موسم حساسية الخريف يطول.. والاحتباس الحراري وتلوث الهواء يزيدان معاناة الملايين
لماذا تستمر حساسية الخريف لفترة أطول؟ ارتفاع الحرارة وتلوث الهواء في دائرة الاتهام
لم تعد حساسية الخريف تنتهي بالضرورة مع بداية انخفاض درجات الحرارة؛ فارتفاع حرارة الأرض وتأخر موجات الصقيع يمنحان النباتات المنتجة لحبوب اللقاح وقتًا أطول للنمو والتكاثر، بينما قد يؤدي تلوث الهواء إلى تغيير خصائص هذه الحبوب وزيادة قدرتها على إثارة الاستجابات التحسسية لدى بعض الأشخاص.
وتبرز هذه المشكلة بوضوح في الولايات المتحدة، حيث يعاني نحو شخص واحد من كل سبعة أشخاص حساسية تجاه حبوب لقاح نبات الرجيد، وفقًا لمؤسسة الربو والحساسية الأمريكية. ولا يقتصر الأمر على هذا النبات، إذ تطلق أنواع أخرى، مثل الشيح والقطيفة والسرمق، حبوب لقاح خلال الفترة نفسها من العام.
وتشير الأدلة العلمية إلى أن إطالة موسم الحساسية لا ترتبط بعامل واحد؛ بل تتداخل فيها تغيرات درجات الحرارة ومواعيد الصقيع وتركيزات ثاني أكسيد الكربون، إلى جانب تأثيرات تلوث الهواء والأنماط الحضرية، بما يرفع احتمالات استمرار الأعراض لدى الأشخاص المعرضين للحساسية.
الصقيع يتأخر وموسم حبوب اللقاح يمتد
تطلق نباتات الرجيد حبوب اللقاح حتى تتعرض لصقيع شديد يقضي عليها. ومع تأخر وصول درجات الحرارة المتجمدة في الخريف، يمكن لهذه النباتات مواصلة إنتاج حبوب اللقاح لفترة أطول، ما يمدد الموسم الذي يعاني خلاله المصابون بالحساسية من العطس وسيلان الأنف وتهيج العينين.
ورصدت منظمة «كلايمت سنترال» البحثية غير الربحية التغيرات في عدد الأيام الخالية من الصقيع خلال الفترة الممتدة من سبتمبر إلى نوفمبر في 202 مدينة أمريكية. وأظهر تحليلها، الصادر في سبتمبر، أن هذه الفترة زادت بمتوسط 11 يومًا في 177 مدينة بين عامي 1970 و2025، بينما أصبحت أطول بأسبوعين على الأقل في 67 مدينة.
وفي تحليل آخر شمل الفترة الكاملة الخالية من الصقيع، من آخر موجة تجمد في الربيع إلى أول موجة في الخريف، ارتفعت المدة في 173 مدينة من أصل 198 مدينة جرى تحليلها خلال الفترة نفسها، بزيادة متوسطها 21 يومًا.
وسجلت منطقة الشمال الغربي الأمريكي أكبر زيادة إقليمية، بلغت 31 يومًا، بينما ارتفعت المدة في مدينة رالي بولاية نورث كارولينا 41 يومًا، وفي رينو بولاية نيفادا 100 يوم.
وقالت كريستي دال، نائبة رئيس قسم العلوم في «كلايمت سنترال»، إن ارتفاع درجات الحرارة يطيل المواسم الخالية من التجمد في مختلف مناطق الولايات المتحدة، ما يمنح النباتات أسابيع إضافية للنمو وإطلاق حبوب اللقاح.
ولا تعني زيادة الأيام الخالية من الصقيع بالضرورة زيادة مماثلة في مدة انتشار حبوب اللقاح في كل منطقة، لكنها تُعد مؤشرًا على الظروف المناخية التي تسمح للنباتات بمواصلة نشاطها.
