الاقتصاد الأخضرتغير المناخ

بيانات الصيد تتنبأ بموجات الحر البحرية قبل العلماء.. قوارب الصيد نظام إنذار مبكر

من البحر إلى الأقمار الصناعية.. أساطيل الصيد تفضح آثار موجات الحر البحرية

تتغير المحيطات بسرعة تحت ضغط تغير المناخ، إذ تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى تغيير مواقع تجمعات الأسماك قبل أن يلاحظ العلماء أو صناع القرار هذه التحولات.

ومع اتساع المساحات البحرية، تظل المراقبة المباشرة مكلفة وصعبة التنفيذ.

لكن قوارب الصيد تجوب مساحات شاسعة من المحيطات يوميًا بحثًا عن الأسماك، ما يجعل بيانات نشاطها مصدرًا غنيًا يكشف التغيرات الخفية في الحياة البحرية.

وتُظهر دراسة جديدة أجرتها جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز كيف يمكن لأساطيل الصيد أن تعمل كنظم إنذار مبكر للتغيرات البيئية الناتجة عن تغير المناخ.

قوارب الصيد نظام إنذار مبكر

قوارب الصيد تكشف تحولات المحيط

لطالما اعتمد العلماء على الأقمار الصناعية ونماذج المحيط وخرائط درجات الحرارة لرصد التغيرات البيئية، لكن الأدوات التي تتابع استجابة الكائنات البحرية نفسها تظل محدودة.

توضح الدراسة الجديدة أن أساطيل الصيد تسد هذه الفجوة، إذ يعتمد نجاح الصيد على العثور على الأنواع المستهدفة، ومع تحرك الأسماك تتغير أنماط الصيد تبعًا لذلك.

واعتمد الباحثون على بيانات نظام مراقبة السفن (Vessel Monitoring System – VMS)، الذي تستخدمه الحكومات بالفعل لتتبع مواقع الصيد وتطبيق القوانين.

يرسل كل مركب صيد إشارات موقع متكررة عبر الأقمار الصناعية، وعند ربط هذه البيانات بسجلات الإنزال، يمكن تحديد أماكن صيد الأسماك وكمية الجهد المبذول للحصول عليها.

ويمتاز نظام VMS عن أدوات تتبع الحيوانات البحرية بأنه يشمل مئات السفن، ويغطي سنوات طويلة، ويُحدَّث شبه لحظي، ما يسمح برصد إشارات بيئية واسعة النطاق بدلًا من أحداث معزولة.

قوارب الصيد نظام إنذار مبكر

الصيادون كمؤشرات بيئية

تُعرف «المؤشرات البيئية» بأنها كائنات أو أنشطة تعكس التغيرات البيئية. وغالبًا ما تلعب الحيوانات المفترسة العليا هذا الدور، لاعتماد بقائها على صحة النظام البيئي.

ويؤدي الصيادون دورًا مشابهًا، إذ يعتمد نجاحهم الاقتصادي على قراءة دقيقة لظروف المحيط. فالتغيرات في درجة حرارة المياه، وتوافر الفرائس، وسلوك الأسماك تؤثر مباشرة في قرارات الصيد.

ويقول إليوت هازن، الأستاذ المساعد في علم البيئة والتطور: «لطالما كانت الحيوانات تنذر بالمخاطر، كما كان الكناري في مناجم الفحم. وعندما تساعدنا هذه المؤشرات على استباق التغير البيئي، فإن ذلك يحمي الأنواع ويوفر الوقت والمال».

كما تتميز أساطيل الصيد بكون أنشطتها مرصودة بدقة، إذ توفر أنظمة التتبع بالأقمار الصناعية وسجلات الموانئ بيانات تفصيلية دون الحاجة إلى معدات أو مسوح جديدة.

تتبع تحركات التونة

ترفع موجات الحر البحرية درجات حرارة المحيطات إلى مستويات أعلى بكثير من المعدلات الطبيعية، ما يدفع الأسماك إلى مغادرة موائلها المعتادة.

