من النفايات الإلكترونية إلى المعادن الحيوية.. تسخين فائق السرعة لاستعادة الأنتيمون
طوّر باحثون في جامعة رايس الأمريكية تقنية تعتمد على التسخين الكهربائي فائق السرعة لاستخلاص معدن الأنتيمون من البلاستيك المستخدم في الأجهزة الإلكترونية، محققين معدل استعادة بلغ نحو 90%، مع خفض كبير في تكوّن المركبات العضوية المحتوية على البروم، التي قد تشكل مخاطر بيئية وصحية.
وتستهدف التقنية معالجة أحد التحديات المرتبطة بإعادة تدوير النفايات الإلكترونية، إذ يُستخدم الأنتيمون في تصنيع أنواع من البلاستيك المثبط للاشتعال، الذي يدخل في أغلفة الأجهزة ومكوناتها للحد من مخاطر الحرائق الكهربائية.
ووفقًا للدراسة المنشورة في دورية Nature Chemical Engineering، استُخدمت طريقة مطورة من تقنية «التسخين الخاطف بجول» (Flash Joule Heating)، لتسريع تحرير الأنتيمون من البلاستيك وجمعه، مع تحويل جزء كبير من البروميد الموجود في المادة إلى مركب غير عضوي يمكن التقاطه والاستفادة منه صناعيًا.
وقال جيمس تور، أستاذ الكيمياء بجامعة رايس والمؤلف المراسل للدراسة، إن الأنتيمون معدن حيوي يعاني محدودية في الإمدادات، موضحًا أن فريقه طوّر تقنية التسخين الخاطف لتصبح قادرة على استعادته بسرعة وكفاءة من مخلفات البلاستيك.
الأنتيمون ومشكلة المخلفات الإلكترونية
يُستخدم الأنتيمون في تصنيع البلاستيك المثبط للاشتعال، إلى جانب مركبات البروم العضوية التي تساعد على الحد من قابلية المادة للاشتعال. وتشير الدراسة إلى أن نحو 39% من الأنتيمون المستخدم عالميًا يدخل في صناعة هذا النوع من البلاستيك.
ومع انتشار الأجهزة الإلكترونية وتزايد التخلص منها، ينتهي جزء كبير من هذه المواد إلى النفايات الإلكترونية، التي تُنتج عالميًا بملايين الأطنان سنويًا.
لكن استعادة الأنتيمون من البلاستيك ليست عملية بسيطة؛ إذ يجب أولًا تحرير المعدن من تركيب المادة، وهي خطوة قد تؤدي أثناء التسخين التقليدي إلى تكوّن مركبات أخرى يصعب جمعها، من بينها مركبات البروم العضوية الخطرة.
وقال ليو هاوكسين يي، الباحث الرئيسي في الدراسة وطالب الدراسات العليا بجامعة رايس، إن التسخين التقليدي قد يحرر الأنتيمون في صورة متطايرة يصعب جمعها، بالتزامن مع تكوين مركبات عضوية خطرة تحتوي على البروم وإطلاقها.
وأضاف أن البدائل الأخرى، مثل استخدام الأحماض القوية أو المذيبات العضوية أو المعالجة عبر مراحل متعددة، قد تكون محفوفة بالمخاطر أو أقل عملية.
تسخين فائق السرعة بدلًا من المعالجة التقليدية
افترض الباحثون أن بطء التسخين التقليدي يمنح العناصر والمركبات وقتًا كافيًا لتغيير أشكالها الكيميائية أو تكوين مركبات جديدة، ما يزيد صعوبة استعادة الأنتيمون ويعقد التعامل مع النواتج الثانوية.
وللتغلب على هذه المشكلة، استعان الفريق بتقنية التسخين الخاطف بجول، التي ترفع درجة حرارة المواد إلى مئات الدرجات المئوية خلال أجزاء من الألف من الثانية، من خلال تمرير نبضات كهربائية عبر نظام التسخين.
