تضع طفرة الذكاء الاصطناعي خطط تبادل الكهرباء بين دول جنوب شرق آسيا أمام اختبار صعب، بعدما أظهرت محاكاة أولية أن التوسع المخطط للربط الكهربائي بين تايلاند وماليزيا لم يعد مجديًا في ظل ارتفاع الطلب المحلي على الطاقة، مدفوعًا بالتوسع السريع في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
ويكشف هذا التطور عن تحدٍ جديد يواجه التحول إلى أنظمة كهرباء إقليمية أكثر ترابطًا: فبدلًا من تبادل فائض الكهرباء بين الدول للاستفادة من اختلاف أوقات الذروة، أصبحت مراكز البيانات تستهلك كميات ضخمة من الطاقة على مدار الساعة، بما يقلص الفائض المتاح للتصدير ويزيد المنافسة على الإمدادات المحلية.
ونقل تقرير نشره موقع «Green Central Banking» عن ووريت راتاناشوين، نائب محافظ هيئة توليد الكهرباء في تايلاند للشؤون الاستراتيجية، قوله إن محاكاة أولية أظهرت أن احتياجات تايلاند وماليزيا المتزايدة من الكهرباء تحد من فرص توسيع تجارة الطاقة بين البلدين.
وجاءت تصريحاته خلال مؤتمر «Enlit Asia» في جاكرتا، في وقت تسعى فيه حكومات رابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» إلى تعزيز الربط بين شبكات الكهرباء، بما يسمح بتبادل الطاقة وتوسيع الاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة.
لماذا تهدد مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تجارة الكهرباء؟
اعتمدت بعض مشروعات تبادل الكهرباء على اختلاف أنماط الاستهلاك بين الدول؛ فعندما يرتفع الطلب في دولة في وقت معين، يمكنها استيراد الكهرباء من دولة أخرى يتوافر لديها فائض في الوقت نفسه.
لكن هذا التوازن يتراجع مع التوسع في مراكز البيانات، التي تحتاج إلى إمدادات مستقرة على مدار الساعة لتشغيل الخوادم والبنية التحتية للحوسبة، بما فيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وأوضح راتاناشوين أن ماليزيا كانت قد تسجل ذروة الطلب بعد الظهر، بينما يرتفع الطلب في جنوب تايلاند خلال المساء، وهو ما كان يتيح تبادل الموارد الكهربائية. أما الآن، فإن تقارب أنماط الاستهلاك وارتفاع الاحتياجات المحلية يجعلان توفير فائض قابل للتبادل أكثر صعوبة.
وتكمن المشكلة في أن الربط الكهربائي لا يخلق طاقة إضافية بحد ذاته؛ إذ تعتمد جدواه على توافر الكهرباء في الدولة المصدرة، وقدرة الشبكات على نقلها، وتوافق توقيت الإنتاج مع الطلب. وإذا احتاجت الدولتان إلى معظم إنتاجهما المحلي في الوقت نفسه، فإن القدرة الفنية على الربط لا تعني بالضرورة وجود كهرباء كافية للتجارة.
مراكز البيانات تقفز من عشرات الميجاوات إلى قدرات ضخمة
تتسارع الاستثمارات في مراكز البيانات في جنوب شرق آسيا، مع توقعات بارتفاع القدرة الاستيعابية الإقليمية إلى نحو ثلاثة أمثال مستواها في عام 2025 بحلول 2030، وفقًا لتوقعات أشار إليها التقرير، مع بروز ماليزيا وتايلاند بين الأسواق سريعة النمو.
وأشار المسؤول التايلاندي إلى أن التقديرات قبل نحو ثلاث سنوات كانت تتحدث عن احتياجات كهربائية تتراوح بين 30 و50 ميجاوات لمراكز البيانات، بينما أصبحت بعض المنشآت تتجاوز قدرة جيجاوات واحد، خصوصًا المنشآت المخصصة لأعباء الحوسبة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتعكس هذه الأرقام حجم التحول في الطلب على الطاقة، لكنها لا تعني أن كل مركز بيانات يستهلك جيجاوات؛ فالقدرة تختلف باختلاف حجم المنشأة وتصميمها ومهمتها، كما ينبغي التمييز بين القدرة الكهربائية المركبة والاستهلاك الفعلي المستمر.
وحذر راتاناشوين من أن التوسع السريع في هذه المنشآت يجعل توقع الطلب المستقبلي أكثر صعوبة أمام شركات الكهرباء، إذ يمكن أن تتغير احتياجات الطاقة بوتيرة أسرع من دورات التخطيط التقليدية لمحطات التوليد والشبكات.
وأضاف أن بعض المطورين باتوا يركزون على الحصول على إمدادات كهرباء مضمونة، بصرف النظر عن كونها خضراء أم لا، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة نمو الذكاء الاصطناعي على التوافق مع أهداف التوسع في الطاقة المتجددة وخفض الانبعاثات.

تايلاند تجمد مشروعات جديدة واحتجاجات في ماليزيا
لا تقتصر تحديات مراكز البيانات على توفير الكهرباء؛ إذ تثير المنشآت الجديدة مخاوف بشأن استهلاك المياه والموارد والآثار البيئية والاجتماعية على المجتمعات المحلية.
ووفقًا للتقرير، علقت تايلاند إجراءات تخص 49 مركز بيانات جديدًا، لإتاحة الوقت أمام السلطات لوضع قواعد تنظيمية للقطاع في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بالموارد.
وفي ماليزيا، شهدت ولاية جوهور، الواقعة جنوب البلاد، احتجاجًا وصفه التقرير بأنه الأول من نوعه في البلاد ضد أحد مشروعات مراكز البيانات، وسط مخاوف تتعلق بالتلوث واستهلاك المياه.
