أهم الموضوعاتأخبارصحة الكوكب

كيف يستنزف مرض السكري الاقتصاد العالمي بتريليونات الدولارات

دراسة عالمية تكشف العبء الخفي لمرض السكري على الاقتصادات.. التكلفة الأكبر

يؤثر مرض السكري بعمق في الحياة اليومية للأفراد، وفي كفاءة النظم الصحية، وفي أداء الاقتصادات الوطنية على حد سواء.

فاليوم، يعاني نحو واحد من كل عشرة بالغين حول العالم من هذا المرض المزمن، ولا تزال الأعداد في تصاعد مستمر.

وتتضافر تكاليف العلاج طويل الأمد، وتراجع القدرة على العمل، وأعباء الرعاية غير المدفوعة داخل الأسر، لتشكّل ضغطًا اقتصاديًا هائلًا.

وتوضح دراسة عالمية كبرى حجم التكلفة الاقتصادية لمرض السكري، وتبرز أهمية الوقاية باعتبارها خط الدفاع الأول.

السكري يضعف النمو الاقتصادي

يُعد السكري من الأمراض المزمنة التي تعيق قدرة الجسم على تنظيم مستويات السكر في الدم، وغالبًا ما يؤدي على المدى الطويل إلى انخفاض مستويات الطاقة وظهور مضاعفات صحية تتطلب رعاية طبية مستمرة.

وينعكس ذلك مباشرة على الاقتصاد من خلال تراجع القدرة الإنتاجية للقوى العاملة وارتفاع الإنفاق على الرعاية الصحية، ما يعمّق الأثر الاقتصادي لمرض السكري على مستوى العالم.

واعتمد الباحثون على نموذج اقتصادي قائم على الصحة لقياس تأثير المرض في 204 دول خلال الفترة من 2020 إلى 2050، من خلال مقارنة الواقع الحالي بسيناريو افتراضي يفترض عدم وجود مرض السكري مطلقًا.

وأظهرت الفجوة بين السيناريوهين حجم الناتج الاقتصادي المفقود.

وباستبعاد الرعاية غير المدفوعة، تصل الخسائر العالمية إلى نحو 10 تريليونات دولار أمريكي، أي ما يعادل قرابة 0.2% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنويًا.

ومع إدخال الرعاية الأسرية غير المدفوعة في الحسابات، تقفز الخسائر إلى ما يصل إلى 152 تريليون دولار.

الاقتصاد العالمي

فقدان العمل والإنتاجية

تؤكد النظرية الاقتصادية أن العمل يمثل محركًا رئيسيًا للنمو. إلا أن مرض السكري يقلص العرض الفعلي للعمل بعدة طرق؛ إذ يؤدي إلى الوفاة المبكرة، ويخفض الإنتاجية بسبب المرض المزمن، ويزيد من معدلات الغياب عن العمل، فضلًا عن تراجع المشاركة في سوق العمل بمرور الوقت.

كما تؤدي متطلبات الرعاية اليومية إلى انسحاب أفراد من أسر المرضى من وظائفهم أو تقليص ساعات عملهم. ويوضح كلاوس بريتنر، الخبير الاقتصادي وأحد مؤلفي الدراسة، أن “مقدمي الرعاية ينسحبون جزئيًا أو كليًا من سوق العمل، ما يخلق تكاليف اقتصادية إضافية”.

وتشير الدراسة إلى أن الرعاية غير المدفوعة تفسر ما بين 85% و90% من إجمالي الخسائر الاقتصادية، في ظل انتشار المرض على نطاق واسع مقارنة بمعدلات الوفاة، ما يعني احتياج ملايين المرضى إلى دعم يومي طويل الأمد.

تحولات في أنماط الإنفاق

لا يقتصر أثر السكري على سوق العمل، بل يمتد إلى رأس المال والاستثمار. فعادة ما تُستخدم المدخرات في تمويل المصانع والتكنولوجيا والبنية التحتية، لكن تكاليف علاج السكري تعيد توجيه جزء كبير من إنفاق الأسر والحكومات من الاستثمار إلى الرعاية الصحية.

وتتحمل الدول مرتفعة الدخل تكاليف علاج أعلى بسبب توافر الرعاية الطبية المتقدمة، في حين تواجه الدول منخفضة الدخل إنفاقًا علاجيًا أقل، لكنها تعاني خسائر أكبر في الإنتاجية نتيجة التشخيص المتأخر وضعف الوصول إلى الخدمات الصحية.

ويشير مايكل كوهن، المؤلف المشارك في الدراسة والقائم بأعمال قيادة مجموعة “آفاق الاقتصاد” في المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية (IIASA)، إلى أن جمهورية التشيك تتصدر العبء الاقتصادي للسكري بنسبة 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي، تليها الولايات المتحدة وألمانيا بنسبة 0.4%.

كما تواجه أيرلندا وموناكو وبرمودا أعلى أعباء اقتصادية للفرد.

الاقتصاد العالمي

فجوة عدم المساواة

تكشف الدراسة عن تفاوت واضح بين الدول حسب مستوى الدخل. ففي الدول الغنية، تمثل تكاليف العلاج وتحويل رأس المال نحو الرعاية الصحية نحو 40% من الخسائر الاقتصادية. أما في الدول منخفضة الدخل، فلا تتجاوز هذه النسبة 14%.

ويصف كوهن هذا الواقع بأنه “دليل صارخ على أن نظم علاج الأمراض المزمنة، مثل السكري، تظل في متناول الدول مرتفعة الدخل فقط”، بينما تتحمل الدول الفقيرة عبئًا صحيًا أكبر مع فوائد علاجية أقل، ما يؤدي إلى معدلات أعلى من الإعاقة والوفيات.

الجائحة فاقمت الأزمة

أضافت جائحة كوفيد-19 طبقة جديدة من الخسائر الاقتصادية، إذ يزيد السكري من خطر الإصابة الشديدة والوفاة بالفيروس، كما يرفع كوفيد-19 نفسه من احتمالات الإصابة بداء السكري من النوع الثاني بعد التعافي.

وعند إدخال آثار الجائحة في النماذج الاقتصادية، ارتفعت خسائر الناتج المحلي الإجمالي المرتبطة بالسكري بشكل ملحوظ، لا سيما في دول مثل الصين والولايات المتحدة وألمانيا.

تقديرات أدق للتكلفة

اعتمدت الدراسات السابقة غالبًا على أساليب حسابية مبسطة، بينما استخدمت الدراسة الجديدة نماذج الاقتصاد الكلي، وبيانات المشاركة في سوق العمل، ومستويات التعليم، وأنماط الاستثمار الرأسمالي.

ويؤكد بريتنر أن التقديرات السابقة تجاهلت الديناميكيات الاقتصادية المعقدة، موضحًا أن الإنفاق الصحي لا يقلل بالضرورة من الناتج الاقتصادي، لكنه يعكس تحولًا في أنماط الإنفاق من الاستهلاك العام إلى قطاع الصحة.

النظام النباتي وتأثيره على مستوى الأنسولين لدى مرضى السكر
مرضى السكر

الوقاية هي الحل

مقارنة بأمراض مزمنة أخرى مثل السرطان أو ألزهايمر، يفرض السكري عبئًا اقتصاديًا طويل الأمد هائلًا. وتظل الوقاية الخيار الأكثر فاعلية، من خلال النشاط البدني المنتظم، والتغذية المتوازنة، والحفاظ على وزن صحي.

كما يتيح الكشف المبكر والعلاج السريع تقليل المضاعفات، وحماية الصحة، والحفاظ على الإنتاجية، خاصة في الدول منخفضة الدخل التي تعاني من ضعف التشخيص وارتفاع المخاطر الصحية.

وتخلص الدراسة، المنشورة في مجلة «نيتشر ميديسن»، إلى أن السكري لا يؤثر في مستويات السكر بالدم فحسب، بل يترك آثارًا عميقة في الاقتصادات والأسر وآفاق النمو المستقبلي، وأن التحرك المبكر يحمي الصحة والازدهار معًا.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading