غياب التناغم بين مؤسسات المناخ الدولية يهدر فرصًا حاسمة لمكافحة التغير المناخي
حين لا يتحدث العلم والسياسة معًا.. دروس من تقرير 1.5 درجة المئوية
مثل كثير من العلاقات غير المستقرة، تبدو علاقة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، بالهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) مضطربة وتفتقر إلى التنسيق.
هذه العلاقة – التي يُفترض أن تجمع بين العلم والسياسة – لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب من الانسجام، رغم أن نتائجها تحدد مصير البشرية في مواجهة أزمة المناخ المتفاقمة.
فجوة بين العلم والسياسة
يلتقي العالِم وصانع القرار عادة في مساحة مشتركة: الأوّل يقدّم الأدلة والبيانات، والثاني يبحث عن الأسس التي تبنى عليها القرارات والسياسات، غير أنّ هذه المساحة، في حالة الـIPCC والـUNFCCC، لم تتحوّل إلى جسر فعّال بل بقيت أرضًا رمادية تفتقد إلى التوقيت المناسب والتنسيق المتين.
ويؤكد ذلك كل من سفانت بودين، رئيس المجلس الاستشاري للمبادرة الدولية للمناخ في المناطق الجليدية، وأوريان جوستافسون، أستاذ العلوم البيئية بجامعة ستوكهولم ورئيس مجلس مؤسسة “فيوتشر إيرث”، اللذين عملا لسنوات طويلة عند تقاطع العلم والدبلوماسية المناخية.
ويشيران في تعليق مشترك بمجلة Nature Climate Change إلى أنّ الفجوة بين المؤسستين تُفقد العالم فرصًا بالغة الأهمية في لحظة لا تحتمل مزيدًا من التباطؤ.

أزمة توقيت وتأخير يعرقل التقدّم
تستغرق تقارير التقييم الرئيسية للـIPCC ما بين خمس إلى سبع سنوات لإعدادها، ما يجعل توقيتها غالبًا غير متزامن مع المحطات الحاسمة في مسار المفاوضات، مثل عملية “الجرد العالمي” التي يجريها الـUNFCCC كل خمس سنوات لتقييم التقدّم المحرز في خفض الانبعاثات وتنفيذ التعهدات.
والنتيجة: العلم يصل متأخرًا عن السياسة، والسياسة تتحرك بلا دليل محدث أو مرجعية متفق عليها، وهذا التباعد يعطل القرارات، ويترك فراغًا تُملؤه الحسابات السياسية أكثر مما تملؤه الحقائق العلمية.
عندما نجح التناغم: تقرير 1.5 درجة
أحد الأمثلة النادرة على انسجام المؤسستين كان التقرير الخاص بآثار الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية، الذي أعدته الـIPCC عام 2018 بطلب مباشر من المفاوضين.
هذا التقرير لم يكن مجرد دراسة علمية، بل تحوّل إلى أداة ضغط سياسي ورأي عام عالمي، ودفع الحكومات والمجتمع المدني لإدراك حجم المخاطر والفارق الهائل بين 1.5 و2 درجة مئوية، لقد أثبت هذا النموذج أن التنسيق المباشر يثمر نتائج عملية وملموسة.

مقارنات ملهمة: مونتريال والتلوث العابر للحدود
المعضلة الحالية ليست قدرًا محتومًا؛ فهناك تجارب دولية ناجحة أظهرت أن العلاقة بين العلم والسياسة يمكن أن تكون أكثر قربًا وفاعلية.
بروتوكول مونتريال لحماية طبقة الأوزون شكّل مثالًا بارزًا، إذ يضم لجنة علمية استشارية داخلية تتفاعل باستمرار مع صانعي القرار وتزوّدهم مباشرة بالمستجدات.
اتفاقية التلوث الجوي بعيد المدى في أوروبا (UNECE CLRTAP) تمتلك هي الأخرى هيئات للرصد والتقييم مدمجة في بنيتها، مثل برنامج الرصد والتقييم الأوروبي (EMEP)، ما جعلها أكثر قدرة على اتخاذ قرارات سريعة ومرتكزة إلى بيانات.
ما الذي يجب فعله؟
يدعو الكاتبان إلى مقاربة جديدة تقوم على خطوتين أساسيتين:
– تحديد الأولويات بوضوح: ينبغي للـUNFCCC أن يراجع بشكل دوري احتياجاته من المعرفة العلمية، وأن يوجّه طلبات محددة للـIPCC لإعداد تقارير أو دراسات متخصصة، مثلما حدث مع تقرير 1.5 درجة.
– آلية مؤسسية دائمة: ضرورة إنشاء منصة أو هيئة داخل الـUNFCCC تعمل كجسر دائم لترجمة المخرجات العلمية للـIPCC إلى سياسات، على أن يشارك المفاوضون في صياغة خطط التقارير منذ مرحلة وضع الخطوط العريضة.
غياب الإرادة السياسية
ورغم أن مثل هذا التنسيق لا يتطلب تغييرات قانونية جذرية، فإن غياب الإرادة السياسية يقف عائقًا أمام تحقيقه.
والمفارقة أن الدول الأعضاء في كل من الـUNFCCC والـIPCC هي نفسها، ومع ذلك تتعامل مع المؤسستين كأنهما عالمين منفصلين.
النتيجة المؤلمة تجلت بوضوح مع تقرير 1.5 درجة، إذ طلبت الاتفاقية التقرير ثم فشلت في “الترحيب” به رسميًا ضمن قراراتها، ما أضعف أثره السياسي رغم قيمته العلمية الفائقة.

سباق مع الزمن
التاريخ يذكّرنا: أول تقرير للـIPCC صدر عام 1990 خلال سنتين فقط من تأسيس الهيئة، وكان كافيًا لإطلاق الاتفاقية الإطارية في قمة ريو 1992.
اليوم، وبعد ثلاثة عقود، بات إنتاج التقارير يستغرق سبعة أعوام كاملة، في وقت لم يعد فيه العالم يملك ترف الانتظار.
وإذا فشلت الهيئة في التوصل إلى اتفاق بشأن موعد التقرير المقبل خلال اجتماعها المرتقب في بيرو أكتوبر المقبل، فإننا سنكون أمام عامين إضافيين من الشلل المؤسسي، في لحظة يتطلب فيها العالم تسريع الخطى نحو خفض الانبعاثات والتحول الطاقي السريع.
خلاصة
ما بين العلم والسياسة يقبع مستقبل الكوكب. وإن ظلّت الـIPCC والـUNFCCC في هذا الانفصال المرهق، فسوف نخسر وقتًا لا نملك، ونضيّع فرصة حاسمة لتوحيد الجهد العالمي في مواجهة أزمة وجودية غير مسبوقة.
المطلوب اليوم ليس مجرد تحسين التنسيق، بل بناء علاقة مؤسسية جديدة قائمة على الثقة والتوقيت المشترك، حتى لا يظل العلم يركض خلف السياسة أو العكس، بينما يركض المناخ باتجاه نقطة اللاعودة.






I was recommended this website by my cousin I am not sure whether this post is written by him as nobody else know such detailed about my trouble You are amazing Thanks