أخبارالطاقةابتكارات ومبادرات

من ضوء الشمس إلى وقود سائل.. جهاز جديد يلغي الحاجة إلى البطاريات وأنظمة التحكم

جهاز يتكيف مع الطقس دون كمبيوتر.. خطوة جديدة نحو التمثيل الضوئي الاصطناعي

جهاز شمسي بلا بطاريات أو إلكترونيات تحكم.. علماء يحولون الماء وثاني أكسيد الكربون إلى وقود سائل

في خطوة قد تمهد لجيل جديد من تقنيات الوقود الشمسي والتمثيل الضوئي الاصطناعي، طور فريق من الباحثين اليابانيين جهازًا قادرًا على تحويل ضوء الشمس والماء وثاني أكسيد الكربون إلى وقود سائل، مع قدرته على ضبط أدائه تلقائيًا وفقًا لتغير شدة الإضاءة والظروف الجوية، دون الحاجة إلى بطاريات أو أنظمة إلكترونية للتحكم.

ويعتمد الابتكار، الذي طوره باحثون من جامعة أوساكا متروبوليتان بالتعاون مع شركة Iida Group Holdings، على دمج آلية التنظيم داخل المادة الكيميائية نفسها، بدلًا من الاعتماد على وحدات تحكم إلكترونية منفصلة.

وأظهر الاختبار الميداني أن الجهاز تمكن خلال يوم من التشغيل من إنتاج نحو 0.1 كيلوجرام من حمض الفورميك من الماء النقي وثاني أكسيد الكربون، بينما تمكن نظام التحليل الكهربائي من الاستفادة من نحو 85% من الطاقة التي ولدتها اللوحة الشمسية.

وقد نُشرت الدراسة في دورية EES Solar.

المشكلة التي تواجه الوقود الشمسي

أبحاث للاستفادة من الوقود الشمسي
الوقود الشمسي

لا تصل أشعة الشمس إلى سطح الأرض بشدة ثابتة، إذ تتغير الطاقة المتاحة باستمرار نتيجة مرور السحب وتغير زاوية الشمس خلال اليوم.

ويمثل هذا التذبذب تحديًا لأنظمة تحويل الطاقة الشمسية إلى وقود، فالتفاعلات الكيميائية التي تنتج جزيئات الوقود تحتاج إلى تدفق مستقر نسبيًا من الإلكترونات.

وتعتمد الأنظمة التقليدية عادة على الجمع بين لوح شمسي ومحلل كهربائي؛ إذ تحول اللوحة ضوء الشمس إلى كهرباء، ثم يستخدم المحلل الكهربائي تلك الكهرباء لدفع التفاعل الكيميائي اللازم لإنتاج الوقود.

وبين المكونين يوجد عادة نظام للتحكم في نقطة القدرة القصوى، يعرف اختصارًا باسم MPPT، ويعمل باستمرار على ضبط الجهد والتيار حتى تستخرج اللوحة أكبر قدر ممكن من الطاقة المتاحة في كل لحظة.

لكن هذه الأنظمة تحتاج عادة إلى مكونات إلكترونية إضافية، وقد تتطلب بطاريات لتثبيت تدفق الطاقة، وهو ما يزيد التكلفة وعدد الأجزاء التي يمكن أن تتعرض للأعطال.

عندما تتولى الكيمياء مهمة التحكم

اختار الباحثون اليابانيون نهجًا مختلفًا، إذ أعادوا تصميم المحلل الكهربائي بحيث يستطيع تنظيم نفسه بنفسه دون الحاجة إلى وحدة تحكم خارجية.

وتعتمد الآلية على إلكتروليت صلب يتمتع بخاصية غير معتادة؛ إذ تنخفض مقاومته الأيونية مع ارتفاع درجة حرارته، وهي خاصية تعرف باسم المعامل الحراري السالب.

وعندما تصبح أشعة الشمس أكثر قوة، ترتفع درجة حرارة الجهاز، وتنخفض مقاومة الإلكتروليت، ما يسمح بمرور تيار كهربائي أكبر ويدفع النظام تلقائيًا نحو نقطة التشغيل المثلى للوح الشمسي.

وقال البروفيسور يوتاكا أماو، الذي قاد البحث بالتعاون مع الأستاذ المشارك ياسو ماتسوبارا في مركز أبحاث التمثيل الضوئي الاصطناعي بالجامعة، إن الجهاز يسخن بصورة طبيعية مع زيادة شدة ضوء الشمس.

وعندما تنخفض شدة الإضاءة، يبرد الجهاز وترتفع مقاومته مجددًا، فتحدث عملية الضبط تلقائيًا من خلال الخصائص الفيزيائية للمادة، بدلًا من استخدام برمجيات أو أجهزة تحكم إلكترونية.

إنتاج وقود سائل من ثاني أكسيد الكربون

ثاني اكسيد الكربون

ربط الباحثون المحلل الكهربائي بلوح شمسي عادي من السيليكون أحادي التبلور، وهو النوع المستخدم على نطاق واسع في التطبيقات الشمسية التجارية، ثم اختبروا النظام في الهواء الطلق وتحت ظروف جوية حقيقية.

وخلال يوم من التشغيل، أنتج النظام نحو 100 جرام من حمض الفورميك من الماء وثاني أكسيد الكربون.

ويكتسب حمض الفورميك أهمية خاصة في هذا النوع من التطبيقات لأنه وقود سائل، ما يجعله أسهل نسبيًا في التخزين والنقل مقارنة ببعض أنواع الوقود الغازي.

كما تمكن الجهاز من التقاط نحو 85% من الطاقة التي أنتجتها اللوحة الشمسية، وهي نتيجة تعكس مدى نجاح المحلل الكهربائي في التوافق مع تغيرات الطاقة القادمة من اللوح.

الكفاءة ما زالت التحدي الأكبر

ورغم أهمية الابتكار، فإن كفاءة تحويل الطاقة الشمسية إلى حمض الفورميك لا تزال محدودة.

فقد بلغت الكفاءة الخارجية لتحويل الطاقة الشمسية إلى حمض الفورميك نحو 2%، ما يعني أن نحو 2% فقط من الطاقة الشمسية التي وصلت إلى النظام انتهت في صورة طاقة كيميائية مخزنة في الوقود.

وتتجاوز كفاءة الألواح الشمسية المصنوعة من السيليكون تجاريًا 20% في تحويل ضوء الشمس إلى كهرباء، ما يكشف أن الجزء الأكبر من الطاقة لا يزال يفقد خلال مرحلة التحويل الكيميائي.

وبالتالي، فإن أهمية الابتكار الحالي لا تكمن في تحقيق رقم قياسي في كفاءة إنتاج الوقود، وإنما في تطوير نظام تحكم أبسط وأقل اعتمادًا على المكونات الإلكترونية.

كما أن الكفاءة المسجلة تظل بحاجة إلى تحسينات كبيرة قبل أن تتمكن هذه التقنية من منافسة الاستخدام المباشر للطاقة الشمسية في تشغيل الشبكات أو شحن البطاريات.

من معرض إكسبو إلى نموذج أولي

سبق أن عرض الباحثون نسخة مبكرة من النظام أمام الجمهور خلال معرض أوساكا-كانساي إكسبو 2025، داخل جناح مشترك بين الجامعة وشركة Iida Group.

وقال ماتسوبارا إن الجهاز نجح في إنتاج كمية كافية من حمض الفورميك لتشغيل نموذج مصغر داخل الجناح.

ورغم ذلك، فإن الباحثين يدركون أن الانتقال من نموذج صغير إلى نظام تجاري واسع النطاق يمثل تحديًا مختلفًا تمامًا.

وقد تقدم الفريق بطلب للحصول على براءة اختراع يابانية تغطي نظام التحكم الكيميائي في نقطة القدرة القصوى، ما يشير إلى وجود اهتمام بإمكانية تطوير التقنية نحو تطبيقات تجارية.

لماذا تمثل البساطة ميزة مهمة؟

تركز أبحاث التمثيل الضوئي الاصطناعي عادة على تطوير محفزات أكثر كفاءة ومواد أفضل لامتصاص الضوء، وهي تحسينات مهمة لكنها تحتاج غالبًا إلى وقت طويل للوصول إلى مستويات عملية.

أما الابتكار الجديد فيستخدم استراتيجية مختلفة: إزالة مكونات النظام بدلًا من إضافة المزيد منها.

فالجهاز الذي لا يحتاج إلى بطارية أو وحدة تحكم إلكترونية منفصلة يحتوي على عدد أقل من الأجزاء التي يمكن أن تتعطل، وقد يكون أقل تكلفة وأسهل في التشغيل والصيانة.

وقد تكون هذه الميزة مهمة بصورة خاصة في الأنظمة اللامركزية التي تعتمد على أعداد كبيرة من الوحدات الصغيرة المنتشرة في المناطق المفتوحة، حيث يمكن أن تصبح صيانة آلاف الوحدات عبئًا كبيرًا.

تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى وقود

يمثل تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى مواد قابلة للاستخدام أحد الاتجاهات المتنامية في أبحاث الطاقة النظيفة.

وتقوم الفكرة الأساسية على استخدام الطاقة المتجددة لإعادة ترتيب جزيئات ثاني أكسيد الكربون وتحويله من غاز مستقر إلى مركبات يمكن استخدامها كوقود أو مواد كيميائية.

وفي حالة الجهاز الياباني، يتم الجمع بين ثاني أكسيد الكربون والماء والطاقة الشمسية لإنتاج حمض الفورميك، في نموذج يحاكي بصورة اصطناعية جانبًا من الطريقة التي تستخدم بها النباتات ضوء الشمس لتخزين الطاقة في صورة كيميائية.

لكن التقنية لا تزال في مرحلة مبكرة، وهناك تحديات تتعلق برفع الكفاءة وضمان استقرار الإلكتروليتات الصلبة وتحمل الأجهزة للظروف الخارجية، فضلًا عن إثبات قدرتها على العمل لسنوات بدلًا من الاكتفاء باختبارات قصيرة.

لذلك، يمثل الإنجاز الحالي خطوة في اتجاه التمثيل الضوئي الاصطناعي الذاتي التشغيل أكثر من كونه حلًا جاهزًا لإنتاج الوقود على نطاق صناعي.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة