د.مصطفى حسين كامل: أهداف التنمية المستدامة في مهب الحروب و النزاعات

أستاذ بعلوم القاهرة وزير البيئة الأسبق

في العام 2015 كانت الإنطلاقة و الرؤية الكبيرة لعالم أكثر إستدامة و عدالة و مساواة ضمن 17 هدفا عملت عليها الأمم المتحدة جاهدة لضمان عيش كريم و آمن للإنسان بحلول العام 2030.

تسارعت عواصم العالم أجمع بما فيها العالم العربي و الشرق أوسطي لتبنّي هذه الرؤية التي اعتبرت “المنقذة” في ظل التغيّر المناخي المقلق، التزايد السكاني و الإستخدام المفرط للموارد الطبيعية ، فراحت كل منها تعدّ و تطلق سياساتها و أجنداتها المستدامة تحت مسميات عديدة بما يتناسب مع رؤية الدولة الجامعة.

تتصدّر فنلندا قائمة الدول الأكثر إستدامة بتقييم نسبته 86.7% و تليها السويد و الدنمارك و من بين الدول العربية تأتي الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الأولى لتليها سلطنة عمان ثم قطر بنسب تجاوزت الخمسين بالمئة.

و لكن على الرغم من نجاح هذه الدول عالميا و عربيا و غيرها في تحقيق نتائج ممتازة إلى جيدة، تصطدم هذه الأهداف يوما بعد يوم بالعديد من العراقيل و التحديات و ها نحن اليوم على أعتاب ال2025 التي نستقبل في غضون أشهر قليلة و العالم يشتعل حروبا و نزاعات كفيلة بدمارها و أسلحتها و إجرامها بأن تنسف ما اعتبر “العمود الفقري” لنهوض الأمم و الإنسان حول العالم.

أسلحة محرّمة دوليا منها الفوسفور الأبيض المستخدم في حرب إسرائيل ضد غزة و لبنان، إنبعاثات الغازات الدفيئة و التي قدّرت في الأشهر السبع الأولى للحرب الروسية الأوكرانية بمئة مليون من مكافئ أكسيد الكربون، تدمير مخازن الكربون الطبيعية من خلال حرق المدن و المساحات الخضراء و تدمير أنظمة الطاقة المتجددة، إستهلاك الوقود الأحفوري للطائرات و الدبابات خلال الحروب، تدمير التنوّع البيولوجي من خلال حرق الغابات و الغطاء الحرجي، أزمات الغذاء و الإستشفاء و الإيواء بسبب تدمير الأراضي و البنى التحتية الزراعية و الطبية و المساكن الآمنة، إنتشار الأمراض و الأوبئة الحشرية منها الكوليرا و الملاريا، أزمات في الطاقة و المياه و التلوّث في الجو و الهواء و المياه، تزايد موجات الهجرة و النزوح، تدمير قطاع التعليم من خلال إستهداف المدارس و الجامعات من دون تغييب الآثار الجسدية و النفسية و العقلية على الأفراد و المجتمعات التي كتب لها النجاة ببقايا حياة، كلّها وقائع حقيقية مؤلمة تجعل من التنمية المستدامة حلما لن تعيشه شعوب مناطق الحروب و النزاعات .

فأية إستدامة على أرض السودان التي تعيش مأساة 130 ألف ضحية مباشرة و غير مباشرة حتى الساعة، و أي تعليم جيّد في غزة مع تحويل المدارس إلى مراكز إيواء و قصف 152 منها و إرتكاب المجازر فيها و إستشهاد 500 معلّم و 100 باحث و أستاذ جامعي و أية صحة جيّدة و رفاه يعيش اللبنانيون مع حركة نزوح تخطّت المليون و 400 ألف نازح غادروا قراهم و بلداتهم مع صفر مقوّمات عيش كريم و اللائحة تطول شرقا و غربا، شمالا و جنوبا في هذا العالم الذي يبدو متمرّداعلى كل حق في الحياة و كل رؤية تعزّز قيمة الإنسان.

هي ست سنوات أمام الدول و الحكومات لتختبر قدراتها و التزامها الدولي لتحقيق 17 هدفا مستداما، هي ست سنوات أيضا أمام الأمم المتحدة نفسها لتقيّم رؤية و عملا جبّارا ظنّته حلّا ينقظ الإنسانية و هي فقط ست سنوات أمام المنظمّة المذكورة لتحضّر إجاباتها أمام مساءلات الشعوب حول العالم و إزدواجية المعايير في وضع أهداف مستدامة من جهة و نسف أو عرقلة تنفيذها من جهة ثانية.

فهل ستتمكن “راعية رؤية الاستدامة” من إنقاذ ما تبقى من مشروعها ؟
و للحديث بقية …

Exit mobile version