كيف تواجه المدن تهديدات المناخ على صحة سكانها؟ حلول بسيطة تنقذ 725 ألف حياة سنويًا
من الطلاء الأبيض للأسطح إلى زراعة الأشجار.. خطط لخفض الوفيات الحرارية
في المدن الكبرى، عندما تشرق الشمس، ترتفع درجات الحرارة بشكل غير متناسب.
فالشوارع المزدحمة والمباني المتلاصقة تخلق ما يُعرف بظاهرة “الجزيرة الحرارية الحضرية”، التي تجعل المدن أكثر سخونة من محيطها الريفي بما يصل إلى 5 درجات مئوية.
ومع أن تشغيل أجهزة التكييف يبدو حلًا، إلا أنه يفاقم المشكلة، إذ ينقل الهواء الساخن من الداخل إلى الخارج، مما يزيد من حرارة الشوارع. وهذه ليست مشكلة فحسب، بل تحدٍ تواجهه معظم المدن حول العالم، مرشح للتفاقم مع تغير المناخ.
ووفقًا للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، فقد شهد العالم الأعوام العشرة الأشد حرارة في التاريخ الحديث، ولا مؤشرات على التراجع.
فالتغير المناخي غير المنضبط يواصل التأثير على الكوكب وصحة البشر على حد سواء.
ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بزيادة الأمراض غير السارية مثل السكتات الدماغية وأمراض القلب، كما يسمح بانتشار البعوض الحامل للملاريا إلى مناطق جديدة، ويزيد من احتمالات تفشي الكوليرا والدوسنتاريا مع تزايد الفيضانات، فيما تضاعف موجات الحر تأثيرات التلوث الهوائي المسبب لأمراض تنفسية مثل الربو والتهاب الشعب الهوائية.
الوفيات الناجمة عن الحرارة في المدن سترتفع 45%
هذه التهديدات الصحية المناخية ستُحس بها المدن بشكل أكبر، إذ يعيش أكثر من نصف سكان العالم اليوم في المدن، ويتوقع أن تبلغ نسبتهم 70% بحلول عام 2050.
وتشير التقديرات إلى أن الوفيات الناجمة عن الحرارة في المدن سترتفع بنسبة 45% بحلول 2030 مقارنة بعام 2021، فيما سيرتفع عبء الوفيات المرتبطة بالإجهاد الحراري والتلوث الهوائي بأكثر من 20%، وهو ما يتجاوز عبء جميع أنواع السرطان مجتمعة.

حلول بسيطة
لكن هناك حلول، فبينما يبقى الهدف النهائي، هو التصدي لتغير المناخ، يمكن للمدن أن تتبنى إجراءات بسيطة وبتكلفة منخفضة لتخفيف أثره الصحي.
وترى شركة “بوبا” أن الوقاية الإيجابية هي مفتاح المواجهة: تقليل التأثير المباشر لتغير المناخ على صحة الناس وتحسين صحتهم العامة، بما يعزز قدرتهم على التكيف والعيش حياة أطول وأكثر صحة وسعادة.
ولهذا السبب، انضمت “بوبا” إلى “مبادرة الأسواق المستدامة” من خلال “فريق عمل النظم الصحية”، وهو تحالف عالمي يضم شركات وأكاديميين ملتزمين بتعزيز مرونة المدن عبر الصحة العامة والوقاية.
وأكد تقريره الأول، بعنوان “قوة الوقاية لدعم الصحة في مناخ متغير”، أن التدابير منخفضة التكلفة ومرتفعة الأثر، إذا نُفذت بتعاون بين مقدمي الرعاية الصحية وقادة المدن والقطاع الخاص، يمكن أن تحول النظم الصحية بالكامل وتنقذ 725 ألف حياة سنويًا.

