من النفايات إلى الثروة.. قشور المحار قادرة على التقاط العناصر الأرضية النادرة من المياه
دراسة تكشف: قواقع المحار تلتقط المعادن النادرة وتفتح بابًا لإعادة تدويرها بيئيًا
على امتداد السواحل حول العالم، تتكدس أطنان من مخلفات المحار وبلح البحر الناتجة عن صناعة المأكولات البحرية، والتي تُعد من أكبر مصادر النفايات العضوية البحرية.
وفي المقابل، تُعد العناصر الأرضية النادرة موردًا استراتيجيًا بالغ الأهمية لصناعات الطاقة النظيفة، مثل توربينات الرياح والسيارات الكهربائية والإلكترونيات الحديثة، لكنها موجودة في الطبيعة بتركيزات محدودة ويصعب استخلاصها دون آثار بيئية.

في هذا السياق، كشفت دراسة علمية حديثة عن مسار غير تقليدي يجمع بين هذين العالمين المتناقضين: النفايات البحرية والموارد المعدنية الحيوية، إذ أظهرت أن قشور المحار، وخاصة قشور المحار المحياري (Oyster shells)، تمتلك قدرة عالية على التقاط العناصر الأرضية النادرة من المياه الملوثة وتحويلها إلى مركبات معدنية مستقرة.
وأوضح الباحثون أن التجارب المخبرية التي أُجريت على عينات من قشور المحار والبلح والمحار الصغير، أظهرت تفاعلات كيميائية دقيقة تبدأ عند ملامسة هذه القشور للمحاليل المحتوية على عناصر مثل النيوديميوم والديسبروسيوم واللانثانوم، وهي عناصر أساسية في التقنيات الحديثة.
تبدأ العملية على المستوى المجهري عندما يذوب جزء من كربونات الكالسيوم المكوِّنة للقشرة، بينما تتشكل في الوقت نفسه بلورات جديدة تحتوي على العناصر النادرة.

ومع مرور الوقت، تتكون طبقة معدنية تغلف سطح القشرة، أشبه بـ”غلاف بلوري” يعزل هذه العناصر داخل بنية صلبة.
وباستخدام تقنيات مجهرية عالية الدقة، رصد العلماء تطور هذه البلورات من أشكال إبرية دقيقة إلى طبقة متماسكة تغطي القشرة بالكامل.
وفي بعض الحالات، يتوقف التفاعل عند السطح، ما يقلل من كفاءة الامتصاص، إلا أن قشور المحار تحديدًا أظهرت أداءً مميزًا مقارنة بأنواع أخرى.
ويرجع ذلك إلى البنية الداخلية الفريدة لقشور المحار، التي تتسم بطبقات مسامية تسمح بتغلغل الماء والعناصر الذائبة إلى الداخل، ما يؤدي إلى استمرار التفاعل بدلًا من توقفه عند السطح فقط. ونتيجة لذلك، يمكن لكل غرام واحد من قشور المحار أن يحتجز ما يصل إلى 1.5 غرام من العناصر الأرضية النادرة في الظروف المناسبة.
ولا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على معالجة التلوث المائي فحسب، بل تمتد إلى إمكانية استعادة هذه العناصر لاحقًا عبر عمليات كيميائية متقدمة، ما يفتح الباب أمام نموذج جديد للاقتصاد الدائري في مجال المعادن الحيوية.

ويشير الباحثون إلى أن صناعة الاستزراع البحري حول العالم تنتج كميات هائلة من مخلفات الأصداف التي غالبًا ما تُدفن أو تُهمل بالقرب من السواحل، في حين يمكن إعادة توظيفها في أنظمة تنقية المياه أو في أحواض ترشيح قادرة على إزالة الملوثات المعدنية من المياه الصناعية.
ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر مرتبطًا بكفاءة التشغيل على نطاق واسع، إذ إن بعض أنواع القشور تتكوّن عليها طبقات عازلة تحد من فعاليتها، بينما أثبتت قشور المحار قدرة أعلى على الاستمرار في التفاعل لفترات أطول بفضل بنيتها الطبيعية.

وتشدد الدراسة على أن النجاح المستقبلي لهذه التقنية يعتمد على تطوير أنظمة تسمح بمرور كميات أكبر من المياه الملوثة عبر المواد الفعالة دون فقدان كفاءتها، إضافة إلى ابتكار طرق فعالة لاستخلاص المعادن بعد التقاطها.
ورغم أن هذه التقنية لا تغني عن عمليات التعدين التقليدية، فإنها تمثل خطوة مهمة نحو تقليل الفاقد من العناصر النادرة، والحد من التلوث، وتعزيز مفهوم الاقتصاد الدائري الذي يحول النفايات إلى موارد ذات قيمة اقتصادية وبيئية.





