من الجزائر إلى السعودية والهند.. الأقمار الصناعية تكشف بؤرًا خطيرة لاستنزاف المياه الجوفية
خزانات جوفية لا تتجدد بالسرعة الكافية.. خريطة جديدة تكشف مناطق الاستنزاف حول العالم
كشفت دراسة علمية اعتمدت على بيانات الأقمار الصناعية التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» أن استنزاف المياه في عشرات المناطق حول العالم أعمق مما أظهرته التقديرات السابقة، في إنذار جديد للمناطق التي تعتمد على المياه الجوفية لتأمين الزراعة والشرب ومواجهة الجفاف.
وقدّر الباحثون أن 40 منطقة شهدت تغيرات مائية مرتبطة بالنشاط البشري فقدت مجتمعة نحو 3122 كيلومترًا مكعبًا من المياه بين عامي 2002 و2025، وهي كمية تتجاوز حجم بحيرة فيكتوريا في أفريقيا، إحدى أكبر بحيرات المياه العذبة في العالم.
وتشير النتائج إلى أن الخسائر كانت أكبر مما أظهرته طرق القياس السابقة، خصوصًا في المناطق الصغيرة نسبيًا التي قد تختفي أزماتها داخل المتوسطات الواسعة للبيانات الفضائية. ويبرز الري الزراعي وضخ المياه الجوفية بوصفهما من أهم العوامل المرتبطة بالتراجع الحاد في عدد من المناطق الأكثر تعرضًا للإجهاد المائي.
نُشرت الدراسة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS)، بعنوان يتناول تحسين رصد اتجاهات تخزين المياه الأرضية باستخدام قياسات الأقمار الصناعية.

كيف اكتشفت أقمار ناسا ما لم ترصده التقديرات السابقة؟
اعتمدت الدراسة على بيانات مهمات الأقمار الصناعية «GRACE»، التي انطلقت عام 2002، ومهمتها اللاحقة «GRACE-FO»، التي بدأت العمل عام 2018.
وتعمل هذه الأقمار من خلال قياس التغيرات الدقيقة في المسافة بين قمرين يتحركان أحدهما خلف الآخر. فعندما تتغير كتلة المياه في منطقة ما، يتغير تأثير الجاذبية الأرضية عليها، ما يؤدي إلى تغيرات طفيفة في حركة القمرين والمسافة بينهما.
ومن خلال تحليل هذه التغيرات، يستطيع العلماء تقدير التحولات في مخزون المياه على اليابسة، بما يشمل المياه الموجودة في التربة والأنهار والبحيرات والثلوج والمياه الجوفية.
لكن لهذه التقنية حدودًا مكانية؛ فالطرق التقليدية تجمع التغيرات في مساحات شاسعة تبلغ نحو 150 ألف كيلومتر مربع، ما يجعل من الصعب اكتشاف استنزاف المياه في أحواض زراعية أو مناطق محدودة.
ولمعالجة هذه المشكلة، حلل فريق البحث القياسات الأصلية للأقمار عبر فترة الدراسة كاملة، بدلًا من الاعتماد على تجميعات شهرية منفصلة. وأسهم هذا الأسلوب في تحسين القدرة على رصد التغيرات المكانية بنحو خمسة إلى عشرة أضعاف، وفقًا للدراسة.

خسائر المياه أكبر من الحسابات القديمة
رصد الباحثون اتجاهات واضحة لتغير مخزون المياه في 94 منطقة حول العالم، وحددوا 40 منطقة ارتبطت فيها هذه التغيرات بأنشطة بشرية، منها ضخ المياه للري، وتغيير الغطاء الأرضي، والزراعة البعلية، وإنشاء الخزانات والسدود.
وبحسب النتائج المنشورة، بلغ إجمالي خسائر المياه في هذه المناطق نحو 3122 كيلومترًا مكعبًا خلال الفترة من 2002 إلى 2025، بينما بلغت الزيادات في مخزون المياه نحو أربعة أخماس حجم الخسائر.
ولا تعني هذه الأرقام أن جميع المناطق فقدت المياه الجوفية وحدها؛ إذ تقيس الأقمار التغير في إجمالي مخزون المياه، ثم يستخدم الباحثون الأدلة المتاحة لتفسير أسبابه. ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة لأن التغيرات قد تشمل المياه السطحية والجوفية ورطوبة التربة.
وعند مقارنة النتائج بالطرق السابقة، وجد الباحثون أن متوسط اتجاهات التغير المائي التي رصدتها الطريقة القديمة كان أقل بنحو 33% في المناطق التي شملتها المقارنة. وارتفعت الفجوة إلى نحو 52% في أصغر سبع مناطق، ما يوضح أن التقديرات السابقة ربما قللت من حجم الأزمة في بعض المواقع.