الاحترار العالمي يطيل مواسم اللقاح ويزيد كمياته
لا تعتمد الأدلة على مواعيد الصقيع وحدها؛ فقد تناولت دراسة نُشرت عام 2021 في دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» بيانات مباشرة لحبوب اللقاح جُمعت من 60 محطة للرصد في أمريكا الشمالية بين عامي 1990 و2018.
وأظهرت النتائج أن مواسم حبوب اللقاح بدأت في المتوسط قبل موعدها بنحو 20 يومًا، وامتدت مدة الموسم نحو ثمانية أيام إضافية، فيما ارتفعت الكمية الإجمالية لحبوب اللقاح المحمولة في الهواء بنحو 21%.
واستخدم الباحثون نماذج مناخية لتقدير مساهمة الاحترار الناتج عن الأنشطة البشرية في هذه التغيرات. وخلص تحليلهم إلى أن هذا الاحترار يفسر نحو نصف التغير في توقيت مواسم حبوب اللقاح، ونحو 8% من الزيادة في كمياتها، مع تأثير أكبر لدرجات الحرارة مقارنة بثاني أكسيد الكربون على مستوى القارة.
ومع ذلك، يظل ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون عاملًا مؤثرًا في نمو بعض النباتات. ففي تجربة أُجريت عام 2002 داخل بيئة خاضعة للرقابة، أنتج نبات الرجيد الذي نما في هواء يحتوي على ضعف تركيز ثاني أكسيد الكربون المعتاد حبوب لقاح أكثر بنسبة 61%.
كما رُبطت الإضاءة الاصطناعية ليلًا في المدن بإطالة مواسم حبوب اللقاح، ما يشير إلى أن تغير المناخ ليس العامل الوحيد الذي يمكن أن يغير مواعيد إزهار النباتات وإطلاقها لهذه الحبوب.
عوادم السيارات قد تجعل حبوب اللقاح أكثر إثارة للحساسية
لا يقتصر تأثير تلوث الهواء على الجهاز التنفسي بصورة مباشرة؛ إذ تشير أبحاث مجمعة في ورقة علمية نُشرت عام 2025 في دورية «Allergy» إلى أن بعض الملوثات قد تغير خصائص حبوب اللقاح نفسها، بما قد يزيد قدرتها على تحفيز الاستجابة المناعية.
وتستعرض الورقة، التي أعدها 14 باحثًا من جامعات ألمانية ومؤسسات متخصصة في الطقس والبيئة، دراسات تناولت نبات الرجيد الذي ينمو بالقرب من الطرق المزدحمة.
وأظهرت إحدى الدراسات أن حبوب اللقاح المأخوذة من نباتات نمت بجوار الطرق احتوت على كميات أكبر من البروتين «Amb a 1»، وهو أحد مسببات الحساسية الرئيسية لدى الأشخاص الذين يعانون حساسية الرجيد، مقارنة بحبوب اللقاح القادمة من مناطق أكثر خضرة. كما ارتبطت هذه الحبوب بتفاعل أقوى مع الأجسام المضادة لدى مرضى الحساسية.
وفي تجربة أخرى، أدى تعريض نبات الرجيد لكميات إضافية من ثاني أكسيد النيتروجين إلى إنتاج مادة مسببة للحساسية جديدة تشبه بروتينًا موجودًا في لاتكس شجرة المطاط.
وينتج ثاني أكسيد النيتروجين عن احتراق الوقود، وتُعد حركة المرور من مصادره المهمة داخل المدن. وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في المناطق التي تتزامن فيها مستويات التلوث المرتفعة مع مواسم انتشار حبوب اللقاح.
وتشير هذه الأدلة إلى أن تقييم مخاطر الحساسية لا ينبغي أن يقتصر على قياس كمية حبوب اللقاح في الهواء؛ إذ قد تؤثر الظروف البيئية أيضًا في تركيبها وخصائصها التحسسية.
وخلص مؤلفو الورقة إلى أن الرعاية الطبية تساعد المرضى على التعامل مع الأعراض، لكن الحد من العبء الإجمالي لأمراض الحساسية يتطلب أيضًا سياسات تقلل تلوث الهواء.
