ما تحت الأرض يحكم مصير المياه.. دراسة تكشف سر حساسية بعض الأحواض المائية للمناخ
ليست الأمطار وحدها.. كيف تتحكم التربة العميقة في أمن المياه مستقبلًا؟
الفيزياء الخفية لأحواض التصريف المائي: لماذا تتأثر بعضُها أكثر بتقلبات المناخ؟
المياه تحيط بنا في كل مكان، من الثلوج المتراكمة على قمم الجبال إلى المياه التي تصل إلى منازلنا عبر الصنابير، لكن، ورغم تركيزنا غالبًا على الأمطار والثلوج باعتبارها المحرك الأساسي للموارد المائية، تكشف أبحاث علمية حديثة أن عاملًا آخر غير مرئي يلعب دورًا حاسمًا، وهو البنية الجوفية للأرض.
عالم هيدرولوجيا، يعمل على فهم كيفية تحرك المياه داخل المناظر الطبيعية، قدم دراسة حديثة نُشرت في دورية Water Resources Research، توصل، بالتعاون مع طالب الماجستير مهبود طاهريان، إلى أن أحواض التصريف المائي لا تستجيب جميعها بالطريقة نفسها لتقلبات المناخ، والسبب يكمن عميقًا تحت سطح الأرض.

لغز ذوبان الثلوج
ركزت الدراسة على عملية تُعرف باسم «تقسيم ذوبان الثلوج»، أي مصير المياه الناتجة عن ذوبان الثلوج مع حلول الربيع، هل تتدفق سريعًا إلى الأنهار؟ أم تتسرب ببطء إلى باطن الأرض لإعادة شحن الخزانات الجوفية؟ أم تعود إلى الغلاف الجوي عبر النباتات؟
تحديد مسار هذه المياه مسألة بالغة الأهمية، لأنه يحدد ما إذا كان الحوض المائي سيواجه فيضانات، أو سيتمكن من تخزين المياه، أو سيتعرض للجفاف خلال فصل الصيف، لذلك، يُعد فهم سلوك ذوبان الثلوج أمرًا حاسمًا للمجتمعات التي تعتمد على مياه الجبال للشرب والزراعة والأنظمة البيئية وتوليد الطاقة الكهرومائية.
ورغم معرفتنا بأن كمية الأمطار أو الثلوج تؤثر في هذه النتائج، فإن أحواضًا مائية متشابهة مناخيًا تُظهر سلوكيات متباينة بشكل لافت.
فما الذي يجعل أحد الأحواض أكثر مرونة في مواجهة خريف جاف، بينما يتأرجح آخر بشدة من عام إلى آخر؟ هذا السؤال كان الدافع الأساسي وراء الدراسة.

ما تحت السطح
للإجابة عن هذا التساؤل، استخدم الباحثون نموذجًا هيدرولوجيًا قائمًا على الفيزياء، وطبقوه على أحواض تصريف حقيقية وافتراضية تعتمد على الثلوج في أمريكا الشمالية وأوروبا.
وقد أتاحت الأحواض الافتراضية التحكم في جميع العوامل السطحية، مثل الأمطار والانحدار والغطاء النباتي، مع تغيير البنية الجوفية فقط.
وركزت الدراسة على عاملين رئيسيين: نفاذية التربة والصخور، وكيفية تغير هذه النفاذية أفقيًا بين التلال وعموديًا من السطح حتى الصخر الأساس.
وأظهرت النتائج، أن الأحواض ذات البنية الجوفية المتجانسة أفقيًا، حيث تكون النفاذية متقاربة عبر المشهد الطبيعي، تسلك مسارات ثابتة لتصريف مياه ذوبان الثلوج بغض النظر عن كون الخريف السابق رطبًا أو جافًا.
في المقابل، أظهرت الأحواض ذات البنية الجوفية غير المتجانسة، أي ذات النفاذية المتفاوتة، سلوكًا شديد التغير.
فبعد فصول خريف جافة، تتدفق مياه ذوبان الثلوج بسرعة عبر مسارات سطحية ضحلة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات، أما بعد فصول خريف رطبة، فتُفعّل مسارات أعمق داخل التربة، موجهة كميات أكبر من المياه إلى التخزين الجوفي طويل الأمد.
وفي إحدى الحالات المدروسة، ارتفعت نسبة المياه المتجهة إلى التخزين الجوفي من 4% بعد خريف جاف إلى 25% بعد خريف رطب.

مضخمات مناخية
تشير هذه النتائج إلى أن عدم تجانس البنية الجوفية يعمل كمضخم لتقلبات المناخ، فكلما زادت تعقيدات ما تحت السطح، ازدادت حساسية الحوض المائي للتغيرات المناخية، بحيث يمكن لموسم واحد رطب أو جاف أن يغير سلوك الحوض لأشهر لاحقة.
وتحمل هذه النتائج دلالات مهمة لنماذج التنبؤ الحالية بإمدادات المياه ومخاطر الفيضانات في ظل تغير المناخ، إذ تعتمد معظمها على مؤشرات سطحية فقط، مثل الغطاء النباتي والانحدار، دون مراعاة «العمارة الخفية» تحت الأرض.
أهمية النتائج
تكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة مع تزايد عدم استقرار أنماط الهطول المطري، ففي المناطق المعتمدة على الثلوج، مثل غرب أمريكا الشمالية، يواجه مديرو المياه تحديات متزايدة في تخزين المياه وتجنب الفيضانات ونقص الإمدادات.
وتشير النتائج إلى أن بعض الأحواض أكثر عرضة بطبيعتها للتقلبات المناخية، بسبب خصائصها الجوفية.
ولا تقتصر التأثيرات على كميات المياه فحسب، بل تمتد إلى جودتها، إذ قد تحمل المياه المتدفقة عبر المسارات العميقة مغذيات أو ملوثات مخزنة في التربة والمياه الجوفية، ما قد يؤدي إلى تغيرات غير متوقعة في جودة المياه.
نظرة إلى المستقبل
رغم صعوبة رصد البنية الجوفية بدقة على نطاق واسع، فإن هذه الدراسة تسهم في تحديد الخصائص الأكثر تأثيرًا في حساسية الأحواض المائية للمناخ، ما يساعد على توجيه جهود البحث والرصد المستقبلية.
وقد تفتح التقنيات الجيوفيزيائية والاستشعار عن بعد آفاقًا جديدة لفهم ما يحدث تحت أقدامنا.
وفي النهاية، تؤكد الدراسة أن إدارة الموارد المائية بحكمة تتطلب فهمًا أعمق لما يحدث تحت سطح الأرض، لأن مسارات المياه الخفية هي التي تشكل عالمنا أكثر مما نتصور.