وتضع هذه التطورات الحكومات أمام معادلة معقدة: جذب استثمارات البنية التحتية الرقمية وتعزيز مكانة المنطقة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، مع ضمان عدم تحميل شبكات الكهرباء والمياه والمجتمعات المحلية أعباءً تفوق قدرتها على التحمل.
من تجارة الكهرباء إلى إنقاذ الشبكات وقت الطوارئ
رغم تراجع جدوى بعض سيناريوهات تبادل الطاقة، فإن الربط الكهربائي بين الدول قد يكتسب وظيفة أخرى أكثر أهمية مع ارتفاع الأحمال المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهي دعم استقرار الشبكات عند حدوث اضطرابات مفاجئة.
وأوضح بوفانارت تشونهابران، مساعد الأمين العام للجنة تنظيم الطاقة في تايلاند، أن خطوط الربط مع لاوس وماليزيا يمكن أن تؤدي دورًا في العمليات التشغيلية المعتادة وحالات الطوارئ، متوقعًا زيادة أهمية الاستخدام الطارئ مع نمو الأحمال الكبيرة لمراكز البيانات.
وتكمن المخاطر في أن خروج حمل كهربائي كبير بصورة مفاجئة، أو حدوث اضطراب في منشأة كثيفة الاستهلاك، يمكن أن يؤثر في تردد الشبكة ويخلق تقلبات تحتاج إلى استجابة سريعة. وفي مثل هذه الحالات، قد تساعد الروابط الإقليمية على تبادل الدعم الكهربائي، إذا توافرت القدرة الاحتياطية وكانت ترتيبات التشغيل تسمح بذلك.
لكن هذا الدور ليس مضمونًا في جميع الظروف؛ فالربط لا يوفر حماية تلقائية من انقطاع الكهرباء، بل تتوقف فعاليته على احتياطيات التوليد، وقدرات النقل، وأنظمة الحماية والتحكم، والتنسيق بين مشغلي الشبكات.
هل تتغير خريطة الربط الكهربائي في آسيان؟
يمثل الوضع بين تايلاند وماليزيا اختبارًا أوسع لطموح دول آسيان في بناء شبكة كهرباء إقليمية تسمح بتبادل الطاقة المتجددة وتحسين أمن الإمدادات.
وتعمل وصلة الربط القائمة بين البلدين بقدرة تبلغ 300 ميجاوات منذ عام 2002، بحسب التقرير، فيما أشار المصدر إلى أن الترتيب القائم متوقع أن ينتهي في عام 2027. ويطرح ذلك تساؤلات حول مستقبل التوسع في الربط، في ظل تغير أنماط الطلب واحتياجات البنية التحتية الرقمية.
ولا يعني تعثر التوسع المخطط أن جميع مشروعات الربط الكهربائي في المنطقة فقدت جدواها، لكنه يشير إلى أن تقييم هذه المشروعات لم يعد ممكنًا بالاعتماد على فروق الطلب الموسمية أو اليومية وحدها. إذ بات يتعين احتساب أحمال مراكز البيانات والسيارات الكهربائية، وتوافر الطاقة المتجددة، واحتياجات التخزين والاحتياطيات، وقدرة الشبكات على التعامل مع التغيرات المفاجئة.
ومن هنا، قد تتحول الأولوية تدريجيًا من زيادة حجم الكهرباء المتبادلة في الظروف العادية إلى ضمان مرونة الشبكات وقدرتها على مساندة بعضها بعضًا وقت الأزمات، من دون التخلي عن فرص تجارة الطاقة عندما يكون هناك فائض حقيقي.

الذكاء الاصطناعي يختبر قدرة الطاقة النظيفة على مواكبة الطلب
تتجاوز دلالة التطورات في جنوب شرق آسيا مسألة الربط بين دولتين؛ فهي تبرز التحدي الذي يفرضه نمو الاقتصاد الرقمي على تخطيط الطاقة. فمراكز البيانات تحتاج إلى كهرباء موثوقة، بينما يتطلب التوسع المستدام زيادة الإمدادات منخفضة الكربون وتطوير الشبكات والتخزين وإدارة الطلب.
وإذا جرى تلبية الأحمال الجديدة من دون تنسيق بين توسع مراكز البيانات والاستثمار في التوليد النظيف والشبكات، فقد تتزايد الضغوط على مصادر الكهرباء التقليدية، وتتراجع فرص الاستفادة من فائض الطاقة المتجددة عبر الحدود.
أما إذا دُمج تخطيط مراكز البيانات مع خطط الكهرباء الإقليمية، فقد تظل مشروعات الربط أداة مهمة لتحسين استغلال الطاقة النظيفة، وتقليل الهدر، وتعزيز أمن الإمدادات. ويتطلب ذلك شفافية أكبر بشأن الطلب المتوقع، وتنسيقًا بين الدول، وقواعد واضحة لتحديد الأولويات في أوقات نقص الكهرباء.
وتتمثل الرسالة الأساسية في أن الذكاء الاصطناعي لا يختبر قدرة الدول على توليد المزيد من الكهرباء فقط، بل يختبر أيضًا قدرتها على التخطيط المشترك وتوزيع الموارد وإدارة المخاطر. وفي ظل تسارع الطلب، لن تكون الشبكات الأكثر ترابطًا هي الأكثر فائدة بالضرورة، ما لم يصاحبها فائض موثوق من الطاقة وآليات فعالة لإدارة الأحمال والطوارئ.





