مصادر الكربون الطبيعية وصلت إلى مرحلة التشبع.. اتجاهات مثيرة للقلق
التغيرات السريعة في مخازن الكربون الأرضية تشكل الآن تحدياً لفعالية استراتيجيات التخفيف من آثار تغير المناخ القائمة
لا يزال تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية يشكل قضية ملحة تهدد كوكبنا، والواقع أن التغيرات السريعة في مخازن الكربون الأرضية تشكل الآن تحدياً لفعالية استراتيجيات التخفيف من آثار تغير المناخ القائمة، ولمنع الاحتباس الحراري العالمي الكارثي، لابد من تغيير السلوكيات بسرعة.
توفر الإنتاجية الأولية الإجمالية (GPP) نظرة ثاقبة حول صحة النظام البيئي،. فهي تقيس ثاني أكسيد الكربون الذي تثبته النباتات لكل وحدة من الزمن والمساحة.
قام الباحثون مؤخرًا بتحليل محركات التغيير في GPP للتنبؤ بالاتجاهات المستقبلية ومواءمة الجهود العالمية مع هدف اتفاقية باريس المتمثل في الحد من ارتفاع درجات الحرارة إلى 2 درجة مئوية (3.6 درجة فهرنهايت).
تكشف النتائج التي توصلوا إليها، والتي نُشرت في مجلة Ecosystem Health and Sustainability ، عن اتجاهات مثيرة للقلق.

ما هي أحواض الكربون؟
إن أحواض الكربون عبارة عن أنظمة طبيعية تمتص كميات من ثاني أكسيد الكربون أكبر مما تطلقه، وتلعب دوراً حاسماً في تنظيم مناخ الأرض.
وفي حين تُعَد الغابات والمحيطات والتربة أحواضاً معروفة للكربون، فإن أنظمة أخرى مثل الأراضي الرطبة والتربة الصقيعية وبعض الصخور تساهم أيضاً بشكل كبير.
تخزن الأراضي الرطبة، مثل المستنقعات وأشجار المانغروف، كميات كبيرة من الكربون في تربة مشبعة بالمياه. وهذا يبطئ عملية التحلل، مما يسمح للكربون بالبقاء محاصرًا لقرون.
التربة الصقيعية، الأرض المتجمدة في المناطق القطبية الشمالية، تحبس المواد العضوية تحت الجليد، ومع ذلك، مع ارتفاع درجات الحرارة، قد يؤدي ذوبان التربة الصقيعية إلى إطلاق الكربون المخزن، مما يؤدي إلى تكثيف ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي.
تمتص الطحالب المجهرية ثاني أكسيد الكربون في المحيط. وعندما تموت وتغرق في قاع البحر، يتم احتجاز الكربون لفترات طويلة من الزمن.
وحتى التكوينات الجيولوجية، مثل البازلت والحجر الجيري، يمكنها تخزين ثاني أكسيد الكربون من خلال التفاعلات الكيميائية على مدى آلاف السنين.
إن الأنشطة البشرية مثل إزالة الغابات والتلوث تقلل من فعالية هذه المصارف الطبيعية للكربون. ومع ذلك، فإن الحفاظ عليها أمر ضروري لاستقرار المناخ.

تشبع خزان الكربون العالمي
وباستخدام مجموعات بيانات طويلة الأجل تمتد من عام 1982 إلى عام 2016، لاحظ الباحثون انخفاضًا في الإنتاج الإجمالي المحلي على 68% من سطح الأرض.
وهذا يشير إلى أن العديد من مصادر الكربون الطبيعية، مثل الغابات والتربة، قد وصلت إلى مرحلة التشبع، وبمجرد التشبع، تنخفض كفاءتها في تخزين الكربون بشكل حاد. ولا يؤدي هذا التشبع إلى تسريع ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى تقليص إنتاجية النباتات.
قارنت الدراسة اتجاهات GPP على مدى فترتين مختلفتين: 1982-1999 و2000-2016. ثم قام الباحثون بقياس المساهمات البيئية باستخدام نهج البصمة المثلى، وهو نموذج انحدار خطي.
وأظهر التحليل انخفاضًا حادًا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تزيد عن 50% بين الفترتين.
انخفاض التسميد بثاني أكسيد الكربون
وقد حدد الخبراء انخفاض تأثير التسميد بثاني أكسيد الكربون باعتباره المحرك الرئيسي لانخفاض الناتج الإجمالي العالمي.
ويشير هذا التأثير إلى زيادة نمو النباتات مع ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، ومع ذلك، فإن ارتفاع ثاني أكسيد الكربون لم يعد يعزز إنتاجية النباتات كما هو متوقع.
وقال سونجهان وانج، الباحث في جامعة نانجينج الزراعية : “يُقترح أن يكون الانخفاض في تأثير التسميد بثاني أكسيد الكربون هو المحرك الرئيسي المسؤول عن تباطؤ اتجاهات الإنتاج الإجمالي العالمي”، “ورغم أن ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون لا يزال له آثار إيجابية، فإن تأثيره على الناتج الإجمالي المحلي على نطاق عالمي انخفض بنحو النصف منذ عام 2000 فصاعداً مقارنة بتأثيره في الفترة 1982-1999”.
وقد يكون التأثير المنخفض لتأثير التسميد بثاني أكسيد الكربون ناجماً عن قيود المغذيات في التربة والأوراق، مما يسلط الضوء على عنق زجاجة حرج آخر في إنتاجية النظام البيئي.

تغيرات استخدام الأراضي والعوامل البيئية
يشير استخدام الأراضي وتغير الغطاء الأرضي (LULCC) إلى التغييرات في طريقة استخدام الأراضي أو غطائها الطبيعي، مثل تحويل الغابات إلى مدن أو أراضٍ زراعية.
وقد ساهمت هذه التغيرات، إلى جانب ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، بشكل كبير في انخفاض الناتج الإجمالي العالمي.
إن التوسع الحضري، الذي يحل محل النباتات بالمباني والطرق، يقلل من المساحات التي يمكن للنباتات أن تنمو فيها وتمتص ثاني أكسيد الكربون.
كما أن إزالة الغابات، أو إزالة الغابات للحصول على الأخشاب أو الأراضي، تدمر مصادر الكربون الحيوية مثل الأشجار والتربة، فتطلق الكربون المخزن في الغلاف الجوي.
وعلى نحو مماثل، غالبا ما ينطوي التوسع الزراعي على استبدال النظم البيئية المتنوعة بزراعات أحادية، وهي أقل كفاءة في امتصاص ثاني أكسيد الكربون وقد تؤدي إلى تدهور جودة التربة بمرور الوقت.
ولا تؤدي هذه الأنشطة إلى تقليص قدرة النظم البيئية على العمل كمصارف للكربون فحسب، بل تدفعها أيضاً إلى الانهيار، مما يحد من قدرتها على التخفيف من آثار تغير المناخ.
الآثار المترتبة على التخفيف من آثار تغير المناخ
وتسلط النتائج الضوء على عدم كفاية الاعتماد على أحواض الكربون الأرضية وحدها للتخفيف من آثار تغير المناخ.
وبمجرد تشبع أحواض الكربون، تفقد قدرتها على حماية نفسها من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري العالمي. ولابد أن تركز الاستراتيجيات المستقبلية على الحد من الانبعاثات الناجمة عن الأنشطة البشرية وتحقيق الحياد الكربوني للبقاء ضمن حدود المناخ الآمن.
ويؤكد الخبراء على أهمية الحد من ارتفاع درجات الحرارة العالمية إلى درجتين مئويتين لتحقيق أهداف الحياد المناخي في اتفاق باريس، وهذا يتطلب جهودا مبتكرة وعاجلة وجماعية على نطاق عالمي.

التعاون والمساهمات
شمل هذا البحث مساهمات من علماء بارزين من مختلف المؤسسات، بما في ذلك جامعة نانجينج الزراعية، والمجلس الوطني الإسباني للبحوث ( CSIC )، وجامعة لوند، وجامعة أريزونا، وجامعة إكستر .
وقد تم دعم عملهم من قبل العديد من المنظمات، بما في ذلك برنامج البحث والتطوير الوطني الرئيسي في الصين، ووكالة ناسا، والحكومة الإسبانية.
وتقدم الدراسة تذكيراً صارخاً بالحاجة الملحة إلى تغييرات سلوكية لمكافحة تغير المناخ، ويمثل تشبع أحواض الكربون الأرضية نقطة تحول حاسمة في معركة كوكبنا ضد الاحتباس الحراري، وبدون اتخاذ إجراءات فورية، فإن نافذة التخفيف من أسوأ آثار تغير المناخ قد تُغلق قريبا.