شمال الهند.. بؤرة بارزة لاستنزاف المياه الجوفية
برزت منطقة السهل الهندي الغانجي، شمال الهند، بوصفها واحدة من أكثر المناطق إثارة للقلق في خريطة الاستنزاف المائي.
وقدّرت الدراسة فقدان مخزون المياه فيها بنحو 32.5 كيلومترًا مكعبًا سنويًا، وهو معدل يقارب ضعف تقديرات دراسات أخرى أُشير إليها في التقرير.
ورغم أن ذوبان الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا يسهم في بعض التغيرات المائية بالمنطقة، فإن الباحثين قدّروا مساهمته بنحو 15% من الخسائر المرصودة، ما يشير إلى أن ضخ المياه الجوفية يمثل عاملًا أكبر في تفسير التراجع.
وتكمن خطورة هذه النتيجة في اعتماد مساحات زراعية واسعة على المياه الجوفية للري، خصوصًا عندما لا تكفي الأمطار أو المياه السطحية لتلبية احتياجات المحاصيل.
وعندما يتجاوز الضخ معدلات تجدد الخزانات، يصبح المزارعون أكثر اعتمادًا على آبار أعمق أو كميات أكبر من الطاقة لاستخراج المياه، فيما تتزايد الضغوط على الأمن الغذائي واستدامة الإنتاج الزراعي.

الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.. خزانات قديمة تحت ضغط متزايد
تثير النتائج مخاوف خاصة في مناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تعتمد الزراعة وإمدادات المياه في أجزاء واسعة على خزانات جوفية تعاني محدودية التجدد.
ومن المناطق التي أشار إليها الباحثون نظام الخزان الجوفي لشمال غرب الصحراء، الممتد عبر أجزاء من الجزائر وتونس، ونظام خزان الساق الجوفي في السعودية، إلى جانب مناطق في جنوب إيران.
وفي وسط السعودية، أظهرت التقديرات أن المياه الخارجة من المخزون الجوفي سنويًا تتجاوز بأكثر من ستة أضعاف ما تعيده الأمطار والأنهار إلى النظام المائي، وفقًا للمقال الذي عرض نتائج الدراسة. ويتركز جزء كبير من هذا الاستنزاف في خزان الساق الجوفي.
وتعكس هذه الأرقام تحديًا جوهريًا للزراعة الصحراوية التي تعتمد على ضخ المياه من خزانات قديمة؛ فبعض هذه الموارد تكونت على مدى فترات زمنية طويلة، ولا يمكن تعويض ما يُسحب منها بالسرعة نفسها.
وفي إيران، كشفت الدقة المكانية الأعلى أن خسائر المياه في منطقتين تغطيان نحو ربع مساحة البلاد تعادل ما نسبته دراسة سابقة إلى إيران بأكملها، وهو مثال على كيف يمكن للقياسات الواسعة أن تخفي بؤر الاستنزاف الشديد.
كما سجلت تركيا خسائر مائية تجاوزت التقديرات السابقة بأكثر من الضعف، مع آثار محتملة تمتد إلى مناطق المصب في سوريا والعراق، بما يسلط الضوء على الطبيعة العابرة للحدود لأزمات المياه.