مدن أمريكية تتصدر مستويات حبوب لقاح الأعشاب
يصنف تقرير «عواصم الحساسية» لعام 2026 الصادر عن مؤسسة الربو والحساسية الأمريكية أكبر 100 منطقة حضرية من حيث عدد السكان، استنادًا إلى مستويات حبوب اللقاح واستخدام أدوية الحساسية المتاحة دون وصفة طبية وعدد المتخصصين في علاجها.
وبحسب مستويات حبوب لقاح الأعشاب وحدها، جاءت سان دييغو وسولت ليك سيتي وأوغدن وسبوكان وسان فرانسيسكو ضمن المدن العشر الأكثر تأثرًا، تلتها نوكسفيل ورالي وبروفو وأتلانتا ووينستون سالم.
وتتداخل أنواع مختلفة من النباتات في هذه المدن؛ فالشيح يضيف إلى مصادر حبوب اللقاح في سبوكان، بينما يسهم نبات الميرمية الصحراوية في سان دييغو. وفي ثلاث مدن بولاية يوتا، تشمل المصادر الشيح أو الميرمية الصحراوية أو كليهما، إلى جانب الرجيد.
وقالت ميلاني كارفر، المسؤولة الرئيسية عن المهمة في المؤسسة، إن الأشخاص الذين يعانون الحساسية تجاه أكثر من نوع من حبوب اللقاح قد يواجهون أعراضًا شبه مستمرة طوال العام، نتيجة التبكير في موسم حبوب لقاح الأشجار وامتداد موسم حبوب لقاح الأعشاب.
ويمكن لنبات رجيد واحد إنتاج ما يصل إلى مليار حبة لقاح، كما تستطيع الرياح نقل هذه الحبوب لمسافات تصل إلى مئات الأميال. وتكون مستوياتها قرب النباتات أعلى عادة في الصباح الدافئ والعاصف، وفقًا للمعلومات التي أوردتها المؤسسة.
خطوات للحد من التعرض لحبوب اللقاح
يمكن تقليل التعرض لحبوب اللقاح عبر مجموعة من الإجراءات اليومية، خصوصًا خلال الأيام التي ترتفع فيها مستوياتها في الهواء.
وتوصي مؤسسة الربو والحساسية الأمريكية بإغلاق النوافذ في الأيام التي ترتفع فيها مستويات حبوب اللقاح، واستخدام جهاز لتنقية الهواء في الغرفة التي يقضي فيها الشخص معظم وقته، مثل غرفة النوم.
كما يُنصح بخلع الأحذية عند مدخل المنزل، وغسل الشعر ليلًا لتقليل ما قد يعلق به من حبوب اللقاح، وتجنب ارتداء الملابس المستخدمة خارج المنزل أثناء النوم، فضلًا عن تنظيف الحيوانات الأليفة قبل دخولها إلى المنزل.
ويمكن متابعة مستويات حبوب اللقاح المحلية عبر شبكة «المكتب الوطني للحساسية» في الولايات المتحدة، بينما توفر منصة «إير ناو» التابعة لوكالة حماية البيئة الأمريكية بيانات عن جودة الهواء، بما في ذلك مستويات بعض الملوثات المرتبطة بحركة المرور.
العلاج المبكر قد يقلل شدة الأعراض
تشير دراسة نُشرت عام 2025 في دورية «Frontiers in Allergy» إلى أن توقيت بدء العلاج قد يؤثر في شدة أعراض الحساسية الموسمية.
وشملت التجربة 120 شخصًا يعانون حساسية حبوب لقاح الشيح في مدينة يولين شمال الصين، ووزعهم الباحثون عشوائيًا على مجموعتين: بدأت الأولى استخدام بخاخ أنفي يجمع بين الستيرويد ومضاد الهيستامين قبل وصول حبوب اللقاح بنحو أسبوعين، بينما بدأت المجموعة الثانية العلاج نفسه بعد أن أصبحت الأعراض متوسطة الشدة أو أسوأ.
