كارثة صامتة تمتد لعقود.. تلوث المياه بمواد PFAS يهدد الصحة والبيئة

“مواد كيميائية أبدية” تبقى لأكثر من 30 عامًا.. دراسة تكشف خطر PFAS في مياه الشرب

في كشف علمي يسلط الضوء على أحد أخطر أنواع التلوث البيئي غير المرئي، أظهرت دراسة حديثة أن مواد كيميائية تُعرف باسم PFAS أو “المواد الكيميائية الأبدية” يمكن أن تبقى في البيئة ومصادر مياه الشرب لأكثر من ثلاثة عقود دون اكتشاف، ما يفتح بابًا واسعًا للتحذير من مخاطر صامتة تتراكم ببطء داخل الأنظمة البيئية والجسم البشري.

أولًا: ما هي المواد الكيميائية الأبدية PFAS؟

مصطلح PFAS لا يشير إلى مادة واحدة، بل إلى عائلة ضخمة تضم آلاف المركبات الكيميائية الصناعية التي تم تطويرها منذ منتصف القرن العشرين بهدف تحقيق خصائص “مثالية” في المنتجات الصناعية والاستهلاكية، أهمها: مقاومة الماء، مقاومة الدهون، وعدم الالتصاق.

لكن هذه الخصائص التي بدت “ثورية” في البداية، تحولت لاحقًا إلى مشكلة بيئية معقدة، لأن الروابط الكيميائية داخل هذه المواد قوية جدًا لدرجة أنها لا تتحلل طبيعيًا تقريبًا في البيئة.

المواد الكيميائية الدائمة PFAS

وهذا يعني عمليًا أن:

• أي كمية تُطلق في الطبيعة تبقى لعقود أو قرون
• لا يتم تكسيرها بواسطة الضوء أو البكتيريا بسهولة
• تنتقل بين الماء والتربة والكائنات الحية دون فقدان خصائصها

ولهذا السبب يُطلق عليها علميًا وصف “Forever Chemicals” أي “المواد الأبدية”، ليس كتشبيه بل كتعريف لوظيفتها البيئية.

ثانيًا: لماذا تُعد PFAS خطيرة جدًا؟

خطورة PFAS لا تأتي من سميتها المباشرة فقط، بل من سلوكها داخل الجسم والبيئة:

1 التراكم الحيوي (Bioaccumulation)

عند دخولها جسم الإنسان أو الحيوان، لا يتم التخلص منها بسهولة عبر الكبد أو الكلى، بل:

• تتراكم ببطء داخل الأنسجة
• تبقى لسنوات طويلة داخل الدم
• ترتفع نسبتها مع كل تعرض جديد

2 الانتقال عبر السلسلة الغذائية

PFAS لا تبقى في مكانها، بل:

• تنتقل من التربة إلى النباتات
• ثم إلى الحيوانات
• ثم إلى الإنسان عبر الغذاء

3 استقرار كيميائي شديد

هذا الاستقرار يجعلها:

• تقاوم التحلل داخل البيئة
• وتستمر في الانتشار لمسافات طويلة عبر المياه الجوفية والأنهار

4 تأثيرات صحية تراكمية

بدلًا من التسمم السريع، تعمل PFAS بطريقة “بطيئة الصدمة”، حيث تظهر آثارها على مدى سنوات مثل:

• اضطرابات هرمونية
• تأثيرات على المناعة
• تغيرات في وظائف الكبد والدهون

مستويات المواد الكيميائية الضارة PFAS في المياه

ثالثًا: تفاصيل الدراسة الجديدة (الحادثتان التاريخيتان)

الدراسة ركزت على حالتين في أستراليا، وهما مثالان مهمان لأنهما يكشفان كيف يمكن لـ “حادث واحد” أن يتحول إلى أزمة بيئية ممتدة لعقود.

الحالة الأولى: حادث 1992 (ميدلو باث)

في هذا الحادث:

• انقلبت شاحنة وقود واندلع حريق كبير
• تدخلت فرق الإطفاء باستخدام رغوة إطفاء تحتوي على PFAS
• الرغوة اختلطت بمياه الإطفاء ثم تسربت إلى التربة والجداول

في ذلك الوقت:

• لم تكن PFAS ضمن قائمة الملوثات المراقبة
• لم تُجرَ تحاليل بيئية دقيقة بعد الحادث
• لم يتم توثيق التأثير طويل الأمد

النتيجة: تلوث ظل “صامتًا” لعقود.

الحالة الثانية: حادث 2000 (الساحل الأوسط)

حادث مشابه لكنه أكثر خطورة:

• تصادم شاحنة وقود مع سيارة
• اشتعال حريق ضخم
• استخدام كثيف لرغوة الإطفاء الكيميائية

لكن الفرق هنا:

• ظهرت مشاهد تدفق الرغوة إلى المياه
• تم رصد تلوث بصري واضح
• ومع ذلك لم يتم فهم المكون الكيميائي الخطير في ذلك الوقت

PFAS

رابعًا: كيف حدث “التلوث غير المرئي”؟

هذه النقطة هي قلب الدراسة.

