لم يكن إنقاذ النظام المصرفي العالمي بعد انهيار بنك «ليمان براذرز» عام 2008 مجرد استجابة لأزمة مالية طارئة، بل كشف قدرة القوى الاقتصادية الكبرى على تنسيق قرارات واسعة النطاق عندما تصبح مصالحها المشتركة مهددة. لكن هذه القدرة تبدو أقل وضوحًا في مواجهة تغير المناخ، رغم اتساع مخاطره الاقتصادية والاجتماعية.
وتطرح قراءة تحليلية نشرها موقع «جرين سنترال بانكينج» في سبتمبر 2026 سؤالًا جوهريًا: لماذا استطاعت مجموعة العشرين تنسيق استجابة مالية غير مسبوقة لإنقاذ البنوك، بينما تعثرت جهودها في بناء تحرك مناخي عالمي بالزخم نفسه؟
ويربط المقال، الذي كتبه بيتر ماكيلوب، بين هذا التباين وتضارب المصالح الاقتصادية، ونفوذ صناعة النفط والغاز والفحم، وتراجع الدعم السياسي لبعض السياسات المناخية، ولا سيما في الولايات المتحدة.
من انهيار ليمان براذرز إلى تعبئة تريليونات الدولارات
في عام 2008، أدى انهيار بنك ليمان براذرز الاستثماري إلى تصعيد الأزمة المالية العالمية، وتهديد استقرار النظام المصرفي والاقتصاد الحقيقي في دول عديدة.
وجاء الرد عبر مجموعة العشرين، التي تمثل اقتصاداتها مجتمعة نحو 85% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، إذ نسقت الاقتصادات الكبرى حزمة واسعة من الإجراءات لمواجهة الأزمة واستعادة الثقة في الأسواق.
وبحسب المقال، جرى تنسيق تحفيز مالي بلغ نحو 5 تريليونات دولار، إلى جانب الالتزام بتوفير تريليون دولار من الموارد الجديدة لصندوق النقد الدولي، وتسريع إقراض الدول الأكثر فقرًا بنحو 100 مليار دولار.
كما تطور منتدى الاستقرار المالي إلى مجلس الاستقرار المالي، بهدف تعزيز الرقابة على النظام المالي ورصد المخاطر التي قد تهدد استقراره مستقبلًا.
ولم تكن هذه الإجراءات معاهدة دولية ملزمة، فمجموعة العشرين لا تمتلك سلطة تنفيذية تفرض قراراتها على الدول، لكنها استطاعت استخدام ثقل أعضائها الاقتصادي والسياسي لتنسيق استجابة مشتركة.
ومن هنا، رأى المدافعون عن العمل المناخي أن المجموعة يمكن أن تصبح منصة مماثلة لتعبئة الموارد وتغيير السياسات، بما يتناسب مع حجم التهديد الذي يمثله الاحتباس الحراري.
هيوستن.. انتكاسة لأجندة التحول في الطاقة
لكن الآمال في تحقيق تقدم مماثل تعرضت لانتكاسة، وفقًا للمقال، خلال اجتماع وزراء الطاقة لمجموعة العشرين في مدينة هيوستن الأمريكية في سبتمبر 2026.
ويشير الكاتب إلى أن لي زيلدين، رئيس وكالة حماية البيئة الأمريكية، أعلن إلغاء معايير للحد من انبعاثات الكربون من محطات الكهرباء العاملة بالفحم والغاز، كانت قد أقرت في عهد إدارة جو بايدن.
وتشير تقديرات أوردها المقال إلى أن التراجعات الأمريكية في سياسات المناخ قد تضيف نحو مليار طن من الكربون إلى الغلاف الجوي مقارنة بالمسارات التي كانت ستتحقق في ظل سياسات أكثر تشددًا. ويظل هذا الرقم تقديرًا مرتبطًا بالسيناريوهات والسياسات المفترضة، وليس كمية انبعاثات تحققت بالفعل.
كما يرصد المقال تراجع استخدام مصطلحات مثل «التحول في الطاقة» و«إزالة الكربون» في الخطاب المرتبط باجتماعات المجموعة، مقابل التركيز على مفاهيم مثل وفرة الطاقة والحياد التكنولوجي وتعدد مصادر الإمداد، وهي مفاهيم يرى الكاتب أنها تتسق مع أولويات قطاع الوقود الأحفوري.
ويعرض المقال هذه التطورات باعتبارها جزءًا من مسار أوسع لتراجع الاهتمام المناخي في بعض المحافل الاقتصادية الدولية، بما في ذلك اجتماعات وزراء المالية وبعض أعمال مجلس الاستقرار المالي.
لماذا أمكن إنقاذ البنوك بينما تتعثر سياسات المناخ؟
يرى ماكيلوب أن الفارق الأساسي يكمن في طبيعة المصالح الاقتصادية التي كانت على المحك.
فعندما انهار ليمان براذرز، أصبح إنقاذ النظام المالي ضرورة حتى تستمر المدفوعات والإقراض والاستثمارات، وتُحدّ من الخسائر التي يمكن أن تطال الشركات والأسر والاقتصادات بأكملها.
وبذلك، كان تشديد القواعد المصرفية جزءًا من عملية إنقاذ النظام نفسه. ورغم اعتراض بعض المؤسسات المالية على القيود الجديدة، فإن استعادة الاستقرار كانت تصب في مصلحتها المباشرة.
أما التحول بعيدًا عن الفحم والنفط والغاز، فيفرض تحديات مختلفة على الشركات والدول التي تعتمد إيراداتها أو وظائفها أو أمنها الطاقي على هذه الموارد. فالسياسات المناخية قد تعيد توزيع الاستثمارات والتكاليف والمكاسب، وتحد من بعض الأنشطة الاقتصادية القائمة.
وبحسب المقال، لم يتحول الدعم السياسي المعلن للعمل المناخي إلى التزامات محلية قوية بما يكفي، كما ظلت مبادرات عديدة قائمة على التعهدات الطوعية بدلًا من القواعد الملزمة وآليات المساءلة.
ويستشهد الكاتب بتراجع تحالف مصرفي دولي كان يهدف إلى مواءمة أنشطة البنوك مع أهداف صافي الانبعاثات الصفري، بعد انسحاب مؤسسات مشاركة وسط ضغوط سياسية وانتقادات متزايدة.
وتكشف هذه المقارنة عن مشكلة أعمق: لا يكفي أن تتفق الحكومات على أهمية مواجهة أزمة عالمية، إذا ظلت السياسات اللازمة لمعالجتها تصطدم بمصالح اقتصادية منظمة تمتلك القدرة على التأثير في القرار العام.
نفوذ الوقود الأحفوري.. مليارات للضغط وحماية المصالح
يمنح المقال مساحة كبيرة لتأثير جماعات الضغط المرتبطة بصناعة النفط والغاز في السياسات الأمريكية والدولية.
ووفقًا للبيانات التي يستشهد بها من منظمة «أوبن سيكرتس»، أنفق قطاع النفط والغاز نحو 1.2 إلى 1.5 مليار دولار على أنشطة الضغط السياسي الفيدرالي في الولايات المتحدة خلال الفترة من 2015 إلى 2025.
كما يشير إلى تقديرات «إنرجي بوليسي تراكر» التي تضع الدعم المالي العام للوقود الأحفوري في دول مجموعة العشرين عند نحو 1.4 تريليون دولار سنويًا، شاملاً أشكالًا متعددة من الدعم، مثل الإعانات والاستثمارات التي تنفذها الشركات المملوكة للدولة والتمويل العام.
وهذه الأرقام لا تعني أن جميع أشكال الدعم متطابقة أو أن كل إنفاق عام يمثل إعانة مباشرة، لكنها توضح حجم الموارد المالية المرتبطة باستمرار منظومة الطاقة التقليدية.
ويجادل الكاتب بأن هذا الواقع يجعل خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري أكثر تعقيدًا من مجرد الاتفاق على أهداف لخفض الانبعاثات؛ فالمعركة تشمل أيضًا إعادة توجيه التمويل والاستثمارات، ومراجعة الدعم الحكومي، وتغيير الحوافز التي تحدد قرارات الإنتاج والاستهلاك.
