تجربة أكسفورد.. متحف يزرع الأمل في نفوس الطلاب المتأثرين بخوف المناخ
«الدمار لا يعلّم» متحف المناخ الجديد.. عندما تتحول الحكايات الإيجابية إلى علاج نفسي وتعليمي للطلاب
في عام 2023، قادت زيارة بحثية إلى مدرسة ثانوية حكومية في أوكسفورد فريق «متحف أمل المناخ» إلى اكتشاف غير متوقع حول التأثير النفسي لتدريس أزمة المناخ على المراهقين.
كانت الزيارة في سياق تقديم مشروع يطمح إلى إعادة تخيّل العلاقة بين الشباب والبيئة، لكن ما رآه الباحثون في قاعة الاجتماع ذلك اليوم كشف عن مشكلة أكبر: كيف تحول الخطابات الكارثية حول المستقبل إلى مصدر لقلق بيئي حاد (Eco-distress) لدى الطلاب؟
من خطاب المناخ الكارثي إلى الضيق البيئي
قبل زيارة الفريق بأسابيع قليلة، استضافت المدرسة عالمًا بارزًا في تغير المناخ.
قدّم العالم درسًا صارمًا حول المخاطر المتصاعدة: ذوبان الجليد، ارتفاع مستويات البحار، تراجع الأنواع، واشتداد الكوارث الطبيعية.
ورغم أن الرسالة كانت تهدف إلى «هزّ الوعي»، فإن أثرها كان عكسيًا.
يقول المعلمون إن الطلاب الأكثر اهتمامًا بالقضية البيئية بدأوا يُظهرون علامات واضحة للقلق، بينما لجأ طلاب آخرون إلى التجاهل والانسحاب الكامل كآلية دفاعية.
وهنا بدأ الباحثون يدركون أن هناك حاجة إلى منهج مختلف يعالج الأزمة دون إثقال الطلاب برؤى سوداوية.

منهجيات جديدة: كيف يمكن تعليم المناخ دون تدمير الأمل؟
أدّت هذه الملاحظات إلى سؤال جوهري: كيف يمكن تعليم أزمة المناخ بطريقة واقعية، لكنها داعمة نفسيًا؟
تزامن ذلك مع صدور «مراجعة المناهج والتقييم» في إنجلترا (نوفمبر 2025)، التي أقرت بأن التعليم المناخي لا يزال هامشيًا رغم المطالب المتزايدة بدمجه في المدارس.
وأشارت إلى ضرورة تطوير طرق تدريس جديدة لا تكتفي بالمعرفة العلمية، بل تبني مهارات التكيف والقدرة على العمل.
ومن هنا تبلورت فكرة «بيداغوجيا الأمل» التي طوّرها الفريق بالتعاون مع باحثين آخرين في مجال التعليم المستدام.
تقوم هذه الفلسفة على إبراز قصص النجاح والابتكار، وإعطاء الطلاب أدوات عملية وعاطفية للتفكير في المستقبل، بدلاً من ترسيخ شعور بالعجز.
ولادة المتحف: الفن والعِلم ومسارات التعليم المفتوحة
في ضوء ذلك، نشأ مشروع «متحف أمل المناخ» بوصفه مساحة تعليمية جديدة تمتد عبر حدائق جامعة أكسفورد ومتاحفها ومكتباتها.

يقدم المتحف تجربتين:
– مسار ميداني عبر معروضات مختارة في مؤسسات الجامعة
– منصة رقمية تفاعلية تضم قصصًا ومواد مرئية وصوتية
لكن العنصر الأهم كان إشراك الطلاب أنفسهم في تصميم مسار التجربة.
ولذلك اصطحب الباحثون مجموعة من طلاب المدرسة الثانوية إلى «حديقة أكسفورد النباتية» و«متحف تاريخ العلوم»، لم يطلب الطلاب قطعًا تمثل الانقراض والانهيار البيئي، بل فضّلوا:
– طائر السُّمانة
– القندس
كلاهما يمثل نجاحات في مشاريع الحفظ وإعادة الإحياء البيئي، بعيدًا عن سرديات الانقراض التي تهيمن على الخطاب المناخي.
القدر البرونزي: الاستدامة قبل أن نعرف ماذا تعني
من بين أهم القطع التي اختارها الفريق للمسار: القدر البرونزي في متحف «آشموليان».
هذا الوعاء، الذي يعود إلى العصر البرونزي، يحمل آثار ترميمات متكررة على مدى قرون. وتُظهر هذه العلامات التزام المجتمعات القديمة بإصلاح أدواتها وإعادة استخدامها، في تباين حاد مع «ثقافة الاستهلاك» المعاصرة.
كما يرمز القدر إلى علاقة متبادلة بين الإنسان والطبيعة، إذ عُثر عليه في نهر «تشرويل»، ويُعتقد أنه قُدّم كهدية طقسية للنهر.

في المدارس الابتدائية: الفن مدخلًا إلى فهم البيئة
لم يقتصر المشروع على المراهقين. فقد عمل الباحثون فصلًا دراسيًا كاملًا مع طلاب المرحلة الابتدائية، حيث جرى دمج الفن والعلوم في أنشطة تستكشف تغير المناخ عبر التجربة المحلية.
انطلق الأطفال من ظاهرة يختبرونها يوميًا:
تزايد فيضانات نهر تشرويل القريب من مدرستهم.
واستخدم الفريق خريطة «شيلدون» التاريخية –عمرها 400 عام– لإظهار كيفية تغيّر شكل الأنهار والعلاقة مع البيئة عبر الزمن. ثم صاغ الطلاب أعمالًا نسيجية تعبّر عن أماكنهم المفضلة في الطبيعة.
وجُمعت أعمالهم في عمل فني ضخم هو «رداء تاميسيس»، بطول 15 مترًا، مستوحى من قطع في «بيت ريفرز» مثل الرداء الهوايي المصنوع من الريش ومعطف الإيفينكي من جلد الرنة.
هذا العمل لم يكن مجرد نشاط فني، بل شكل اختراقًا عاطفيًا وتربويًا جعل الأطفال يرون أنفسهم جزءًا من الحكاية البيئية.
تجربة تخيلية… تفتح أبواب المستقبل
عاد الباحثون إلى المدرسة الثانوية لتقديم جلسة جديدة، لكن هذه المرة بطريقة مختلفة.
دُعي الطلاب لإغماض أعينهم وتخيل أنهم في عام 2051، داخل متحف مستقبلي يعرض مقتنيات من زمن انتقل فيه العالم إلى مستقبل مستدام.
سألهم الباحثون: ما هي الأشياء التي اختفت من حياتنا وأصبحت معروضة في المتحف؟
وما هي الإنجازات التي تستحق مكانًا في هذا المتحف؟
مَن هم الأشخاص الذين ستُروى قصصهم بوصفهم روادًا لحلول المناخ؟
كسر أحد الطلاب جمود اللحظة حين صرخ باسم زميله قائلاً إنه «الأقدر على حل مشكلات المستقبل».
انطلقت ضحكات خفيفة، وارتخت الأجواء، وشعر الجميع –ولو للحظة– بأن المستقبل ليس مظلمًا كما يبدو.

تحويل الخوف إلى خيال… والخيال إلى عمل
يظهر من خلال هذا المشروع أن الطلاب لا يحتاجون إلى المزيد من رسائل الهلاك، بقدر ما يحتاجون إلى مساحات تدعم قدرتهم على:
– فهم الأزمة دون فقدان الأمل
– ممارسة الخيال كأداة للتغيير
– رؤية قصص واقعية للنجاح
– الإيمان بأن المستقبل قابل لإعادة البناء
هذا بالضبط ما يقدمه متحف أمل المناخ، مكان يعلّم أن الأمل ليس رفاهية، بل استراتيجية تربوية وثقافية لمواجهة أزمة المناخ.