ومن بين 107 مشاركين أكملوا سجلات الأعراض، بلغ متوسط درجات الأعراض الأنفية خلال الموسم نحو 6 من 12 لدى من بدأوا العلاج مبكرًا، مقارنة بنحو 8 لدى من بدأوه بعد تفاقم الأعراض.
وسُجلت نوبات ربو لدى 18 شخصًا في المجموعة التي بدأت العلاج مبكرًا، مقابل 23 في المجموعة الأخرى، لكن الباحثين أشاروا إلى أن هذا الفارق المحدود قد يرجع إلى المصادفة ولا يكفي وحده لإثبات انخفاض خطر نوبات الربو.
وتوصي مؤسسة الربو والحساسية الأمريكية ببدء أدوية الحساسية اليومية قبل موسم حبوب اللقاح المحلي بنحو أسبوعين، مع ضرورة تحديد العلاج المناسب بالتشاور مع مختص، خصوصًا لمن يعانون أعراضًا متوسطة أو شديدة.
وقد يتطلب العلاج المناعي، سواء عبر الحقن أو أقراص تذوب تحت اللسان، وقتًا أطول قبل بدء الموسم. وتوصي نشرة أحد أقراص العلاج المناعي لحساسية الرجيد ببدء الاستخدام قبل الموسم بما لا يقل عن 12 أسبوعًا.
ويمكن لاختبارات الجلد أو الدم التي يجريها اختصاصي الحساسية المساعدة في تحديد أنواع حبوب اللقاح المسؤولة عن الأعراض. كما أن الحكة في العينين والأنف قد تشير إلى الحساسية، لكنها لا تغني عن التقييم الطبي، خاصة عند تشابه الأعراض مع نزلات البرد والإنفلونزا والعدوى التنفسية الأخرى.
ما زالت عتبة إثارة الحساسية بحاجة إلى مزيد من البحث
رغم الاعتقاد الشائع بأن حبوب لقاح الرجيد تسبب الأعراض بجرعات أقل من حبوب لقاح البتولا، فإن تجربة محدودة أجراها معهد فراونهوفر لعلم السموم والطب التجريبي في ألمانيا، في مايو 2026، لم تجد الفارق المتوقع.
وشملت التجربة رجلين فقط يعانيان حساسية الرجيد، أمضى كل منهما فترات داخل غرفة مغلقة أمكن التحكم في تركيز حبوب اللقاح فيها وقياسه. ولم تظهر النتائج الفرق الذي توقعه الباحثون بين استجابة الجسم لحبوب لقاح الرجيد وتلك الخاصة بالبتولا.
وقاس الفريق أيضًا نسبة البروتين المسبب للحساسية في الحبوب؛ فبلغت نسبة «Amb a 1» نحو 0.17% من وزن حبوب لقاح الرجيد، بينما شكّل المسبب الرئيسي للحساسية في حبوب لقاح البتولا نحو 1.96% من وزنها.
لكن مشاركة شخصين فقط لا تسمح بتحديد عتبة موثوقة لكمية حبوب اللقاح التي تبدأ عندها الأعراض، وأكد الباحثون الحاجة إلى دراسات أكبر قبل استخلاص نتائج عامة.
وتعزز هذه النتائج أهمية النظر إلى موسم الحساسية باعتباره مشكلة تتداخل فيها عوامل المناخ وتلوث الهواء وخصائص حبوب اللقاح والاستعداد الفردي، لا مجرد مسألة مرتبطة بارتفاع عدد الحبوب في الهواء.
ومع استمرار المواسم الخالية من الصقيع في التمدد في مناطق عديدة، يصبح تحسين جودة الهواء ومراقبة حبوب اللقاح وتوفير المعلومات الصحية المبكرة عناصر مهمة للحد من الأعباء التي تتحملها الفئات المصابة بالحساسية.





