أخبارالاقتصاد الأخضر

الذكاء الاصطناعي يفك شفرة المعادن الحرجة تحت الأرض.. تنبؤات أسرع وأكثر دقة لحركتها داخل الصخور

نموذج ذكي يتنبأ بحركة السوائل والمعادن داخل الصخور ويمهد لتعدين أكثر كفاءة

قد يكون مفتاح اكتشاف المزيد من المعادن الحرجة موجودًا في فهم الطريقة التي تتحرك بها السوائل والمواد الكيميائية داخل الصخور.

فعندما تتسرب هذه السوائل إلى أعماق الأرض، يمكنها إذابة المعادن ونقلها وتركيزها في مواقع محددة، وهي عمليات معقدة تلعب دورًا مهمًا في تكوين تجمعات المعادن ذات القيمة الاقتصادية.

لكن دراسة هذه العمليات كانت حتى الآن تعتمد بدرجة كبيرة على محاكاة حاسوبية تستغرق وقتًا طويلًا، أو على نماذج للذكاء الاصطناعي تحتاج إلى كميات ضخمة من بيانات التدريب، وقد تنتج في بعض الحالات نتائج غير واقعية من الناحية الفيزيائية.

والآن، طور فريق من الباحثين في جامعة هيوستن ومختبر العلوم الجزيئية البيئية (EMSL) أداة جديدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، يمكنها التنبؤ بكيفية تحرك السوائل والمواد الكيميائية الذائبة داخل الصخور والمواد المسامية الموجودة تحت سطح الأرض.

وتجمع التقنية الجديدة بين قدرات الذكاء الاصطناعي والقوانين الراسخة في الفيزياء والكيمياء، بهدف إنتاج تنبؤات أسرع وأكثر موثوقية بشأن حركة المعادن والسوائل والتفاعلات الكيميائية في باطن الأرض.

وقال كاليانا ناكشاترالا، الأستاذ المشارك في الهندسة بجامعة هيوستن والباحث الرئيسي في المشروع، إن الفريق طور إطارًا للتعلم الآلي مستندًا إلى الفيزياء يمكنه التنبؤ بسرعة بمعلمات مهمة يصعب قياسها باستخدام التجارب التقليدية.

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Transport in Porous Media.

دمج الفيزياء والذكاء الاصطناعي لتوقع حركة المعادن

تمثل البيئات الموجودة تحت سطح الأرض تحديًا كبيرًا أمام نمذجة حركة السوائل والمواد الكيميائية، إذ تتحرك هذه المواد عبر شبكات معقدة من المسام والشقوق داخل الصخور، بينما لا يمتلك الباحثون في كثير من الأحيان بيانات كافية عما يحدث في الأعماق.

واعتمد فريق مختبر العلوم الجزيئية البيئية وجامعة هيوستن على نوع من الذكاء الاصطناعي يعرف باسم الشبكات العصبية المستنِدة إلى الفيزياء (PINN).

وعلى عكس نماذج التعلم الآلي التقليدية التي تعتمد بشكل أساسي على البيانات، يجمع هذا النهج بين البيانات المتاحة والقوانين العلمية التي تحكم حركة السوائل والتفاعلات الكيميائية تحت سطح الأرض.

وأثناء تدريب النموذج، تخضع توقعاته باستمرار للاختبار مقارنة بقوانين الفيزياء والكيمياء.

فإذا أنتج النموذج توقعًا يتعارض مع تلك القوانين، يعيد ضبط حساباته حتى يصل إلى نتيجة تتوافق بصورة أفضل مع البيانات المتاحة والأسس العلمية التي تحكم النظام.

وهذا الدمج يمنح الباحثين ميزة مهمة؛ إذ يمكن للنموذج تقديم تنبؤات سريعة، دون التخلي عن القواعد الفيزيائية والكيميائية التي تحدد كيفية تصرف المعادن والسوائل والمواد الذائبة داخل الصخور.

سجل الحديد في الصخور لا يوثق ارتفاع الأكسجين فقط، بل يسجل أيضًا نشوء الجبال وانتشار النباتات على اليابسة.
نموذج توضيحي لحركة السوائل والمواد الكيميائية داخل المسام والشقوق الصخرية،

لماذا تحتاج المعادن الحرجة إلى نماذج أكثر دقة؟

تزداد أهمية هذه التقنية في التعامل مع المعادن الحرجة، التي توجد أحيانًا بتركيزات شديدة الانخفاض داخل التكوينات الصخرية.

ويشبه الباحث ماروتي مودونورو، عالم الأرض في مختبر شمال غرب المحيط الهادئ الوطني، عملية اكتشاف هذه التراكيز بالبحث عن «إبرة في كومة قش».

فحين تقترب كمية معدن أو مادة كيميائية من الصفر، يمكن لخطأ حسابي صغير أن يؤدي إلى نتيجة غير منطقية، مثل توقع تركيز سلبي لمادة لا يمكن أن تكون كميتها أقل من الصفر.

وتشكل مثل هذه الأخطاء مشكلة خاصة عند التعامل مع المعادن الحرجة الموجودة بكميات ضئيلة والتي يصعب قياسها بدقة.

لذلك صُمم الإطار الجديد بحيث يحافظ على التوقعات داخل نطاقات واقعية، وفي الوقت نفسه يلتزم بالقواعد الفيزيائية والكيميائية التي تحكم النظام.

ويشير ناكشاترالا إلى أن التحدي يكمن في تحقيق التوازن بين المتطلبات المختلفة في الوقت نفسه، لأن فرض قيد معين على النموذج قد يؤدي إلى انتهاك قيد آخر.

ولهذا عمل الفريق على إبقاء الأخطاء المرتبطة بكل مكوّن كيميائي عند مستويات منخفضة للغاية.

الذكاء الاصطناعي يعوض نقص البيانات تحت الأرض

لا تقتصر أهمية النموذج الجديد على تقليل النتائج غير الواقعية.

ففي البيئات الجوفية، غالبًا ما يفتقر العلماء إلى معلومات كاملة حول مجموعة من العوامل التي تؤثر على حركة المعادن وتفاعلاتها.

ومن بين هذه العوامل ظروف تدفق السوائل، والتوزيع الكيميائي الأولي، ووفرة المواد، ومعدلات التفاعل، والنفاذية والمسامية.

وتسمح المنهجية الجديدة بدمج الكميات المحدودة من البيانات المتاحة مع المعرفة العلمية القائمة، للمساعدة في تقدير هذه العوامل التي قد يصعب قياسها بصورة مباشرة في التجارب.

وبذلك يمكن للنموذج أن يسد جزءًا من فجوة المعلومات الموجودة عند دراسة البيئات الموجودة في أعماق الأرض.

الذكاء الاصطناعي يفك شفرة المعادن الحرجة تحت الأرض.. تنبؤات أسرع وأكثر دقة لحركتها داخل الصخور

من التعدين إلى استخلاص المعادن من المخلفات

يمتلك هذا النوع من النمذجة إمكانات واسعة في عدد من المجالات المرتبطة باستخلاص المعادن الحرجة.

ويشمل ذلك التعدين في الموقع، والتعدين الحيوي، وتصريف مياه المناجم الحمضية، واستعادة المعادن من أكوام النفايات أو المياه الناتجة عن عمليات الإنتاج.

وفي مثل هذه الأنظمة، يحتاج الباحثون وشركات التعدين إلى معرفة الطريقة المثلى لضخ السوائل داخل المواد الجوفية، والسرعة المناسبة للضخ، والمدة التي يجب أن تتحرك خلالها السوائل داخل الصخور أو الرواسب، والظروف التي يمكن أن تزيد من كفاءة استخلاص المعادن.

وهنا يمكن للنموذج الجديد أن يؤدي دورًا مهمًا.

فمن خلال التنبؤ بكيفية تفاعل السوائل والمعادن الذائبة والتفاعلات الكيميائية تحت الأرض، يستطيع الباحثون اختبار استراتيجيات مختلفة لحقن السوائل واستخلاصها افتراضيًا قبل تجربتها ميدانيًا.

وقد يساعد ذلك في خفض تكاليف التجارب، وتقليل المخاطر، وتحسين كمية المعادن المستخرجة.

ويلخص ناكشاترالا التحدي في مجموعة من الأسئلة العملية الأساسية: ما المادة التي يجب ضخها؟ وبأي سرعة؟ وكم من الوقت يجب أن تستمر عملية الضخ؟

وتمثل الإجابة عن هذه الأسئلة عنصرًا أساسيًا في تحديد مدى جدوى مشروعات استخلاص المعادن.

نحو تعدين أذكى للمعادن الحرجة

يرى الباحثون أن الإطار الجديد يمثل خطوة أولى نحو تطوير أدوات أكثر تقدمًا تعتمد على الذكاء الاصطناعي المستند إلى قوانين الفيزياء في مجال استخلاص المعادن الحرجة.

وحتى الآن، جرى اختبار النموذج على مشكلات مبسطة تحاكي العمليات الأساسية المرتبطة باستعادة هذه المعادن.

لكن الإصدارات المستقبلية يمكن أن تتضمن مستويات أكثر تعقيدًا من الكيمياء والبيولوجيا والعمليات الميكروبية، بما يسمح ببناء نماذج أكثر واقعية للأنظمة الموجودة تحت سطح الأرض.

ولا يعمل هذا المسار بمعزل عن التجارب المعملية.

فبحسب مودونورو، يرتبط المشروع بالجهود الأوسع لمختبر العلوم الجزيئية البيئية لدمج النمذجة والتجارب والبيانات.

ومن خلال حملات EMSL Community Science، يختبر الباحثون أساليب جديدة تعتمد على منصات تجريبية، من بينها الشرائح المختبرية، وبيانات التصوير الهيكلي والكيميائي، والمواد المسامية، لفهم الطريقة التي تتحرك بها المعادن وتتفاعل داخلها.

وفي المقابل، يمكن لهذه التجارب أن تساعد في التحقق من صحة النماذج، بينما تستطيع النماذج توجيه التجارب المستقبلية نحو الأسئلة الأكثر أهمية.

من باطن الأرض إلى الذكاء الاصطناعي.. تقنية جديدة تتنبأ بمسارات المعادن الحرجة

التوأم الرقمي.. الخطوة التالية في استخراج المعادن

يتطلع الباحثون على المدى البعيد إلى تطوير ما يعرف باسم التوائم الرقمية (Digital Twins) لعمليات استخلاص المعادن الحرجة والترشيح.

والتوأم الرقمي هو نموذج حاسوبي يمكنه تحديث نفسه مع وصول بيانات جديدة، ما يسمح بإنشاء حلقة تغذية راجعة مستمرة بين التجارب والملاحظات الميدانية والتنبؤات التي يقدمها النموذج.

وقد تتيح هذه التكنولوجيا مستقبلًا بناء أنظمة قادرة على التكيف مع الظروف المتغيرة وإعادة حساب أفضل استراتيجيات الاستخلاص بصورة مستمرة.

ورغم أن الدراسة الحالية لا تزال خطوة مبكرة على هذا الطريق، فإنها تضع أساسًا لأدوات ذكية قابلة للتكيف يمكن أن تساعد مستقبلًا في توجيه عمليات استعادة المعادن الحرجة في الوقت الفعلي.

ومع تزايد الطلب العالمي على المعادن الضرورية للطاقة النظيفة والتقنيات الحديثة، قد يمثل الجمع بين الذكاء الاصطناعي والفيزياء والكيمياء طريقًا جديدًا نحو فهم أفضل لثروات باطن الأرض، واستخراجها بكفاءة أعلى وباستخدام أكثر دقة للموارد.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة