تتزايد التحذيرات العلمية من أن العالم قد يواجه كوارث مناخية أشد مما اعتادت المجتمعات التعامل معه، مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتفاقم الظروف التي تزيد مخاطر موجات الحر والجفاف والأمطار الغزيرة والحرائق واسعة النطاق.
ولا تعني هذه التحذيرات أن العلماء يستطيعون تحديد موعد الكارثة المقبلة أو مكانها بدقة، لكنها تشير إلى أن الاحترار العالمي يغيّر احتمالات وقوع بعض الظواهر المتطرفة وشدتها، ويزيد الحاجة إلى الاستعداد لسيناريوهات كانت تبدو استثنائية في الماضي.
وبحسب تقرير نشره موقع «فوتورا ساينس» في 10 أكتوبر 2026، فإن التحدي لا يقتصر على الكوارث التي وقعت بالفعل، بل يشمل أيضًا احتمال تعرض بعض المناطق لأحداث تتجاوز خبراتها السابقة وقدراتها الحالية على الاستجابة.
ارتفاع حرارة الأرض يزيد مخاطر الظواهر المتطرفة
ارتفع متوسط درجة حرارة سطح الأرض عالميًا خلال عام 2025 بنحو 1.44 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، وفق الرقم الذي أورده التقرير.
ويؤدي الاحترار إلى تغيير الظروف التي تتشكل فيها الظواهر الجوية المتطرفة. فارتفاع الحرارة يزيد شدة موجات الحر في كثير من المناطق، كما يمكن أن يعزز قدرة الغلاف الجوي على الاحتفاظ ببخار الماء، بما يؤثر في شدة الأمطار الغزيرة عند توافر الظروف الجوية المناسبة.
وفي مناطق أخرى، قد يؤدي ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط هطول الأمطار إلى زيادة الجفاف ومخاطر الحرائق، وإن كانت الحرائق تتأثر أيضًا بعوامل مثل إدارة الغابات، والغطاء النباتي، والرياح، ومصادر الاشتعال.
وتختلف التأثيرات من منطقة إلى أخرى؛ لذلك لا يمكن اعتبار كل موجة حر أو فيضان أو حريق نتيجة مباشرة لتغير المناخ وحده. لكن الأدلة العلمية توضح أن الاحترار البشري المنشأ يرفع مخاطر عدد من أنواع الظواهر المتطرفة، ويجعل بعضها أشد أو أكثر احتمالًا.
من حرائق أستراليا إلى فيضانات باكستان
شهد العالم خلال السنوات الماضية كوارث كشفت حجم الأضرار التي يمكن أن تنتج عن تفاعل الظروف المناخية القاسية مع تعرض السكان والبنية التحتية للخطر.
فخلال موسم الحرائق الأسترالي 2019-2020، المعروف باسم «الصيف الأسود»، احترقت مساحات شاسعة قُدرت بنحو 19 مليون هكتار في أحد التقديرات التي أوردها التقرير، مخلفة أضرارًا بيئية واسعة وخسائر بشرية واقتصادية.
وفي عام 2022، تسببت الفيضانات المدمرة في باكستان في غمر مساحات واسعة من البلاد، وألحقت أضرارًا بالمنازل والطرق والمحاصيل ومصادر الرزق.
أما في عام 2024، فقد شهدت الولايات المتحدة إعصاري هيلين وميلتون، اللذين تسببا في أضرار كبيرة في مناطق من جنوب شرق البلاد.
ولا تتشابه هذه الكوارث في أسبابها أو آليات حدوثها، لكنها توضح كيف يمكن للأحداث المتطرفة أن تتحول إلى أزمات واسعة عندما تضرب مناطق مأهولة أو بنية تحتية معرضة للخطر.
الخطر الأكبر: أحداث تتجاوز حسابات الاستعداد
يصعب التنبؤ بموعد وقوع حدث مناخي استثنائي أو تحديد حجمه بدقة قبل حدوثه. لكن علماء المناخ يحذرون من أن تغير الظروف المناخية قد يجعل بعض السيناريوهات المتطرفة أكثر احتمالًا مما كان يُعتقد سابقًا.
ويشير التقرير إلى مخاوف من حرائق واسعة النطاق في أجزاء من أوروبا الأكثر تعرضًا للحرارة والجفاف، في ظل تداخل الظروف الجوية مع خصائص الغطاء النباتي وإدارة الأراضي.
وتبرز هنا أهمية الاستعداد لما يتجاوز السيناريوهات المعتادة، بدلًا من بناء خطط الطوارئ على افتراض أن المستقبل سيكرر بالضرورة ما حدث في الماضي.
فموجة حر متزامنة مع انقطاع الكهرباء، على سبيل المثال، قد تتحول إلى أزمة صحية واسعة، خصوصًا عندما تتعطل أجهزة التبريد وتتعرض المستشفيات وشبكات المياه والخدمات الأساسية لضغوط متزامنة.
وقد تناول الكاتب والروائي كيم ستانلي روبنسون هذا السيناريو في روايته «وزارة المستقبل»، التي تتخيل موجة حر شديدة في الهند تتزامن مع انقطاع الكهرباء وتؤدي إلى وفيات جماعية. ويستشهد التقرير بالرواية لتوضيح حجم المخاطر التي يمكن أن تنشأ من تفاعل الأخطار المناخية مع ضعف البنية التحتية، لا باعتبار أحداثها تنبؤًا علميًا مؤكدًا.
عندما يصبح الاستثناء أمرًا معتادًا
من المخاطر التي يثيرها العلماء ما يُعرف بإرهاق الكوارث أو الإرهاق المناخي؛ أي أن يؤدي تكرار الأخبار عن درجات الحرارة القياسية والحرائق والفيضانات إلى تراجع استجابة الجمهور وصناع القرار، بدلًا من زيادة الاستعداد.
وقد يؤدي تكرار الأحداث المتطرفة إلى جعل المجتمعات تتعامل معها باعتبارها جزءًا طبيعيًا من الحياة، رغم أن تواترها أو شدتها قد يعكسان تغيرًا خطيرًا في الظروف المناخية.
وهذا الاعتياد قد يضعف الضغط من أجل الاستثمار في الوقاية، ويؤخر تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتقوية شبكات الكهرباء والمياه، وتحسين تخطيط المدن، وحماية الفئات الأكثر تعرضًا للحرارة والفيضانات.
لذلك، لا تتمثل المشكلة في الخطر المادي وحده، بل أيضًا في قدرة المجتمعات على إدراك تغير مستوى المخاطر والتصرف بناءً عليه.
لماذا لن تختفي الكوارث فور خفض الانبعاثات؟
حتى لو خفض العالم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بسرعة، فلن تختفي آثار الاحترار المتراكم بين ليلة وضحاها.
فثاني أكسيد الكربون يبقى جزء منه في النظام المناخي لفترات طويلة قد تمتد إلى قرون أو أكثر، ما يعني أن بعض آثار الانبعاثات السابقة ستستمر، حتى مع تحقيق تخفيضات كبيرة في الانبعاثات المستقبلية.
لكن ذلك لا يعني أن خفض الانبعاثات فقد أهميته؛ فعلى العكس، فإن تقليل الاحترار الإضافي يحد من تفاقم المخاطر على المدى الطويل، بينما تساعد إجراءات التكيف على حماية السكان والبنية التحتية من الأخطار التي أصبحت قائمة بالفعل.
وتتطلب الاستجابة مسارين متوازيين: خفض الانبعاثات للحد من الاحترار المستقبلي، والتكيف مع آثاره عبر تحسين الاستعداد للكوارث وحماية الموارد والخدمات الأساسية.
تجاوز الأرقام القياسية ليس مستحيلًا.. لكنه ليس تنبؤًا بكل كارثة
يستشهد التقرير بتجاوز المملكة المتحدة عتبة 40 درجة مئوية في عام 2022، رغم أن تقييمًا مناخيًا بريطانيًا في يناير من ذلك العام كان قدّر احتمال بلوغ هذه العتبة قبل 2040 بنحو 0.02%، وفق ما ورد في المادة الأصلية.
وتوضح هذه الواقعة أهمية مراجعة تقديرات المخاطر باستمرار مع تحسن البيانات والنماذج العلمية. لكنها لا تعني أن كل سيناريو متطرف سيقع، أو أن التقديرات العلمية أصبحت بلا قيمة؛ فالاحتمالات تعتمد على تعريف الحدث والفترة الزمنية والافتراضات المستخدمة في الحساب.
وتدعو مثل هذه الحالات إلى التعامل بجدية مع السيناريوهات شديدة الخطورة، حتى عندما تكون احتمالاتها المقدرة منخفضة، خصوصًا إذا كانت عواقبها المحتملة جسيمة.
الاستعداد للكوارث لم يعد خيارًا مؤجلًا
تفرض المخاطر المناخية المتصاعدة على الحكومات الاستثمار في الإنذار المبكر، وخطط التعامل مع موجات الحر، وحماية شبكات الكهرباء والمياه، وتحسين تصريف مياه الأمطار، وإدارة الغابات والغطاء النباتي، وتعزيز قدرة المستشفيات وخدمات الطوارئ على العمل أثناء الكوارث.
كما تحتاج المدن إلى خطط تراعي الفئات الأكثر هشاشة، مثل كبار السن والمرضى والعاملين في الهواء الطلق والأسر التي لا تستطيع تحمل تكاليف التبريد أو الانتقال إلى أماكن آمنة.
الخلاصة: لا يستطيع العلماء الجزم بموعد الكارثة المناخية الكبرى المقبلة أو تفاصيلها، لكن استمرار الاحترار يرفع مخاطر عدد من الظواهر المتطرفة. والتحدي الحقيقي هو ألا تنتظر المجتمعات وقوع حدث غير مسبوق حتى تدرك أن خطط الاستعداد التقليدية قد لا تكون كافية.