هل فقدت مجموعة العشرين قدرتها على قيادة العمل المناخي؟
لا يدعو المقال إلى التخلي عن مجموعة العشرين، لكنه يحذر من الاعتماد عليها باعتبارها المحرك الرئيسي للتحول المناخي.
فالتجربة، بحسب الكاتب، أظهرت أن المبادرات الطوعية والبيانات الختامية وحدها لا تضمن تنفيذ السياسات، خصوصًا عندما تتغير الأولويات السياسية أو تتصاعد الضغوط من القطاعات المتضررة من التحول.
وفي المقابل، يلفت إلى استمرار التمويل المناخي من المؤسسات الخيرية والمبادرات المحلية، مشيرًا إلى تقرير «كلايمت ووركس» الذي قدر تمويل العمل الخيري المخصص للتخفيف من تغير المناخ بنحو 11.7 إلى 18.4 مليار دولار في عام 2024، مع وصول تمويل المؤسسات إلى نحو 6 مليارات دولار.
ويؤكد هذا المسار أن العمل المناخي لا يتوقف بالكامل على التوافق بين أكبر الاقتصادات؛ إذ يمكن للمدن والحكومات المحلية والمؤسسات المالية والمجتمع المدني والشركات أن تدفع حلولًا عملية في مجالات الطاقة النظيفة وكفاءة استخدام الطاقة والتمويل المستدام.
لكن هذه الجهود لا تعوض وحدها الحاجة إلى التعاون الدولي، خصوصًا أن الانبعاثات تتجاوز الحدود الوطنية، وأن الدول تختلف في قدراتها المالية ومسؤولياتها التاريخية واحتياجاتها التنموية.
ما الذي تحتاجه مواجهة المناخ الآن؟
تتمثل الدروس الأساسية في ضرورة الانتقال من التعهدات السياسية العامة إلى إجراءات قابلة للقياس والمساءلة، مع توجيه التمويل نحو البدائل منخفضة الانبعاثات وتقليل الحوافز التي تشجع استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري.
كما يتطلب التحول حماية المجتمعات والعمال المتأثرين بتغيير أنماط الإنتاج، وتوفير بدائل موثوقة وميسورة التكلفة للطاقة، حتى لا تتحول السياسات المناخية إلى عبء غير متكافئ على الأسر الأقل دخلًا.
ويمكن أن تلعب المبادرات المحلية والإقليمية دورًا مهمًا في استمرار العمل، من خلال دعم مشروعات الطاقة المتجددة، وتوسيع التمويل الأخضر، وتعزيز الرقابة على الشركات، وربط خفض الانبعاثات بمنافع مباشرة مثل خفض فواتير الطاقة وتحسين الصحة وخلق فرص العمل.
أزمة المناخ تحتاج إلى إرادة سياسية بحجم الخطر
تقدم تجربة عام 2008 دليلًا على أن الاقتصادات الكبرى قادرة على تنسيق استجابة سريعة عندما ترى أن استقرار النظام الذي تعتمد عليه مهدد. لكن أزمة المناخ تكشف أن الاعتراف بالخطر لا يكفي وحده لتوحيد المصالح أو تجاوز الضغوط السياسية والاقتصادية.
والتحدي الحقيقي ليس فقط في حشد الأموال والتكنولوجيا، بل في بناء قواعد وسياسات تجعل خفض الانبعاثات خيارًا اقتصاديًا مستدامًا، بدلًا من تركه رهينة لتغير الإدارات الحكومية أو مقاومة القطاعات المستفيدة من استمرار الوضع القائم.
والخلاصة التي يطرحها المقال واضحة: لا ينبغي أن يتوقف العمل المناخي انتظارًا لبيان جديد من مجموعة العشرين. فكلما تعثر التنسيق الدولي، ازدادت أهمية المبادرات الوطنية والمحلية، مع استمرار الضغط من أجل تعاون عالمي قادر على التعامل مع أزمة لا تستطيع أي دولة حلها بمفردها.
