مبعوثة معاهدة إنهاء الوقود الأحفوري تنتقد الرأسمالية الخضراء وتحذر من صعود الاستبداد وتدخلات واشنطن
سوزانا محمد: مفاوضات المناخ تتحول إلى منصة للدفاع عن الفحم والنفط والغاز
تؤكد سوزانا محمد، وزيرة البيئة الكولومبية السابقة وإحدى أبرز الأصوات التقدمية في الساحة المناخية العالمية، أن المعركة الحالية حول التخلص من الوقود الأحفوري لم تعد نقاشًا بيئيًا أو تقنيًا، بل تحولت إلى صراع نفوذ واسع بين قوى اقتصادية وسياسية وعسكرية تسعى إلى فرض رؤيتها على مستقبل الكوكب.
وترى سوزانا، أن الفحم والنفط والغاز، المسؤولة عن 90% من الانبعاثات التي ترفع حرارة الكوكب، أصبحت في “كرسي الاتهام”، لكن المفارقة أنها “تربح المعركة في كل مرة”، على حد تعبيرها.
وتوضح، أن مفاوضات المناخ في الأمم المتحدة، التي يُفترض أن تكون منصة للانتقال للطاقة النظيفة، تحولت إلى “مؤتمر ضخم يدافع عن مصالح الوقود الأحفوري أكثر مما يدافع عن مستقبل البشرية”.
من Cop28 إلى Cop30.. الوعود تتآكل
قبل عامين في دبي، خرجت الدول باتفاق تاريخي على “الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري”، وهي صياغة اعتُبرت حينها أول اعتراف عالمي واضح بضرورة التخلص التدريجي من مصادر الطاقة الملوِّثة.
وكانت سوزانا من بين الشخصيات التي دفعت نحو تضمين هذا الالتزام في النص الختامي، إلا أن الطموح بدأ يتراجع فور انتهاء القمة:
– استهلاك الفحم استمر في الارتفاع.
– إنتاج النفط توسّع في عدة دول.
– مشاريع الغاز المسال تضاعفت قيمتها، خصوصًا بعد أزمة الطاقة العالمية.
وتحذر من أن “حجم المشكلة اليوم أكبر بكثير مما يجري الاعتراف به سياسيًا”، فالفجوة بين الشعارات والممارسات تتوسع بشكل خطير.

المعاهدة محاولة لكسر الجمود
لمواجهة هذا الوضع، تتبنى سوزانا نهجًا أكثر جرأة، يتمثل في الدفع نحو ما يشبه “معاهدة باريس خاصة بالوقود الأحفوري”.
وقد انضمت كولومبيا و16 دولة أخرى لدعم الفكرة، بينما كُلِّفت مؤخرًا بمنصب “مبعوثة خاصة” للمعاهدة، في خطوة تكشف مدى صعود نفوذها في النقاشات العالمية حول العدالة المناخية.
وتشرح، أن الهدف من المعاهدة هو وضع إطار دولي واضح يشمل:
– وقف التوسع العالمي في استخراج النفط والغاز والفحم،
– تحديد جدول زمني للخفض التدريجي،
– وتوفير تمويل عادل للدول النامية كي تنتقل إلى اقتصاد مستدام دون انهيار مالي.
وتصف ذلك بأنه “إعادة هيكلة اقتصادية كبرى”، تتطلب الاعتراف بأن التخلص من الوقود الأحفوري ليس مجرد قرار تقني، بل عملية تحول اجتماعي عميق.

التجربة الكولومبية
تكشف سوزانا، أن قرار كولومبيا عام 2023 بوقف منح عقود جديدة لاستكشاف الوقود الأحفوري واجه عقبات قاسية، أبرزها:
– الاعتماد الكبير للدولة على عائدات النفط،
– ضعف القدرة المالية على تمويل الاستثمارات الخضراء،
– أعباء الدين الخارجي،
– المعركة السياسية الداخلية بين القوى الاقتصادية التقليدية والحركات التغيير.
وتضيف: “نفطنا ثقيل ومكلف وليس لدينا احتياطات ضخمة، ومع ذلك نعتمد عليه اقتصاديًا، وهذا يجعل التخلص منه مهمة بالغة التعقيد”.

اقتصاد خالٍ من الوقود الأحفوري أم رأسمالية خضراء؟
توجّه سوزانا محمد، انتقادًا حادًا إلى ما تصفه بـ”الرأسمالية الخضراء”، معتبرة أنها تحاول حل أزمة المناخ بالآليات نفسها التي صنعت الأزمة في الأساس، وتقول: “هي منطق جديد يواصل توزيع الأرباح على الأقوياء ويزيد هشاشة الفقراء، لن ينجح”.
وتؤكد أن التحول العادل يحتاج إلى:
– مشاركة المجتمعات،
– توزيع عادل للثروة،
– سياسات اقتصادية تُصلح جذور التفاوت الاجتماعي،
– تمكين الشعوب من امتلاك مستقبلها وليس فقط شراء تكنولوجيا جديدة.

من شل النفطية إلى قيادة النضال المناخي
قصة سوزانا الشخصية تضيف عمقًا أكبر إلى مواقفها، فهي نشأت في بوجوتا وسط عائلة ذات جذور فلسطينية، ثم انتقلت للعمل مع عمال المناجم في جنوب أفريقيا ما بعد الفصل العنصري، وشهدت مباشرةً آثار الاقتصاد الاستخراجي على المجتمعات الفقيرة.
لاحقًا، عملت في شركة شل لخمس سنوات، حيث اكتسبت معرفة داخلية بطرق عمل شركات الطاقة العملاقة، ثم تركت القطاع النفطي واتجهت إلى حقوق الإنسان، قبل أن تصبح أحد الوجوه البارزة لليسار الكولومبي.
وتعلق: “كل ما مررت به جعلني أدرك أن القضية الأساسية ليست تقنية ولا اقتصادية فقط، إنها صراع قوة عالمي”.
الولايات المتحدة واليمين المتطرف
تتوقع سوزانا، أن تدخل بلادها مرحلة اضطراب سياسي حاد خلال الانتخابات المقبلة، وتقول إنها تخشى تدخلًا أمريكيًا مباشرًا لدعم اليمين المتطرف.
وتشير إلى سلسلة إجراءات اتخذتها إدارة ترامب مؤخرًا ضد الرئيس غوستافو بيترو، من بينها:
– سحب التأشيرة،
– فرض عقوبات بزعم الفشل في مكافحة المخدرات،
– وتوسيع الضربات العسكرية لأهداف يُزعم أنها مرتبطة بالتهريب قرب فنزويلا.
وتصف الأمر بأنه “محاولة لإسقاط الديمقراطية في كولومبيا وإضعاف الحركة التقدمية”.
وترى أن الدافع الحقيقي وراء سياسات ترامب في أمريكا اللاتينية هو السيطرة على الموارد والمعادن الحيوية اللازمة لصناعات المستقبل.
مثلث السلطة.. الجيش، التكنولوجيا، والوقود الأحفوري
تحذر سوزانا محمد من تشكّل “مثلث قوة” عالمي يجمع بين:
– الصناعات العسكرية،
– شركات التكنولوجيا الكبرى،
– ورأس المال الأحفوري.
وترى أن هذا التحالف يقوّض الديمقراطية ويعيق العمل المناخي، ويزيد من صعود اليمين المتطرف وسط جماهير مهمّشة فقدت الثقة في الوعود الاجتماعية والاقتصادية.
مقاومة شعبية لا بديل عنها
ترحّب سوزانا، بالاحتجاجات التي شهدها مركز Cop30، خصوصًا من قبل الشعوب الأصلية والحركات الاجتماعية.
وتقول: “التغيير الحقيقي لن يأتي من النصوص التي يكتبها البيروقراطيون، بل من مقاومة الناس. إذا لم يأتِ الضغط من الأسفل، فستنتصر مصالح الوقود الأحفوري”.
وتختم رؤيتها بعبارة تلخص فلسفتها: “التحول المناخي لن يحدث إلا كثورة شعبية واسعة تضع العدالة في قلبها”.