التلوث لم يحدث فجأة، بل عبر سلسلة بطيئة:

1 تسرب أولي

رغوة الإطفاء المختلطة بـ PFAS تسربت إلى:

• التربة
• مجاري المياه السطحية

2 انتقال تحت الأرض

مع مرور الوقت:

• تسربت المواد إلى المياه الجوفية
• وانتقلت مع حركة المياه الطبيعية

3 غياب الرصد العلمي

الأخطر كان:

• عدم وجود اختبارات PFAS في تلك الفترة
• الاعتماد على مراقبة تقليدية لا تشمل هذه المواد

4 استمرار الاستخدام البيئي

بعض المصادر استمرت في ضخ مياه ملوثة دون علم بذلك

النتيجة النهائية:

تلوث استمر 24 إلى 33 عامًا دون اكتشاف فعلي.

تلوث المياه بمواد PFAS يهدد الصحة

خامسًا: مستويات التلوث الخطيرة (قراءة علمية معمقة)

الأرقام الواردة في الدراسة ليست مجرد أرقام، بل مؤشرات على انهيار بيئي موضعي:

• بعض القياسات وصلت إلى 2400 نانوغرام/لتر
• الحد الآمن لا يتجاوز 8 نانوغرام/لتر

هذا يعني أن:

• التلوث أعلى بـ 300 مرة تقريبًا
• البيئة فقدت قدرتها الطبيعية على “التخفيف الذاتي”

وفي علم البيئة، هذا يشير إلى حالة تُعرف باسم:Ecological Overload (التحميل البيئي الزائد)

أي أن النظام البيئي لم يعد قادرًا على امتصاص الملوثات أو تفكيكها.

المياه حول العالم ملوثة بالبلاستيك وأعقاب السجائر،

سادسًا: التأثيرات الصحية بشكل أعمق

تأثير PFAS لا يظهر بشكل مباشر، بل عبر آليات معقدة:

1 اضطراب المناعة

تشير الدراسات إلى أنها قد:

• تقلل فعالية الاستجابة المناعية
• تقلل الاستجابة للقاحات

2 اضطراب الدهون والكوليسترول

PFAS تؤثر على:

• عمليات التمثيل الغذائي للدهون
• مما يرفع الكوليسترول بشكل مزمن

3 التأثيرات السرطانية المحتملة

بعض الأنواع ارتبطت بـ:

• سرطان الكلى
• سرطان الخصية
سرطان البروستاتا

لكن الآلية لا تزال قيد البحث، وترتبط بفترات التعرض الطويلة.

تسرب النقايات يصل إلى المياه

سابعًا: مياه الشرب كأخطر مسار للتعرض

سبب الخطورة هنا أن:

• الماء يُستهلك يوميًا
• ولا يمكن تجنبه

وبالتالي حتى التركيزات الصغيرة:

• تتراكم تدريجيًا في الجسم
• وتصبح مصدر تعرض مستمر

وهذا ما يجعل PFAS مختلفة عن معظم الملوثات الأخرى.

مادة NDMA الملوثة للمياه أكثر خطورة على الأطفال

ثامنًا: المشكلة الأوسع من الحوادث

الدراسة تؤكد أن الحوادث ليست المصدر الوحيد، بل هناك:

1- الاستخدام العسكري والإطفائي

رغوات الإطفاء استخدمت لعقود في:

• المطارات
• القواعد العسكرية
• التدريبات

2- الصناعة الاستهلاكية

مثل:

• الأقمشة المقاومة للماء
• تغليف الطعام
• أدوات الطهي

3- التسرب البطيء

حتى دون حوادث:

• تتسرب كميات صغيرة باستمرار إلى البيئة

تاسعًا: لماذا تأخر اكتشاف التلوث لعقود؟

السبب الرئيسي هو:

• غياب تقنيات التحليل الكيميائي المتقدمة في التسعينيات
• عدم إدراج PFAS ضمن برامج الرصد البيئي

لكن العامل الأهم:

الافتراض السابق بأن “المواد الصناعية لا يمكن أن تبقى في الطبيعة لفترة طويلة” وهو افتراض ثبت خطؤه بالكامل.

عاشرًا: البعد البيئي العالمي

PFAS لم تعد مشكلة محلية، بل:

• تم اكتشافها في القطب الشمالي
• وفي مياه الأمطار عالميًا
• وفي دم الإنسان تقريبًا في كل الدول

وهذا يعني أنها أصبحت جزءًا من:“الدورة الكيميائية للكوكب” بشكل غير طبيعي.

هذه الدراسة لا تتحدث فقط عن تلوث قديم، بل تكشف عن نموذج جديد من المخاطر البيئية يسمى:
التلوث طويل الأمد غير المرئي

وهو تلوث:

• لا يظهر فورًا
• لا يُكتشف بسهولة
• لكنه يستمر في التأثير لعقود

والرسالة الأهم:أن أخطر ما في التلوث الحديث ليس شدته، بل “استمراريته الصامتة”

Exit mobile version