اليابسة إلى المحيطات.

قاد البحث العالم Mingyu Zhao من Chinese Academy of Sciences، حيث قام فريقه بتحليل مجموعة ضخمة من البيانات الجيوكيميائية من مواقع بحرية متعددة حول العالم. وأظهرت النتائج أن الزيادة في نسبة الكربون إلى الفوسفور بدأت قبل حوالي 455 مليون سنة واستمرت خلال فترات مختلفة من تغيرات المحيطات.

ولم يكن هذا التغير مجرد ظاهرة مؤقتة، بل استمر عبر عصور جيولوجية لاحقة، ما يشير إلى زيادة مستدامة في تدفق الكربون القادم من النباتات البرية إلى البحار.

ونظرًا لأن حفريات النباتات البرية المبكرة نادرة للغاية وغالبًا ما تكون مجزأة، فإن هذا السجل الرسوبي أصبح أوضح دليل زمني على توقيت انتشار النباتات على اليابسة.

الكربون والفوسفور: دليل كيميائي على انتشار النباتات

تحتوي النباتات البرية على كميات كبيرة من الكربون مقارنة بالكائنات البحرية مثل الطحالب.

ويظهر هذا الفرق بوضوح في الرواسب البحرية من خلال نسبة الكربون إلى الفوسفور، وهي أداة يستخدمها العلماء لمعرفة مصدر المادة العضوية المدفونة في القاع.

فجدران الخلايا النباتية القوية تسمح للنباتات بتخزين كميات كبيرة من الكربون دون الحاجة إلى كميات كبيرة من الفوسفور.

وعندما تتحلل بقايا النباتات وتصل إلى المحيطات، فإنها ترفع نسبة الكربون مقارنة بالفوسفور في الرواسب، ما يوفر مؤشرًا واضحًا على وصول المواد النباتية من اليابسة.

دورة الكربون في الزراعة
دورة الكربون في الزراعة

تقدير كمية الكربون القادم من اليابسة

بدل الاعتماد على عدد محدود من الحفريات، استخدم الباحثون طريقة حسابية تعتمد على مصدرين رئيسيين للمادة العضوية:

الطحالب البحرية

– النباتات البرية

ومن خلال مقارنة النسب الكيميائية في الرواسب، تمكن الفريق من تقدير مساهمة كل مصدر، وتشير النتائج إلى أن المواد القادمة من اليابسة شكلت نحو 42٪ من الكربون العضوي المدفون في قاع البحر، مع هامش خطأ يقارب 15٪.

وللمقارنة، تشير العينات الحديثة من قاع المحيطات إلى أن مساهمة اليابسة تتراوح بين 30 و57٪ من الكربون المدفون، رغم أن طرق النقل والدفن القديمة قد تكون مختلفة عن الظروف الحالية.

إن قضاء بضعة أيام سهلة في الهواء الطلق يساعد على بناء القدرة على التحمل لدى النباتات الصغيرة.
إن قضاء بضعة أيام سهلة في الهواء الطلق يساعد على بناء القدرة على التحمل لدى النباتات الصغيرة.

دفن الكربون وتأثيره على الغلاف الجوي

عندما يُدفن الكربون العضوي في الرواسب البحرية، فإنه يخرج من دورة الكربون السطحية، وهذا يعني أن الكربون الذي استخدمته النباتات خلال عملية البناء الضوئي لا يعود بسهولة إلى الغلاف الجوي على شكل ثاني أكسيد الكربون.

ونتيجة لذلك، يؤدي دفن كميات أكبر من الكربون النباتي إلى:

– ارتفاع مستويات الأكسجين في الغلاف الجوي

– انخفاض مستويات ثاني أكسيد الكربون

وأوضح الباحث تشاو أن: زيادة دفن الكربون العضوي ساهمت في تراكم الأكسجين في الغلاف الجوي مع تقليل تركيز ثاني أكسيد الكربون.

التجوية الكيميائية ودور النباتات

مع انتشار النباتات على اليابسة، بدأت عمليات التجوية الكيميائية للصخور في التسارع، وتحدث هذه العملية عندما يتفاعل ماء المطر مع الصخور السيليكاتية، ما يؤدي إلى إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي.

كما تطلق هذه العملية الفوسفور من الصخور، وهو عنصر غذائي أساسي يعزز نمو الكائنات الحية في المحيطات.

ويرى الباحثون أن التنوع السريع للنباتات البرية المبكرة ربما أدى إلى تسريع هذه العمليات الجيوكيميائية، لكن من الصعب تحديد مقدار التأثير الذي جاء من النباتات مقارنة بتأثير المناخ أو حركة الصفائح التكتونية.

انتشار غير متساوٍ للنباتات المبكرة

تشير الأدلة الجيولوجية إلى أن النباتات لم تنتشر في جميع القارات في الوقت نفسه.

فقد ظهرت الإشارات الكيميائية أولًا في القارة القديمة Laurentia، التي كانت تضم أجزاء كبيرة من أمريكا الشمالية الحالية وكانت تقع قرب خط الاستواء آنذاك.

وكانت هذه المنطقة تحتوي على سهول ساحلية واسعة ملائمة لنمو النباتات البدائية، وهو ما يفسر ظهور الإشارة الكيميائية هناك قبل مناطق أخرى من العالم.

النباتات وتغير المناخ والانقراضات

في أواخر العصر الأوردوفيشي، دخلت الأرض في عصر جليدي كبير أدى إلى انخفاض مستويات البحار وتدمير العديد من المواطن البحرية الضحلة، حيث كانت تعيش معظم الكائنات البحرية آنذاك.

ويرى العلماء أن دفن الكربون الناتج عن النباتات والتجوية المتزايدة للصخور ربما ساهم في خفض ثاني أكسيد الكربون، ما عزز التبريد العالمي، ومع ذلك، يشير الباحثون إلى أن النباتات كانت عاملًا واحدًا فقط ضمن شبكة معقدة من العوامل الجيولوجية والمناخية.

النباتات البرية وإعادة تشكيل أنظمة الأرض

تضع هذه الدراسة النباتات البرية المبكرة في قلب نظام الأرض، حيث تربط بين تطور الحياة والتغيرات الكيميائية في الصخور والمحيطات والغلاف الجوي.

ومع استمرار الأبحاث المستقبلية، يأمل العلماء في الجمع بين الأدلة الأحفورية والتحليلات الكيميائية والنماذج الحاسوبية لفهم كيف وأين بدأت أولى النباتات في استعمار اليابسة، وكيف ساهمت في تشكيل المناخ الذي سمح لاحقًا بتطور الحياة المعقدة على الكوكب.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading