مبادرة “بيئتي مسؤوليتي”.. تحويل المعرفة البيئية إلى سلوك مستدام
الذكاء الاصطناعي والبيئة.. هبة إمام توظف التكنولوجيا لتعزيز الاستدامة
في زمن تتزايد فيه وتيرة التحديات المناخية وتزداد الضغوط على الموارد الطبيعية، لم يعد الوعي البيئي ترفًا معرفيًا أو موضوعًا للنخبة، بل أصبح ضرورة مجتمعية تمس تفاصيل حياتنا اليومية: من طريقة استهلاكنا للمياه والطاقة، إلى أسلوب تعاملنا مع النفايات، وصولًا إلى خياراتنا الشرائية والغذائية وتنقلاتنا.
وفي قلب هذا المشهد العالمي، تبرز مبادرات نوعية تنطلق من الإيمان بأن “الكلمة” قادرة على تغيير السلوك، وأن التوعية حين تُقدَّم بلغة بسيطة ومؤثرة تصبح طريقًا عمليًا نحو الاستدامة.
من هنا جاءت مبادرة “بيئتي مسؤوليتي”، مبادرة إعلامية تطوعية بدأت بفكرة فردية، وتحوّلت خلال ثلاث سنوات إلى منارة توعوية ممتدة التأثير داخل دولة الإمارات وخارجها، مع طموح واضح لبناء مجتمع أكثر وعيًا ومسؤولية تجاه البيئة.
من هي مؤسِّسة المبادرة؟ مسيرة علمية نابعة من التزام مجتمعي
أطلقت المبادرة د. هبة محمد إمام، استشاري وخبير بيئي مصرية مقيمة في الإمارات، وتمتلك خبرة تمتد لأكثر من عشرين عامًا في مجالات البيئة والاستدامة ونشر الوعي البيئي. تشغل د. هبة منصب مديرة قسم الاستدامة والبيئة في “أبوظبي بريكاست” التابعة لمجموعة أسكورب القابضة، حيث تعمل على تحويل مفاهيم الاستدامة إلى تطبيقات عملية داخل القطاع الصناعي، بما يوازن بين النمو الاقتصادي والمسؤولية البيئية.
تكوّنت رحلتها العلمية من جذور مبكرة للشغف بالطبيعة، ثم تحوّل هذا الشغف إلى مسار أكاديمي متخصص: ماجستير في علوم البيئة والتنمية الصناعية، ثم دكتوراه في الهندسة البيئية مع تركيز على إدارة النفايات والاقتصاد الدائري بوصفهما من أهم مفاتيح الاستدامة في عالم اليوم.
تحمل د. هبة سجلًا من التقدير المهني والإعلامي، من بينها حصولها على الإقامة الذهبية في الإمارات ضمن فئة المبدعين في مجال الإعلام البيئي وتمكين المرأة، وتكريمها من وزارة الثقافة والشباب الإماراتية، إلى جانب جوائز مثل جائزة “ماستر مايند” للكتابة الإبداعية (2023)، ولقب أفضل صانعة محتوى في مجال حفظ النعم (2024).
كما شكّل انضمامها إلى برنامج “المصريات بالخارج” نقطة تحوّل مهمة، إذ عزّز مهاراتها القيادية وعمّق فهمها للتنمية المستدامة والتكنولوجيا والثورة الصناعية الرابعة وربطها بواقع المجتمعات، ما انعكس على قدرتها في تحويل المعرفة إلى مبادرات مجتمعية مؤثرة، كان أبرزها: “بيئتي مسؤوليتي”.
كيف بدأت المبادرة؟
أُطلقت “بيئتي مسؤوليتي” قبل ثلاث سنوات كمبادرة فردية تطوعية، هدفها تعزيز الوعي البيئي في الإمارات والعالم العربي عبر تقديم المعرفة العلمية بصورة مبسطة تصل لأكبر شريحة من المجتمع وقادرة على تغيير العادات اليومية.
اعتمدت المبادرة منذ بدايتها على المقالات التوعوية التطوعية المنشورة في منصات إعلامية مختلفة، مع مشاركة المحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتوسيع دائرة الوصول. توسّعت المبادرة لتشمل المحتوى باللغة الإنجليزية إلى جانب العربية، بهدف الوصول إلى غير الناطقين بالعربية المقيمين في الإمارات وتعزيز الوعي البيئي لدى جميع فئات المجتمع المحلي والدولي، انسجامًا مع طبيعة الإمارات كمجتمع متعدد الثقافات.
قدّمت د. هبة أكثر من 200 مقال تطوعي في مجالات البيئة والتنمية المستدامة وتمكين المرأة، وهو رقم يعكس التزامًا نادرًا بفكرة المعرفة كمسؤولية مجتمعية.
تركّز المبادرة على رؤية تجعلها منارة إعلامية رائدة لنشر الوعي البيئي باللغتين العربية والإنجليزية، بما يسهم في بناء مجتمع واعٍ ومستدام. تُترجم هذه الرؤية عبر رسالة تقدم المفاهيم البيئية وممارسات الاستدامة بأسلوب مبسط للجمهور العربي وغير العربي، بما يعزز السلوك الإيجابي والمسؤول تجاه البيئة.
الذكاء الاصطناعي والبيئة
من الأفكار المحورية التي تؤكد عليها د. هبة في محتواها أهمية توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة البيئة، لما يتيحه من القدرة على تحليل كم هائل من البيانات القادمة من الأقمار الصناعية ومحطات الرصد والمناخ؛ ما يدعم تحسين التنبؤ بمستويات التلوث، ورصد التصحّر وإزالة الغابات والحرائق مبكرًا، وتقدير المخاطر المناخية مثل موجات الحر والسيول، ورفع كفاءة إدارة النفايات، فضلًا عن خفض الانبعاثات من خلال ترشيد استهلاك الطاقة.
غير أن الرسالة الأهم هي أن التقنية وحدها لا تكفي، بل لا بد من بيانات موثوقة وحوكمة واضحة وسياسات مسؤولة، إلى جانب بناء وعي مجتمعي يوضح سبب استخدام هذه الأدوات وكيف تُحدث فرقًا، وهنا يبرز دور الإعلام البيئي التوعوي الذي تتبناه “بيئتي مسؤوليتي”.
العلم رسالة… والبيئة مسؤولية مشتركة
تجسّد المبادرة نموذجًا رائدًا للمواطنة البيئية الإيجابية، حيث يقترن العلم بالمسؤولية، وتتحوّل الخبرة إلى لغة يفهمها الجميع. إنها تذكير عملي بأن حماية البيئة ليست مهمة جهة واحدة، بل مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد وتدعّمها المؤسسات، ويقودها الخبراء حين يجعلون المعرفة سهلة الوصول وقابلة للتطبيق.
من مصر إلى الإمارات وصولًا إلى العالم العربي، تواصل المبادرة توسيع أثرها لتؤكد حقيقة بسيطة وعميقة: أن الوعي البيئي حين يصبح ممارسة يومية يصنع فرقًا حقيقيًا، وأن حماية البيئة تبدأ من الفرد وتثمر عندما تتحول إلى التزام مجتمعي.