كاليفورنيا والسهول العليا في الولايات المتحدة
لم تقتصر بؤر الاستنزاف على آسيا والشرق الأوسط؛ فقد حددت الدراسة منطقتين في الولايات المتحدة ضمن المناطق الأربعين.
الأولى تتمركز في الوادي الأوسط بولاية كاليفورنيا، حيث ارتبط تراجع مخزون المياه بالجفاف والاعتماد المكثف على ضخ المياه للزراعة منذ عام 2003.
أما الثانية فتقع في الجزء الجنوبي من طبقة المياه الجوفية للسهول العليا، حيث تعتمد أكثر من 80% من الأراضي المروية على المياه الجوفية، بحسب البيانات الواردة في المقال.
وتوضح هذه الحالات أن الاستنزاف لا يرتبط بالمناخ الجاف وحده، بل يتأثر أيضًا بحجم الطلب الزراعي، وطرق إدارة المياه، ومدى توافق السحب مع معدلات التجدد الطبيعي.
ليست كل المناطق تفقد المياه.. السدود والزراعة البعلية تغيران الصورة
رصدت الدراسة أيضًا مناطق شهدت زيادات في مخزون المياه، وكان إنشاء الخزانات والسدود أحد العوامل المهمة وراء بعض هذه الزيادات.
فقد أُنشئ نحو 450 خزانًا كبيرًا خلال الفترة التي تغطيها بيانات الأقمار، وترك بعضها إشارات واضحة في قياسات الكتلة المائية، منها خزان بوغوتشاني في روسيا وخزان باكون في ماليزيا.
لكن ارتفاع مخزون المياه خلف السدود لا يعني بالضرورة تحسن استدامة الموارد المائية في كل المنطقة؛ إذ يعتمد التقييم على مكان تخزين المياه، ومصدرها، وتأثير المشروع في تدفق الأنهار والأنظمة البيئية والمجتمعات الواقعة أسفل السد.
ومن النتائج اللافتة أيضًا ارتباط الزراعة البعلية، التي تعتمد على الأمطار بدلًا من الري الاصطناعي، بزيادة مخزون المياه في مناطق من أفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا الجنوبية.
ووفقًا لتفسير الباحثين، يمكن أن يؤدي استبدال الغطاء النباتي الطبيعي بمحاصيل مثل الحبوب والبقوليات ذات الجذور الأقل عمقًا ومعدلات النتح الأقل في بعض الظروف إلى زيادة تسرب المياه إلى التربة وإعادة تغذية بعض الخزانات.
غير أن هذه العلاقة تعتمد على نوع التربة والمحاصيل والغطاء النباتي والمناخ؛ فلا يمكن تعميمها على جميع أنظمة الزراعة البعلية أو اعتبار إزالة الغطاء الطبيعي وسيلة مضمونة لزيادة المياه الجوفية.

ما الذي لا تستطيع الأقمار الصناعية كشفه حتى الآن؟
على الرغم من التحسن الكبير في دقة الخريطة، فإن المنهج المستخدم له حدود مهمة.
فقد اعتمد الباحثون على اتجاه التغير خلال فترة الدراسة كاملة، وهو ما يساعد على تمييز الاتجاهات طويلة الأجل، لكنه لا يوضح بدقة كيف تغير مخزون المياه من سنة إلى أخرى، ولا يكشف وحده تأثير كل موجة جفاف أو فترة تعافٍ مطيرة.
كما أن بيانات الأقمار لا تحدد تلقائيًا السبب الدقيق لكل تغير؛ إذ يتطلب تفسير النتائج الاستعانة ببيانات الآبار والسجلات الهيدرولوجية ومعلومات استخدام الأراضي والسدود.
ويظل التحقق الميداني العالمي تحديًا بسبب محدودية محطات قياس مناسيب المياه الجوفية في كثير من المناطق. ومع ذلك، أشار الباحثون إلى أن سجلات الآبار المتاحة تتوافق مع الاتجاهات التي رصدتها الطريقة الجديدة بصورة أفضل من الطريقة القديمة.

ماذا تعني النتائج لمستقبل الأمن المائي؟
تكشف الدراسة أن أزمة المياه الجوفية قد تكون أعمق مما توحي به بعض التقديرات التقليدية، وأن المتوسطات المكانية الواسعة قد تخفي مناطق تتعرض لاستنزاف سريع وخطير.
وتتطلب مواجهة هذا التحدي تحسين قياس السحب من الآبار، وربط تراخيص الضخ بمعدلات تجدد الخزانات، ورفع كفاءة الري دون التوسع في المساحات المزروعة على نحو يلغي الوفورات المحققة، إلى جانب اختيار المحاصيل بما يتناسب مع الموارد المائية المتاحة.
كما تبرز أهمية التعاون بين الدول التي تتشارك أحواض المياه والأنهار، لأن القرارات المتعلقة بالسدود والضخ وتحويل المياه قد تمتد آثارها إلى مناطق بعيدة عن موقع النشاط الأصلي.
ومن المنتظر أن تواصل الأقمار الصناعية تحسين مراقبة مخزون المياه مع امتداد السجلات الزمنية، لكن الرصد وحده لا يكفي.





