موجات الحر تحصد الأرواح بصمت.. باحثون يطالبون بتعزيز مراكز التبريد والمساحات المظللة
ارتفاع الحرارة يفاقم الأزمات الصحية.. وخبراء يدعون إلى خطط تكيف عادلة ومنصفة
كشفت دراسة حديثة قادها معهد المناخ بجامعة واترلو الكندية عن الحاجة الملحة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة تراعي العدالة الصحية لمواجهة المخاطر المتزايدة لموجات الحر الشديدة، في ظل ارتفاع درجات الحرارة عالميًا نتيجة تغير المناخ.
وأكد الباحثون، أن درجات الحرارة المرتفعة المصحوبة بمستويات عالية من الرطوبة لم تعد مجرد مصدر للإزعاج، بل أصبحت تهديدًا مباشرًا لصحة الإنسان، مع تزايد تأثيراتها على المجتمعات بصورة متفاوتة، حيث تتحمل الفئات الأكثر هشاشة العبء الأكبر من هذه المخاطر.
أفضل الممارسات لمواجهة الحرارة الشديدة
وجاءت الدراسة ضمن دليل سياسات بعنوان «أفضل الممارسات لمواجهة الحرارة الشديدة من منظور العدالة الصحية»، أُعد بالتعاون بين معهد المناخ بجامعة واترلو وهيئة الصحة العامة في جنوب غرب أونتاريو، ويجمع الدليل بين نتائج الأبحاث الدولية والدراسات الكندية والخبرات المحلية لتقديم حلول عملية لمواجهة أحد أسرع المخاطر المناخية نموًا.
وأوضح الباحثون، أن عام 2022 شهد تحطيم أرقام قياسية لدرجات الحرارة في جميع القارات، فيما سجل عام 2023 أعلى متوسطات حرارة عالمية منذ أكثر من 100 ألف عام، بينما تجاوز متوسط الاحترار العالمي حاجز 1.5 درجة مئوية للمرة الأولى خلال عام 2024.
وقالت يوكي يونج، الباحثة الرئيسية في الدراسة وطالبة الدكتوراه بكلية البيئة في جامعة واترلو: «الحرارة الشديدة تمثل بالفعل خطرًا صحيًا متزايدًا في كندا، ومن المتوقع أن تصبح أكثر خطورة خلال السنوات المقبلة، ورغم أنها تؤثر على الجميع، فإن آثارها الصحية لا تتوزع بالتساوي، إذ تواجه بعض الفئات مثل كبار السن والأطفال والعاملين في الهواء الطلق مستويات أعلى من التعرض ومحدودية أكبر في القدرة على التكيف».
وتشير البيانات إلى أن الحرارة تعد السبب الرئيسي للوفيات المرتبطة بالطقس في كندا، بينما يؤدي تغير المناخ إلى زيادة تواتر موجات الحر وشدتها ومدتها. كما أصبحت الأيام الحارة والليالي الدافئة وموجات الحر الطويلة أكثر شيوعًا في جنوب غرب أونتاريو، خاصة في المناطق التي تفتقر إلى الغطاء النباتي والبنية التحتية الحديثة.

الإجهاد الحراري وضربات الشمس وتفاقم أمراض القلب
وحذرت الدراسة من أن التأثيرات الصحية للحرارة الشديدة قد تشمل الإجهاد الحراري وضربات الشمس وتفاقم أمراض القلب والجهاز التنفسي، فضلًا عن زيادة معدلات الدخول إلى المستشفيات. وتُعد الفئات الأكثر عرضة للخطر من كبار السن والأطفال والعاملين في المهن الخارجية والأشخاص الذين يفتقرون إلى السكن الملائم أو الموارد الاقتصادية الكافية.
من جانبها، قالت ميشيل ألفي، المتخصصة في تعزيز الصحة بهيئة الصحة العامة في جنوب غرب أونتاريو: «بالنسبة لبعض الأشخاص قد تكون الحرارة الشديدة مجرد حالة من عدم الارتياح، لكنها قد تتحول إلى تهديد للحياة بالنسبة لمن لا يملكون وسائل تبريد مناسبة أو يعانون من مشكلات صحية مزمنة».
ويقدم الدليل مجموعة من التوصيات العملية القائمة على الأدلة العلمية، من بينها تعزيز خطط الاستجابة لموجات الحر، وتوسيع نطاق مراكز التبريد والمساحات المظللة، وتحسين معايير الإسكان والتخطيط الحضري، إضافة إلى توفير حماية أفضل للعاملين في البيئات المكشوفة.
وأكدت يونج، أن التكيف مع الحرارة الشديدة يجب أن يكون مرتبطًا بخصوصية كل مجتمع، موضحة أن الحلول لا تقتصر على التدخلات البيئية فقط، بل تشمل أيضًا معالجة العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تزيد من هشاشة بعض الفئات.

التخطيط المسبق والتوعية المجتمعية
كما شدد الباحثون على أهمية الدور الذي تضطلع به مؤسسات الصحة العامة في تحسين معايير الإسكان وتخطيط استخدام الأراضي وتعزيز الشراكات المجتمعية وتطوير برامج الوقاية والاستجابة المبكرة.
وأشار خوسيه ديبيلا، مدير الأبحاث والشراكات في معهد المناخ بجامعة واترلو، إلى أن حماية السكان من مخاطر الحرارة تبدأ بتصميم سياسات وأنظمة أكثر شمولًا وعدالة، تسهم في تعزيز الصحة العامة ورفع قدرة المجتمعات على الصمود أمام آثار التغير المناخي.
واختتمت الدراسة بالتأكيد على أن الوفيات والأمراض المرتبطة بالحرارة يمكن الوقاية منها إلى حد كبير من خلال التخطيط المسبق والتوعية المجتمعية وتعزيز شبكات الدعم المحلي، داعية الأفراد إلى متابعة أوضاع الجيران وكبار السن والفئات الضعيفة خلال فترات الحر الشديد، لما لذلك من دور حاسم في إنقاذ الأرواح.





