لماذا لا يجوز اختزال جدل علوم المناخ في معركة بين مؤيدي العلم ومعارضيه؟
العلم أم العدالة المناخية؟ جدل متصاعد حول نماذج التخفيف ومسارات خفض الانبعاثات
يتصاعد الجدل داخل الأوساط المعنية بالمناخ والمفاوضات الدولية بشأن طبيعة العلاقة بين العلم والعدالة المناخية، في ظل انتقادات متزايدة لبعض المنهجيات والنماذج المستخدمة في رسم مسارات خفض الانبعاثات عالميًا، وسط تحذيرات من أن اختزال هذا النقاش في مواجهة ثنائية بين “المدافعين عن العلم” و”مهاجميه” قد يؤدي إلى تجاهل قضايا جوهرية تتعلق بالإنصاف وتمثيل دول الجنوب العالمي.
وترى ليدي ناكبيل، منسقة حركة الشعوب الآسيوية حول الديون والتنمية (APMDD)، أن هذا التصوير المبسط للنقاش “غير دقيق وخطير”، لأنه يحول نقاشًا منهجيًا وسياسيًا حقيقيًا إلى صراع قد يزيد الانقسام بدلًا من توضيح القضايا المطروحة.
وتؤكد ناكبيل، أن أحدًا لا يجادل في ضرورة أن يستند العمل المناخي إلى العلم، إذ توضح العلوم المناخية أسباب الأزمة الحالية، وفي مقدمتها التراكم التاريخي للانبعاثات، كما تحدد حجم ميزانية الكربون المتبقية للحفاظ على ارتفاع درجة الحرارة العالمية عند مستويات تتوافق مع أهداف اتفاق باريس، وتحدد مقدار الانخفاض المطلوب في الانبعاثات وسرعته.
كما تلعب العلوم دورًا أساسيًا في تقييم المساهمات التاريخية للدول المختلفة في تراكم غازات الدفيئة في الغلاف الجوي.
لكن تحديد المسؤولية المناخية، بحسب الطرح الوارد في المقال، لا يتعلق فقط بالمساهمات التاريخية في الانبعاثات، وإنما يرتبط أيضًا بالقدرة الاقتصادية على التحرك.
فالدول التي أسهمت بأكبر قدر في الانبعاثات التاريخية راكمت في الوقت نفسه ثروة وقوة اقتصادية هائلة خلال نماذج تنمية اعتمدت بدرجة كبيرة على الوقود الأحفوري.
نماذج IPCC تحت المجهر

في الوقت الراهن، تخضع الافتراضات والأطر المستخدمة في نماذج التقييم المتكاملة (IAMs) التابعة للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) لمراجعة وانتقادات متزايدة، خصوصًا فيما يتعلق بكيفية استخدامها لتوقع السيناريوهات المستقبلية ورسم مسارات التخفيف من الانبعاثات عالميًا.
وتتركز جانب من هذه الانتقادات على قضايا الإنصاف والعدالة، إذ إن العديد من الافتراضات الاقتصادية والتكنولوجية والسياساتية التي تدخل في بناء السيناريوهات لا تمثل حقائق علمية محايدة بالضرورة، وإنما تتضمن اختيارات تتعلق بمعدلات الخصم، والنمو الاقتصادي، والطلب على الطاقة، وتكاليف التكنولوجيا، وأسعار الكربون، واستخدام الأراضي، والتوزيع الجغرافي لجهود خفض الانبعاثات.
وبحسب الطرح، فإن بعض هذه السيناريوهات قد يعيد إنتاج أوجه عدم المساواة القائمة عالميًا بدلًا من معالجتها، ما يثير أسئلة بشأن مدى الشفافية والتمثيل والتنوع في عملية إنتاج المعرفة العلمية المستخدمة لتوجيه السياسات المناخية.
وتعتمد غالبية سيناريوهات نماذج التقييم المتكاملة بدرجة كبيرة على مفهوم الكفاءة الاقتصادية العالمية، بحيث يتم توجيه تخفيضات الانبعاثات إلى الأماكن التي تظهر النماذج أن خفضها سيكون أقل تكلفة، بدلًا من توزيع أعباء التخفيف وفقًا لعوامل تشمل المسؤولية التاريخية، والقدرة الاقتصادية، واحتياجات التنمية.
ويرى منتقدون، أن هذا النهج قد يسمح للدول المتقدمة بالحفاظ على مستويات مرتفعة نسبيًا من استهلاك الطاقة والوقود الأحفوري، في الوقت الذي تتحمل فيه الدول النامية أعباء كبيرة في خفض الانبعاثات أو تنفيذ عمليات إزالة الكربون، بما في ذلك إجراءات تعتمد على الأراضي وقد تؤثر في الأمن الغذائي والتنمية المحلية.
تكلفة التمويل تعقّد التحول في دول الجنوب

وتبرز تكلفة رأس المال باعتبارها أحد العوامل التي تقول الانتقادات إنها لا تحظى بالقدر الكافي من الاهتمام في بعض السيناريوهات.
فالنماذج التي تنطلق من افتراضات بشأن توافر التمويل الرخيص على نطاق واسع قد لا تعكس الواقع الاقتصادي للعديد من دول الجنوب العالمي، التي تواجه تكاليف رأسمال أعلى بكثير، وهو ما يزيد تكلفة التحول السريع في البنية التحتية والطاقة.
كما أن القيود المفروضة على السيناريوهات يمكن أن تحد من المساحة المتاحة أمام الدول الأكثر فقرًا لتحقيق احتياجاتها التنموية، خصوصًا عندما لا تكون هناك ضمانات كافية لتوفير التمويل المناخي اللازم.
وعندما تتعامل النماذج مع أوضاع البداية شديدة التفاوت بين الدول باعتبارها نقاط انطلاق متساوية، فإن مسارات السياسات الناتجة عنها قد تؤدي، وفقًا للنقد المطروح، إلى تثبيت أوجه عدم المساواة العالمية تحت غطاء “الموضوعية العلمية”.
وتؤكد ناكبيل أن الإشارة إلى هذه الاختلالات الهيكلية لا تعني رفض العلم، بل تمثل شكلًا من أشكال التدقيق العلمي الضروري لتحسين النتائج وجعلها أكثر عدالة وقابلية للتطبيق.
التوافق مع 1.5 درجة مئوية لا يعني بالضرورة العدالة
ويتمثل جوهر الخلاف، وفق هذا الطرح، في كيفية الوصول إلى أهداف اتفاق باريس، وليس في رفض هدف الحد من ارتفاع درجة الحرارة.
فقد يكون أحد المسارات متوافقًا من الناحية التقنية مع الحد من الاحترار عند 1.5 أو درجتين مئويتين، لكنه قد يوزع أعباء استهلاك الطاقة وخفض الانبعاثات بطريقة غير متساوية بين الدول والمجتمعات.
وبالتالي، فإن توافق المسار مع هدف درجة الحرارة لا يعني بالضرورة أنه عادل من حيث توزيع أعباء التحول المناخي أو فرص التنمية.
ومن هذا المنظور، فإن انتقاد نماذج التقييم المتكاملة على أساس العدالة لا يُعد هجومًا على الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أو على العلم، بل يمكن اعتباره جزءًا من التدقيق في التقارير العلمية وافتراضاتها وعمليات إعدادها، وهو ما يتوافق مع مبدأ المراجعة والنقد العلمي.
خلافات حول الجدول الزمني لتقرير التقييم السابع
وتوجد قضية أخرى مرتبطة بهذا النقاش، تتمثل في الجدول الزمني لدورة تقرير التقييم السابع للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ AR7.
وتدعو بعض الحكومات وأطراف من المجتمع المدني إلى استكمال تقارير مجموعات العمل التابعة للهيئة بحيث تكون جاهزة للإسهام بصورة مباشرة في التقييم العالمي الثاني لاتفاق باريس عام 2028.
ويستند هذا الموقف إلى حاجة صانعي السياسات إلى أحدث المعارف العلمية في الوقت المناسب، لكن عددًا من المفاوضين والباحثين من الدول النامية حذروا من أن تسريع الجدول الزمني قد يضعف مشاركة دول الجنوب العالمي في عملية إنتاج المعرفة العلمية.
ولا يزال الباحثون والمؤسسات العلمية في دول الشمال العالمي ممثلين بصورة أكبر في قاعدة الأبحاث التي تستند إليها تقييمات نماذج التقييم المتكاملة، بينما يعمل العديد من الباحثين في الدول النامية في ظل موارد مؤسسية وميزانيات بحثية ودعم إداري أقل.
وقد تؤدي جداول النشر والتقييم السريعة إلى تضييق الوقت المتاح أمام هؤلاء الباحثين لإنتاج الدراسات وتقديمها ومراجعة أبحاث الآخرين، وبالتالي تقليص فرص إدراج مساهماتهم في التقييمات العلمية الدولية.
ومن ثم، فإن الخلاف بشأن الجدول الزمني لتقرير AR7 يرتبط أيضًا بقضايا الشمول والتمثيل والإنصاف، إذ إن مطالبة الهيئة بالالتزام بمواعيد سياسية ضيقة دون توفير دعم كافٍ ومشاركة حقيقية للباحثين من الدول النامية قد تعيد إنتاج أوجه عدم المساواة التي يحاول النقاش المناخي معالجتها.
العلم والعدالة.. مساران متكاملان
جدل حول نماذج المناخ ومسارات خفض الانبعاثات ودور العدالة والتمثيل الاقتصادي لدول الجنوب العالمي في تحقيق أهداف اتفاق باريس.
ويشير الطرح إلى أن المصالح السياسية موجودة بالفعل في مفاوضات اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وأن من الضروري الكشف عنها، خصوصًا عندما تسعى أطراف إلى تجنب التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري أو الالتفاف على التزامات تمويل المناخ.
لكن في المقابل، فإن وضع جميع الانتقادات التي يطرحها باحثون من دول الجنوب العالمي ومنظمات مجتمع مدني بشأن التمثيل والافتراضات الاقتصادية وحسابات “الحصة العادلة” في خانة عرقلة العمل المناخي، قد يؤدي إلى تشويه طبيعة هذه الانتقادات وتقويض شرعيتها العلمية.
ويخلص الطرح إلى أن تحقيق أهداف اتفاق باريس يحتاج إلى علوم مناخية قوية تأخذ في الاعتبار تجارب دول الجنوب العالمي وواقعها الاقتصادي وإسهامات باحثيها الأكاديمية.
كما أن العمل المناخي الفعال يتطلب تعاونًا دوليًا مستدامًا، بينما يمثل الإنصاف أحد العوامل الأساسية لاستمرار هذا التعاون.
وبذلك، فإن النقاش لا يفرض الاختيار بين العلم والعدالة، وإنما يطرح الحاجة إلى دمجهما في صياغة السياسات والمسارات العالمية للتحول المناخي.





