تقع مراكز بيانات تمثل نحو ربع البنية التحتية العالمية للحوسبة في مناطق يتجاوز فيها الطلب على المياه الموارد المتجددة المتاحة لمدة شهر واحد على الأقل سنويًا، فيما قد ترتفع هذه النسبة إلى الثلث مع تفاقم الاحترار العالمي، وفقًا لدراسة دولية أنجزت أول خريطة عالمية من نوعها لتحديد مواقع مراكز البيانات الأكثر تعرضًا للإجهاد المائي.
وتكشف الدراسة أن التوسع المتسارع في البنية التحتية الرقمية، بما يشمل مراكز البيانات اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لا يطرح تحديات تتعلق باستهلاك الكهرباء والانبعاثات الكربونية فحسب، بل يثير أيضًا تساؤلات حول توافر المياه اللازمة لتبريد الخوادم، وتأثير هذا الطلب في المدن والمزارع والنظم البيئية التي تعتمد على الموارد المائية نفسها.
وأعد الدراسة باحثون من جامعة ستانفورد ومؤسسة كارنيجي للعلوم، بالتعاون مع زملاء في إيطاليا وتكساس وسويسرا، ونُشرت في دورية «العلوم والتكنولوجيا البيئية» (Environmental Science & Technology).
أول خريطة عالمية للإجهاد المائي حول مراكز البيانات
على الرغم من أن مراكز البيانات تستهلك كميات كبيرة من المياه، لا سيما في أنظمة تبريد الخوادم، فإن البصمة المائية لهذه المنشآت لم تحظَ بمستوى التدقيق نفسه الذي حظي به استهلاكها للطاقة.
وقال لورينزو روزا، الباحث الرئيسي في الدراسة من جامعة ستانفورد، إن استهلاك الطاقة في مراكز البيانات جرى قياسه وتوثيقه بالتفصيل لأن الكهرباء تخضع للقياس والإبلاغ، بينما يُقاس شح المياه على المستوى المحلي بطرق غير موحدة، وفي كثير من الأحيان لا يُقاس على الإطلاق، وهو ما دفع الفريق إلى إعداد خريطة لم تكن متاحة من قبل.
ولإنجازها، حدد الباحثون مواقع 9347 مركز بيانات عاملًا وردت في قاعدة بيانات عالمية متخصصة، ثم طابقوا هذه المواقع مع نموذج هيدرولوجي يتتبع توافر المياه واستهلاكها شهريًا، موزعًا حسب القطاعات المختلفة في أنحاء العالم.
ويقصد بالإجهاد المائي، في سياق الدراسة، أن يتجاوز استهلاك المياه الشهري حجم الإمدادات المتجددة المتاحة في المنطقة.
ويتيح هذا المؤشر تحديد المواقع التي قد تواجه فيها مراكز البيانات منافسة على الموارد المائية، حتى لو لم يظهر النقص طوال العام.
الولايات المتحدة تتصدر عدد مراكز البيانات
أظهرت الخريطة تركزًا جغرافيًا واضحًا للبنية التحتية العالمية لمراكز البيانات. فالولايات المتحدة وحدها تضم 39% من إجمالي المنشآت التي شملتها الدراسة، بواقع 3619 مركز بيانات.
وجاءت المملكة المتحدة في المرتبة التالية، بفارق كبير، مع 420 منشأة. وتستحوذ أمريكا الشمالية وأوروبا مجتمعتين على 73% من البنية التحتية العالمية لمراكز البيانات، وهو نمط يعكس تمركز الطلب على الحوسبة والاستثمارات في هذه المناطق خلال العقود الماضية.
لكن انتشار هذه المنشآت لا يتطابق دائمًا مع توافر المياه. فمن بين 9347 مركزًا جرى تحديد مواقعها، يقع نحو 2315 مركزًا، أي ما يعادل 25%، في مناطق تتعرض للإجهاد المائي لمدة شهر واحد على الأقل سنويًا وفق الظروف الهيدرولوجية الحالية.
كما يواجه نحو 6% من مراكز البيانات إجهادًا مائيًا خلال معظم أشهر السنة.
وتشمل أبرز بؤر الخطر غرب الولايات المتحدة وإسبانيا وإيطاليا والهند ودول الخليج، وفي الإمارات العربية المتحدة، يتعرض 93% من مراكز البيانات لفجوات في إمدادات المياه خلال شهر واحد على الأقل سنويًا، بينما تبلغ النسبة 73% في الهند.
وتشير النتائج كذلك إلى أن اليابان، التي قد يُنظر إليها باعتبارها دولة وفيرة المياه، تضم مراكز بيانات يتأثر معظمها بالإجهاد المائي لفترات تتراوح بين تسعة أشهر و12 شهرًا سنويًا، وفقًا للمؤشرات التي اعتمدتها الدراسة.
مراكز البيانات تنافس المدن والمزارع على المياه
لا تعمل مراكز البيانات في مناطق معزولة عن الأنشطة البشرية الأخرى، بل توجد في أحواض مائية تعتمد عليها المدن والقطاعات الاقتصادية المختلفة.
وتشير الدراسة إلى أن الاستخدام البلدي للمياه، بما يشمل احتياجات المدن والسكان، يمثل القطاع الأكثر استحواذًا على الطلب المائي في المناطق المحيطة بنحو 41% من مراكز البيانات عالميًا.
وفي المناطق المحيطة بنحو 28% من المنشآت، يمثل النشاط الزراعي الاستخدام المهيمن للمياه، بينما تسود الصناعة التحويلية في محيط 18% من المراكز، ويأتي توليد الكهرباء في المقدمة قرب نحو 8% منها.
وقال روزا إن هذه المنشآت لا تُقام في مناطق خالية من الاستخدامات المائية، بل تدخل إلى مناطق تعتمد فيها المدن والمزارع بالفعل على موارد المياه نفسها.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية لأن أي زيادة في الطلب المائي لتبريد الخوادم قد تضيف ضغطًا إلى موارد محدودة أصلًا، بما قد يزيد صعوبة تلبية احتياجات السكان والزراعة والأنشطة الاقتصادية الأخرى.
الاحترار العالمي قد يرفع عدد مراكز البيانات المعرضة للخطر
درس الباحثون أيضًا كيف يمكن أن يتغير الوضع في سيناريو يصل فيه الاحترار العالمي إلى 3 درجات مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، وهو مستوى قد يتحقق، وفق تقديرات الدراسة، في فترة تتراوح بين عامي 2035 و2073.
وفي هذا السيناريو، قد ترتفع نسبة مراكز البيانات الواقعة في مناطق تعاني الإجهاد المائي من 25% إلى 33% من إجمالي المنشآت الحالية.
ويعني ذلك دخول نحو 730 مركز بيانات إضافيًا إلى مناطق الخطر، ليصل العدد الإجمالي إلى 3045 منشأة.
ولا تتوزع الزيادة بالتساوي بين الدول، ففي الولايات المتحدة، قد يتأثر 505 مراكز إضافية، ليرتفع إجمالي المنشآت المعرضة للإجهاد المائي إلى 1269 مركزًا، بما يعادل 35% من مراكز البيانات الأمريكية التي شملتها الدراسة.
وفي إسبانيا، يرتفع عدد المواقع المتأثرة من 95 إلى 119 مركزًا، بينما تشهد فرنسا زيادة أكبر نسبيًا، من 8 مراكز إلى 38 مركزًا. أما إيطاليا، فيرتفع العدد فيها من 49 إلى 59 مركزًا.
وفي الهند، لا يتغير إجمالي التعرض للإجهاد المائي كثيرًا، لكن توزيع المخاطر يصبح أكثر حدة، إذ تنتقل بعض المنشآت من فئات الإجهاد الموسمي الأقل إلى فئة تواجه نقصًا مائيًا يمتد من خمسة إلى ثمانية أشهر سنويًا.
أما الصين، التي يتعرض بالفعل 42% من مراكز بياناتها للإجهاد المائي وفق الظروف الحالية، فقد ترتفع النسبة فيها إلى 51% في سيناريو الاحترار المذكور.
الخطر لا يقتصر على تشغيل مراكز البيانات
يفرق الباحثون بين وجود مركز بيانات في منطقة تعاني الإجهاد المائي وبين تعرضه المباشر لخطر التوقف عن العمل.
فمراكز البيانات غالبًا ما تمتلك موارد مالية وقدرات مؤسسية تتيح لها تأمين إمدادات المياه، وهي إمكانات قد لا تتوافر بالقدر نفسه للمزارعين أو المستخدمين الآخرين، لذلك، قد يظهر أثر شح المياه أولًا في صورة قيود على المرونة التشغيلية للمنشآت، بدلًا من التسبب بالضرورة في إغلاقها.
وبناء على ذلك، قد تتحمل المدن والمزارع والنظم البيئية التي تتشارك معها الأحواض المائية جانبًا أكبر من المخاطر، خاصة عندما تتزايد المنافسة على الإمدادات المحدودة.
ويحذر الباحثون من أن رفع كفاءة استخدام المياه وحده قد لا يكون كافيًا لحل المشكلة، لأن الخيارات التقنية المتاحة تنطوي على مفاضلات بين استهلاك المياه والطاقة والتأثيرات البيئية.
حلول التبريد بين توفير المياه وزيادة استهلاك الطاقة
يمكن أن يقلل التحول إلى أنظمة التبريد الجاف أو استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة من الاعتماد على المياه العذبة.
لكن التبريد الجاف قد يفرض أعباء إضافية على استهلاك الطاقة، كما أن زيادة الكهرباء المستخدمة قد ترفع بصورة غير مباشرة الطلب على المياه في محطات توليد الطاقة، بحسب طبيعة مصادر الكهرباء وتقنيات التوليد.
أما تحلية مياه البحر، فقد تكون خيارًا للمراكز الواقعة في المناطق الساحلية، لكنها ترتبط بدورها بتكاليف وآثار بيئية.
وتشمل البدائل الأخرى التبريد بالغمر، الذي يعتمد على وضع المكونات الإلكترونية في سوائل عازلة للحرارة، إلى جانب الإدارة الديناميكية للحرارة التي تضبط أنظمة التبريد وفق ظروف التشغيل.
ويمكن لهذه التقنيات خفض استهلاك المياه، لكن تطوير أنظمة هجينة تحقق توازنًا بين احتياجات التبريد واستهلاك الطاقة يظل تحديًا تقنيًا عند التوسع في استخدامها على نطاق واسع.
ولا يوجد، وفق الدراسة، حل واحد يزيل المشكلة بالكامل؛ إذ ينطوي كل خيار على مفاضلات تتعلق بالمياه والطاقة والتأثيرات البيئية.
اختيار مواقع مراكز البيانات يجب أن يبدأ من توافر المياه
تخلص الدراسة إلى ضرورة إدماج الظروف الهيدرولوجية المحلية في قرارات اختيار مواقع مراكز البيانات الجديدة منذ المراحل الأولى للتخطيط، بدلًا من الانتظار حتى تبدأ المنشأة في سحب المياه من مصدر جوفي أو حوض مائي تتشارك فيه مع مدينة كبيرة أو مناطق زراعية.
وتزداد أهمية هذا التوجه مع تسارع بناء مراكز البيانات لتلبية الطلب المتنامي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وفي الوقت نفسه، تشير التوقعات الواردة في التقرير إلى أن استهلاك الكهرباء عالميًا في هذا القطاع قد يقترب من الضعف بحلول عام 2030.
ويعني ذلك أن التوسع في الحوسبة الرقمية يحتاج إلى تخطيط يتجاوز تأمين الطاقة والمساحات والاتصالات، ليشمل أيضًا مصادر المياه المتاحة، والاحتياجات الحالية للمجتمعات المحلية، والضغوط التي قد يفرضها تغير المناخ على الإمدادات مستقبلًا.
فالمنشآت التي تُقام في مناطق تعاني الإجهاد المائي قد تزيد احتمالات التنافس بين احتياجات تبريد الخوادم واحتياجات المنازل والمزارع والنظم البيئية، ما يجعل التخطيط المائي جزءًا أساسيًا من استدامة البنية التحتية الرقمية.