ومن بين أبرز هذه الإجراءات:
– التشجير الحضري: إضافة مساحات خضراء من الحدائق إلى الجدران المزروعة، حيث تمتص الأشجار الإشعاع الشمسي وتبرد الهواء عبر التبخر، فضلًا عن تنقية الجو من بعض الملوثات.
– الأسطح البيضاء أو العاكسة: طلاء الأسطح بلون فاتح أو مادة عاكسة يقلل من امتصاص الحرارة، مما يخفض درجة حرارة المباني والأحياء.
– النقل النشط: تشجيع المشي وركوب الدراجات يقلل من الانبعاثات الناجمة عن السيارات، ويخفض التلوث والحرارة، وتُظهر التقديرات أن هذه الإجراءات مجتمعة يمكن أن تقلل الوفيات المرتبطة بالمناخ بنسبة تصل إلى 13%.
كما أن تحسين الصحة العامة للسكان يُعد درعًا وقائيًا، فالأشخاص الأكثر صحة هم الأقدر على مقاومة آثار تغير المناخ مثل الإجهاد الحراري والأمراض المعدية، وهو ما يخفف الضغط على الأنظمة الصحية ويزيد من قدرتها على التعامل مع الطوارئ.
على صعيد أساسي، يبقى تحسين مياه الشرب والصرف الصحي والنظافة الحضرية خطوة محورية. فمع النمو السريع للمدن، غالبًا ما تتجاوز احتياجات السكان قدرة البنية التحتية.
وتُظهر الأبحاث أن الحلول البسيطة، مثل فلاتر المياه السيراميكية، يمكن أن تمنع 109 آلاف وفاة سنويًا بحلول 2030، بينما يمكن لتوسيع خدمات الصرف والنفايات إنقاذ 57 ألف شخص إضافي سنويًا.
وبجانب ذلك، يحتاج السكان إلى التوعية والتمكين لبناء عادات صحية أفضل، فعلى الرغم من أن المدن ترتبط غالبًا بنمط حياة أقل صحة، إلا أنها تمنح أيضًا فرصًا أكبر لتعزيز العادات الصحية عبر تخطيط حضري مشجع على النشاط البدني، وحملات فحص وتطعيم شاملة، وهو ما قد يمنع 131 ألف وفاة إضافية سنويًا.
أما عند وقوع الكوارث المناخية، فإن الوعي المسبق والاستعداد المجتمعي والأنظمة التحذيرية المبكرة تمكّن السكان وأجهزة الطوارئ من الاستجابة بفاعلية أكبر، سواء عبر تعزيز دفاعات الأنهار أو مجرد اتخاذ تدابير بسيطة مثل البقاء بعيدًا عن أشعة الشمس المباشرة.
ويؤكد الرئيس التنفيذي لشركة بوبا، إيناكي إرينيو: “من خلال إعادة تخيل المدن بوضع الصحة في صميمها، وبالتعاون مع الشركاء، يمكننا مساعدة الناس على العيش حياة أكثر صحة، وتقليل الفجوات الصحية، وبناء نظم رعاية صحية أكثر مرونة واستدامة.”
ويأتي ذلك ضمن برنامج “Healthy Cities” العالمي من “بوبا”، الذي يهدف لإلهام سكان المدن لاتباع أنماط حياة صحية، وفي الوقت نفسه إعادة تأهيل المساحات الحضرية عبر شراكات مجتمعية تشمل إعادة التشجير، واستصلاح الأراضي الرطبة، وزراعة الأشجار، وتجديد السواحل في 68 مدينة حول العالم.
كما تدعم الشركة عبر شراكتها مع “مؤسسة نورمان فوستر” تدريب جيل جديد من القادة الحضريين على تصميم مدن أكثر صحة ووعيًا بيئيًا.
وبينما يبقى التصدي للتغير المناخي أولوية قصوى، فإن الاستعداد لمواجهة آثاره الصحية ضرورة عاجلة، وفرصة في الوقت نفسه لبناء مجتمعات حضرية أكثر صحة ومرونة.






I hadn’t considered this angle before. It’s refreshing!