وطحن الباحثون مخلفات بلاستيكية مثبطة للاشتعال جُمعت من مختبرهم، ثم وضعوها بين قطبين من ورق الكربون الموصل للكهرباء، وبعد ذلك، عرّضوا المادة لعدة نبضات تسخين فائقة السرعة، قبل إبقائها لفترة وجيزة عند درجة حرارة مرتفعة تسمح بتبخر الأنتيمون وتكثيفه في منطقة مخصصة لجمعه.
وأطلق الفريق على الطريقة اسم التسخين الخاطف بجول مع التثبيت متساوي الحرارة (Isothermal-Clamped Flash Joule Heating).
واختبر الباحثون التقنية على ثلاثة أنواع من البلاستيك المثبط للاشتعال، شملت غلاف وحدة إمداد الطاقة، ولوحة دوائر مطبوعة، وموصلًا كهربائيًا.
استعادة 90% من الأنتيمون وتقليل النواتج السامة
أظهرت التجارب أن التقنية تمكنت من استعادة نحو 90% من الأنتيمون الموجود في العينات المختبرة، كما حوّلت نحو 83% من البروميد إلى بروميد الهيدروجين، وهو مركب غير عضوي خطير، لكنه يُستخدم مادةً كيميائية صناعية.
ويمكن التقاط بروميد الهيدروجين باستخدام هيدروكسيد الصوديوم لتكوين ملح مستقر، ما يتيح التعامل معه في صورة أسهل في الجمع والتخزين، مع إمكانية إعادة استخدام أملاح البروميد في تطبيقات صناعية مناسبة.
وفي الوقت نفسه، انخفض تكوّن المركبات العضوية المحتوية على البروم بصورة كبيرة، وهو ما ربطه الباحثون بسرعة التسخين وقصر المدة التي تقضيها المادة ضمن نطاق درجات الحرارة الذي تتشكل فيه هذه المركبات.
فقد بقي البلاستيك 9.4 مللي ثانية فقط ضمن نطاق درجات الحرارة بين 200 و500 درجة مئوية، وهو النطاق الذي تتكون فيه المركبات العضوية المحتوية على البروم.
ويشير ذلك إلى أن تقليل زمن التسخين في هذا النطاق قد يساعد على الحد من التفاعلات الكيميائية غير المرغوبة، مع إتاحة تحرير الأنتيمون واستعادته.
وقال تور، إن طريقة التسخين الخاطف مع التثبيت متساوي الحرارة يمكن أن تحسن سرعة استعادة الأنتيمون من البلاستيك المثبط للاشتعال المتخلص منه، فضلًا عن تعزيز السلامة والعملية التشغيلية.
نحو إعادة استخدام المعادن الحيوية وتقليل النفايات
تكتسب التقنية أهمية إضافية في ضوء التوقعات التي تشير إلى أن العالم قد ينتج 82 مليون طن متري من مخلفات البلاستيك المثبط للاشتعال بحلول عام 2030.
ويرى الباحثون أن استعادة الأنتيمون من هذه المخلفات يمكن أن تسهم في الحفاظ على إمدادات المعدن وإعادة استخدامه بدلًا من الاعتماد الكامل على استخراجه من المصادر الطبيعية، إلى جانب استعادة مركبات البروم في صورة أملاح قابلة لإعادة الاستخدام.
ومع ذلك، فإن النتائج المعروضة تستند إلى اختبارات على ثلاثة أنواع من البلاستيك، ولا تكفي وحدها لإثبات أن التقنية ستقدم الأداء نفسه عند التعامل مع جميع أنواع النفايات الإلكترونية أو عند تطبيقها على نطاق صناعي واسع.
وسيظل تقييم جدواها العملية مرتبطًا بكفاءة استعادة المعادن في أنواع مختلفة من المخلفات، واستهلاك الطاقة، وتكاليف التشغيل، والقدرة على جمع النواتج الكيميائية والتعامل معها بأمان.
ومع استمرار تزايد النفايات الإلكترونية، تقدم التقنية مسارًا واعدًا للجمع بين استعادة المعادن الحيوية وتقليل بعض النواتج الكيميائية غير المرغوبة الناتجة عن معالجة البلاستيك، بما يدعم تطوير أساليب أكثر كفاءة لإعادة تدوير الموارد.





