موجة حر بحرية شديدة 2023 تُسقط أعمدة الشعاب المرجانية في فلوريدا
بعد فقدان 98–100% من المستعمرات.. ضربة قاصمة لحاجز فلوريدا المرجاني
أعلن علماء أن نوعين من الشعاب المرجانية البنّاءة في فلوريدا، هما مرجان «إلكهورن» و«ستاغهورن»، وصلا إلى مرحلة «الانقراض الوظيفي»، أي أنهما أصبحا نادرين إلى حد لا يسمح لهما بأداء دورهما الحيوي في بناء الشعاب. وأظهرت المسوحات الميدانية أنه بعد موجة الحر البحرية في صيف 2023 اختفى ما بين 97.8 و100 في المئة من مستعمرات هذين النوعين في جزر فلوريدا كيز.
يركز هذا الاستنتاج على الحاجز المرجاني الوحيد في فلوريدا، الممتد بمحاذاة الساحل الجنوبي الشرقي للولاية، وخلال ذلك الصيف، ظلت درجات حرارة المياه أعلى من 90 درجة فهرنهايت لنحو ثلاثة أشهر متواصلة، ما ألحق ضررًا بالغًا بالنظام البيئي.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية «ساينس»، التي قادها ديريك مانزيلو، عالم الشعاب المرجانية في الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، ضمن برنامج «مراقبة الشعاب المرجانية» والمختبر الأطلسي لعلوم المحيطات والأرصاد الجوية. وتتابع أبحاثه تأثير ارتفاع حرارة المحيطات وتغير كيميائها على مجتمعات الشعاب في فلوريدا والكاريبي.
الانقراض الوظيفي
ويعني «الانقراض الوظيفي» أن المرجان لم يعد قادرًا على تكوين الغابات المتفرعة الكثيفة التي كانت تهيمن على الشعاب الضحلة، ورغم بقاء مستعمرات صغيرة متناثرة، فإنها لم تعد تُنشئ موائل متصلة تحتاجها الأسماك والكركند وغيرها من الكائنات البحرية. لذلك ركزت الدراسة على الدور البيئي للشعاب، لا مجرد بقاء أفراد متفرقين، وخلصت إلى أن إلكهورن وستاغهورن لم يعودا يؤديان دورهما السابق في فلوريدا.
يمتد حاجز فلوريدا المرجاني نحو 350 ميلًا من دراي تورتوغاس قرب كي ويست حتى مدخل سانت لوسي على الساحل الجنوبي الشرقي، وهو النظام الضحل الواسع الوحيد الملاصق للولايات المتحدة القارية. وقبل الانهيار، كان إلكهورن وستاغهورن من أهم المرجان البنّاء الذي يكوّن هيكل الشعاب، حيث شكلت كثافاتهما حواجز طبيعية تُبطئ الأمواج وتوفّر مأوى لأعداد هائلة من الأسماك واللافقاريات.

الأمراض وتلوث المياه وجنوح السفن
غير أن هذين النوعين كانا قد تعرضا، قبل موجة الحر الأخيرة، لضغوط متعددة شملت الأمراض، وتلوث المياه، وجنوح السفن، والتوسع العمراني الساحلي. وبحلول أوائل الألفية، قدّر العلماء أن أعدادها في فلوريدا هبطت إلى أقل من 3 في المئة من مستوياتها التاريخية. وعلى الرغم من إدراج النوعين لاحقًا ضمن الأنواع المهددة وفق قانون الأنواع المهددة بالانقراض، فإن أعدادهما واصلت التراجع مع استمرار احترار المحيط.
يصنف العلماء حدث صيف 2023 بوصفه «موجة حر بحرية»، وهي فترة ترتفع فيها حرارة المحيط على نحو غير معتاد لأسابيع. وخلالها، بقيت درجات حرارة سطح البحر عند 31 درجة مئوية تقريبًا لمدة تقارب 40 يومًا في المتوسط، وهو إجهاد حراري يفوق بمقدار مرتين إلى أربع مرات أي شيء سُجل منذ بدء الرصد بالأقمار الصناعية. وفي جزر كيز ودراي تورتوغاس، تعرضت الشعاب الضحلة لحرارة مفرطة أدت إلى خسائر كارثية. أما شمالًا، فخففت المياه الأبرد نسبيًا من الضرر، لكن أكثر من ثلث مستعمرات إلكهورن وستاغهورن المدروسة نفقت أيضًا.
الشعاب المرجانية كائنات حيوانية دقيقة تعيش في مستعمرات وتبني هياكل صلبة من كربونات الكالسيوم، وتستضيف داخل أنسجتها طحالب تكافلية توفر الغذاء واللون. وعندما ترتفع الحرارة بدرجتين فقط فوق المعدل الصيفي وتستمر، تنهار هذه الشراكة، فيحدث «ابيضاض» المرجان ويبدأ بالجوع. وإذا طال أمد الحرارة، تتلف الخلايا وتزداد احتمالات المرض والموت، وهو ما حدث خلال موجة الحر حين فقدت مستعمرات كثيرة أنسجتها ونفقت بالكامل.

خسائر السياحة والغوص ووظائف
ولا تقتصر الخسارة على التنوع الحيوي؛ فهذه الشعاب كانت حواجز طبيعية تحمي المجتمعات الساحلية، وتقدّر ولاية فلوريدا أن الحاجز المرجاني يوفر حماية سنوية من الفيضانات تتجاوز 650 مليون دولار، ويدعم سياحة بقيمة نحو 1.1 مليار دولار، إضافة إلى نحو 71 ألف وظيفة في الغوص والصيد والأنشطة المرتبطة بالشعاب. ومع تآكل الإطار المرجاني الحي، تواجه المنطقة خيارات اقتصادية صعبة تتعلق بالحواجز الخرسانية وإعادة الإعمار بعد العواصف ومستقبل المصايد.
ورغم الخسارة شبه الكاملة، لا يتخلى العلماء ومديرو الموارد عن الشعاب. فقد أنقذت فرق العمل في مشاتل جزر كيز وأحواض الأحياء المائية الشريكة أجزاء وراثية من آخر المستعمرات البرية لإلكهورن وستاغهورن، على أمل إكثار سلالات أكثر تحملًا.