وتركزت الدراسة على نوعين من التونة المهاجرة ذات الأهمية الاقتصادية على الساحل الغربي للولايات المتحدة: التونة البيضاء (الألباكور) والتونة زرقاء الزعانف، إذ يفضل كلاهما نطاقات حرارية محددة ويتحرك شمالًا أو أقرب إلى الشاطئ خلال الفترات الدافئة.

حلل الباحثون أكثر من مليون موقع لسفن صيد تعود إلى نحو 600 مركب خلال الفترة من 2010 إلى 2024. وأظهرت النتائج انتقال جهود الصيد شمالًا خلال موجة حر بحرية كبرى بين عامي 2014 و2016.

في المقابل، ظلت مواقع الصيد أقرب إلى معدلاتها الطبيعية خلال الفترات الدافئة في عامي 2019 و2023. وأكدت نماذج موائل التونة هذه الأنماط من الحركة.

وكانت بيانات الصيد أكثر دقة في عكس تحركات التونة مقارنة ببيانات درجة حرارة سطح البحر، إذ تنبأت التغيرات في سلوك الصيد بتحركات الأسماك المتطرفة بما يصل إلى ستة أضعاف دقة مؤشرات الحرارة وحدها.

قوارب الصيد نظام إنذار مبكر

إنذار مبكر من البحر

شهد موسم صيد الألباكور عام 2023 انخفاضًا حادًا في توافر الأسماك. ورغم استمرار الجهد المرتفع، تراجعت كفاءة الصيد بنحو النصف.

اضطرت القوارب إلى قطع مسافات أطول واستهلاك وقود أكثر مقابل كميات أقل من الأسماك، ما زاد الضغوط الاقتصادية على مجتمعات الصيد.

وجاء طلب إعلان كارثة مصايد فيدرالية بعد أكثر من عام من ضعف العائد، رغم أن بيانات VMS كانت قد أشارت إلى الأزمة أثناء الموسم نفسه، ما كان يمكن أن يسرّع الاستجابة والدعم المالي.

وتقول هيذر ويلش، الباحثة المتخصصة في معهد علوم البحار: «لدينا كم هائل من بيانات نشاط سفن الصيد، وهي تُستخدم تقليديًا للمراقبة، لكن من المثير أن نكتشف إمكان توظيفها لفهم صحة النظم البيئية».

التمييز بين الإشارة والضوضاء

تتأثر قرارات الصيد بعوامل متعددة، مثل أسعار الوقود، والطقس، والطلب في الأسواق، والقوانين التنظيمية.

واختبرت الدراسة هذه العوامل إحصائيًا، وتبيّن أن تحركات موائل التونة كانت العامل الأكثر ارتباطًا بتغير أنماط الصيد، بينما لعبت أسعار الوقود ودرجات الحرارة أدوارًا أقل.

ورغم اختلاف استراتيجيات القوارب الفردية، فإن تجميع البيانات على نطاق واسع يكشف إشارات بيئية واضحة، خاصة في المصايد التي تستهدف أنواعًا حساسة للمناخ.

قوارب الصيد نظام إنذار مبكر

أداة لمواجهة تغير المناخ

لا تُغني بيانات الصيد عن المسوح العلمية، إذ قد تشوه القرارات البشرية الإشارات البيئية خلال فترات الإغلاق أو تغيير الحصص. لذلك يشدد الباحثون على ضرورة التفسير الحذر للبيانات قبل اتخاذ قرارات إدارية.

وتؤكد ويلش: «الضوضاء ليست سببًا لتجاهل هذا الكم الهائل من البيانات، لكنها تعني ضرورة التعامل معها بحذر لتجنب استنتاجات مضللة».

وتخلص الدراسة، المنشورة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences، إلى أن دمج بيانات الصيد مع نماذج الموائل يمكن أن يحسن التنبؤات البيئية، ويوفر وسيلة منخفضة التكلفة لحماية الثروة السمكية والمجتمعات الساحلية في مواجهة تغير المناخ.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading