
محكمة العدل الدولية، والتي تُعَدّ أسمى هيئةٍ قضائية دولية، بدأت في ديسمبر 2024 أكبر جلسة استماعٍ في تاريخها حول التزامات الدول تجاه التغيّر المناخي.
فما كان بالأمس مطلبًا تهمس به دولٌ صغيرة تخشى ابتلاع المحيطات لها، غدا اليوم صوتًا مدويًا تجاه واقع حقيقي.
هذه الجلسات ليست مجرد إجراءاتٍ قانونيةٍ تقليدية؛ إنها وبحق وقفة جادة على مفترق الطرق بين العدالة والمأساة، بين التخاذل والأمل.
ظهرت دولة فانواتو، تلك الجزيرة الوادعة في المحيط الهادئ، كرمزٍ حَيٍّ لواقعٍ لا يرحم.
عندما أعلنت سعيها لنيل رأي استشاري من المحكمة، كانت تُلبي نداء شعبها المثقل بفيضاناتٍ ومساحاتٍ مُهدَّدة.
وما هي إلّا ومضة زمنٍ حتى تلاحقت عشرات الدول والهيئات الدولية، شاكرةً لفانواتو جرأتها وساعيةً لتأييد مطلبها المشروع، وذلك سعياً نحو أفعال أكثر من الأقوال.
ومن ثَمَّ وُلد القرار الأممي الذي تبنّته الجمعية العامة، وارتسمت ملامح قضيةٍ عالميةٍ ضخمة يُنتظر منها أن تفصل — ولو أدبيًا — في مسؤوليات الدول الكبرى.
هذه المرافعات الدولية لا تعِدُ بحكمٍ إلزامي بالمعنى التقليدي، بل تستهدف رأيًا استشاريًا قد يشكّل سابقةً قانونية عظمى. فليس هنالك ما يُجبرُ الدول على الانصياع له، لكنه يحمل بين طياته سلطةً معنويةً لا يُستهان بها.
إن الكلمة الفصل التي ستنطق بها المحكمة في لاهاي، ستتردد أصداؤها في دهاليز المحاكم الوطنية وخِزانات التفكير السياسي، لتُرسي دعائم شرعية أخلاقيةٍ وقانونية حول حق البشرية جمعاء في بيئةٍ آمنةٍ ومستدامة.
فلا يجب الاستهانة بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية.
ولعلّ الأهمية الكبرى في هذه القضية تكمن في أصوات الدول النامية والجزر المعرّضة للغرق وهي تُطالب بحقوقها.
تلك الدول التي سئِمت من الوعود المتكررة بنِسبٍ ضئيلةٍ من التمويل والمساعدة، تقف في ساحات القضاء الدولي عوضاً عن المؤتمرات التي لم تنتهي لنتيجةٍ كافية.
إنّ وقوف فانواتو اليوم أمام محكمة العدل الدولية هو رسالةٌ إلى الحاضر والمستقبل معًا بأنّ البشرية، مهما اختلفت أوطانها وألوانها، لا تملك سوى أرض واحدة، وأنّ حمايتها أمانةٌ في أعناقنا جميعًا، ولن يستأهل الموقف قبول التضحية بدولة تلو الأخرى.





