اكتشاف مركبات حديدية جديدة قد تخزن مياهًا قديمة قرب نواة الأرض
مياه عمرها مليارات السنين قد تكون مخبأة قرب نواة الأرض.. اكتشاف مركبات حديدية جديدة
كشفت دراسة جيوكيميائية جديدة عن مركبات حديدية غير معروفة سابقًا قد تمثل أول مرشحين واقعيين لتخزين كميات كبيرة من المياه في أعماق الأرض، بالقرب من الحد الفاصل بين النواة والوشاح.
وتشير دراسات جيوكيميائية لصخور بركانية من جزيرة بافين في كندا وآيسلندا إلى احتمال بقاء جزء من المياه التي تعود إلى مرحلة تكوّن الأرض محفوظًا في أعماق الكوكب حتى اليوم. لكن العلماء ظلوا يواجهون سؤالًا أساسيًا: أي معادن يمكنها الاحتفاظ بهذه الكميات من المياه في ظل الضغوط ودرجات الحرارة الهائلة الموجودة في باطن الأرض؟
ونجح فريق بحثي دولي، شاركت في قيادته جامعة بايرويت الألمانية، في تصنيع مركبين من الحديد، هما Fe₅O₁₂Hₓ وFe₇O₁₂Hₓ، ويرى الباحثون أنهما يمثلان أول مرشحين واقعيين يمكنهما تخزين المياه في هذه البيئات العميقة للغاية.
تجارب تحاكي أعماق الأرض
لإنتاج هذه المركبات، استخدم الباحثون أجهزة تعرف باسم خلايا سندان الألماس، وهي أدوات تتيح ضغط عينات صغيرة جدًا بين ماسيْن ثم تعريضها للتسخين باستخدام الليزر.
وأنتجت التجارب ظروفًا تحاكي تلك الموجودة على أعماق تصل إلى عدة آلاف من الكيلومترات تحت سطح الأرض، حيث تراوحت الضغوط بين 78 و198 جيجاباسكال، بينما وصلت درجات الحرارة إلى 2400–2800 كلفن، أي ما يعادل نحو 2100–2500 درجة مئوية.
وبالاستعانة بأشعة سينية صادرة عن مصادر السنكروترون، تمكن العلماء من تحديد التركيب الكيميائي والبنية البلورية للمركبات التي تشكلت في هذه الظروف القاسية.
والمثير للاهتمام أن المركبات الجديدة لم تتشكل فقط من خلطات غنية بالمياه أُعدت عمدًا، بل ظهرت أيضًا في عينات كانت تحتوي على كميات ضئيلة جدًا من المياه.
وقال البروفيسور ليونيد دوبروفينسكي، من معهد بافاريا لأبحاث الجيوكيمياء والجيوفيزياء التجريبية بجامعة بايرويت، إن النتائج تشير إلى أن كميات صغيرة جدًا من الهيدروجين قد تكون كافية لتثبيت مركبات الحديد شديدة الترطيب.
ونُشرت الدراسة في دورية Nature Geoscience.
خزان محتمل للمياه البدائية
يطرح الباحثون أحد السيناريوهات التي يمكن أن تفسر كيفية بقاء المياه القديمة في أعماق الأرض، وهو وجود محيط صهاري بدائي ضخم في المراحل الأولى من تشكل الكوكب، كان قد تبلور فوق الحد الفاصل بين النواة والوشاح.
ومع تبريد هذا المحيط الصهاري، يُعتقد أن ما تبقى من المادة المنصهرة أصبح أكثر تركيزًا بالحديد والمياه، وهما العنصران اللذان يوفران الظروف المناسبة لتكوين المركبات المعدنية الجديدة التي حددتها الدراسة.
ولا تقتصر أهمية هذه المركبات المحتملة على المياه التي كانت موجودة منذ نشأة الأرض؛ إذ يرى الباحثون أنها قد تكون قادرة أيضًا على تخزين المياه التي تنقلها الصفائح التكتونية إلى أعماق الكوكب أثناء حركتها.
وأوضح الدكتور مان ليانجيه، أحد مؤلفي الدراسة وطالب الدكتوراه السابق في معهد بايرويت، أن هذه المعادن تتميز بكثافة عالية جدًا، ولذلك يُرجح أن تبقى بالقرب من الحد الفاصل بين النواة والوشاح، حيث يمكنها الاحتفاظ بالمياه على مدى فترات زمنية جيولوجية طويلة للغاية.
معدن واحد قد يخزن جزءًا كبيرًا من الهيدروجين
من بين المركبات الجديدة، يتميز Fe₅O₁₂Hₓ بارتفاع محتواه من الهيدروجين.
وبحسب حسابات الباحثين، فإن وجود هذا المعدن بتركيز لا يتجاوز نحو 1% من الوشاح قد يكون كافيًا لتخزين نسبة كبيرة من مخزون الهيدروجين المقدّر في الجزء السيليكاتي من الأرض.
لكن العلماء لا يتوقعون أن ينتشر هذا المعدن بالتساوي في جميع أنحاء الوشاح؛ بل يرجحون وجوده في مناطق محددة ومحلية داخل باطن الأرض.
وهذا الاحتمال يعني أن بعض المناطق العميقة بالقرب من الحد الفاصل بين النواة والوشاح قد تحتوي على تركيزات مرتفعة نسبيًا من هذه المركبات، بما يجعلها خزانات محتملة للمياه والهيدروجين على نطاق زمني يمتد لملايين أو مليارات السنين.
هل تفسر المركبات الجديدة إشارات زلزالية غامضة؟
قد تمتد أهمية الاكتشاف إلى فهم النشاط الجيولوجي العميق للأرض، فخلال التجارب، أدى تكوّن مركبات الأوكسي هيدروكسيد الحديد إلى سحب الحديد من معادن السيليكات المحيطة بها.
ويمكن لهذه العملية أن تؤثر في الحدود الفاصلة بين أنواع مختلفة من معادن الوشاح، وربما تؤدي إلى تغيير مواقع هذه الحدود.
ويرى الباحثون أن هذه الآلية قد تساعد في تفسير بعض الإشارات الزلزالية غير المعتادة التي ترصد فوق الحد الفاصل بين النواة والوشاح.
وتعد هذه المنطقة من أكثر المناطق غموضًا في باطن الأرض، إذ لا يستطيع العلماء الوصول إليها مباشرة، ولذلك يعتمد فهم تركيبها وديناميكيتها بدرجة كبيرة على تحليل الموجات الزلزالية والنماذج التجريبية التي تحاكي ظروفها الفيزيائية والكيميائية.
المياه العميقة قد ترتبط بالبراكين
يقترح الباحثون أيضًا، أن تراكمات هذه المركبات الغنية بالمياه قد تعمل بمثابة «فتيل متطاير» في أعمدة الوشاح، وهي تيارات صاعدة من مواد شديدة الحرارة تتحرك من أعماق الأرض نحو الأعلى.
وإذا كانت مركبات الأوكسي هيدروكسيد الحديد تنصهر عند درجات حرارة أقل من معادن السيليكات المحيطة بها، فإن تسخينها من جانب النواة قد يؤدي إلى انصهارها أولًا.
وفي هذه الحالة، يمكن للمركبات أن تطلق المياه والمواد المتطايرة الأخرى التي خزنتها داخل المصهورات الصاعدة، ما قد يساعد على ربط الخزانات العميقة للمياه والمواد المتطايرة بالنشاط البركاني على سطح الأرض.
ويفتح هذا السيناريو بابًا جديدًا أمام دراسة دورة المياه داخل الكوكب، إذ لا تقتصر حركة المياه على سطح الأرض والغلاف الجوي والمحيطات، بل قد تمتد إلى أعماق هائلة داخل الوشاح، وربما إلى المناطق القريبة من نواة الأرض.
وتشير النتائج إلى أن فهم دورة المياه على كوكبنا قد يتطلب النظر إلى باطن الأرض باعتباره جزءًا من منظومة مائية وجيوكيميائية أوسع، يمكن أن تحتفظ فيها بعض المعادن بالمياه لفترات جيولوجية شديدة الطول قبل أن تعيد إطلاقها في ظروف معينة.





