عواقب خفية لكوارث المناخ.. كيف يؤثر الإجهاد قبل الولادة على أدمغة الأطفال؟
تعرض الحوامل للكوارث المناخية يغيّر بنية مخ الأطفال.. التوحد والاكتئاب واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه
شهد الساحل الشرقي للولايات المتحدة عام 2012 حدثًا جويًا نادرًا؛ إذ تزامن إعصار مع كتلة هوائية باردة ومع تأثير الجاذبية الناتج عن اكتمال القمر، لتتشكل ما وصفه خبراء الأرصاد لاحقًا بـ”العاصفة المثالية”.
وقد ضرب إعصار ساندي ولايات نيوجيرسي والمناطق المحيطة بها، متسببًا في فيضانات مدمرة وزيادة كبيرة في مستويات العواصف، وهي تأثيرات فاقمها ارتفاع مستوى سطح البحر الناتج عن تغير المناخ، ما أدى إلى تعريض ما يُقدَّر بنحو 71 ألف شخص إضافي للخطر.
كانت يوكو نومورا، أستاذة علم النفس بجامعة مدينة نيويورك، تجري دراسة طويلة الأمد حول تأثير الإجهاد قبل الولادة في نمو الجنين.
وبعد أن واجهت العديد من المشاركات في الدراسة الإعصار وتبعاته، أصبحت ساندي تجربة طبيعية غير مخططة حول كيفية تأثير الكوارث المناخية في الدماغ قبل الولادة.
تقول نومورا إن وجود بنية بحثية جاهزة أتاح لها فرصة استثنائية لدراسة التعرض للإجهاد في الرحم، وهو أمر يستحيل تحقيقه عبر التجارب العشوائية في البشر.

اختلافات عصبية ونفسية بين الأطفال
بعد 13 عامًا، أظهرت المتابعة أن الأطفال الذين تعرضت أمهاتهم للإعصار أثناء الحمل يعانون اختلافات عصبية ونفسية مقارنة بأقرانهم، ويُعتقد أن هذه التغيرات ترتبط بإجهاد الأم الناجم عن الكارثة.
وتشير نتائج أخرى إلى أن تعرض الأمهات لحرارة مرتفعة خلال الحمل فاقم هذه الآثار.
توضح أبحاث سابقة أن تغير المناخ يؤدي إلى زيادة شدة وتكرار الأحداث الجوية المتطرفة، ما يسبب ضغوطًا نفسية وفسيولوجية للأمهات الحوامل، قد تنعكس على تطور الدماغ لدى الجنين.
فقد أظهرت مراجعة منهجية عام 2024 شملت 1.3 مليون ثنائي من الأمهات والأطفال أن التعرض للكوارث الطبيعية قبل الولادة أدى إلى تأثيرات سلبية على القدرات المعرفية واللغوية والمهارات الحركية والنوم والانتباه إضافة إلى زيادة مخاطر التوحد والاضطرابات النفسية.
التوحد والاكتئاب واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه
وفي دراسة تصوير بالرنين المغناطيسي نُشرت هذا العام، تبين أن حجم المادة الرمادية في العقد القاعدية لدى الأطفال الذين تعرضوا لساندي قبل الولادة كان أكبر بنسبة تتراوح بين 2% إلى 6% مقارنة بالأطفال غير المعرضين، وهي تغيرات رُبطت سابقًا باضطراب طيف التوحد عالي الأداء والاكتئاب واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.
كما أوضحت النتائج أن الأطفال الذين تعرضت أمهاتهم للإعصار وللحرارة الشديدة معًا أظهروا تغيرات إضافية في بنية الدماغ، مثل صغر حجم النواة المتكئة وزيادة حجم المهاد الأيسر.
وتشير بيانات سابقة إلى أن أطفال هذه المجموعة كانوا أكثر عرضة بخمسة أضعاف للقلق وأكثر بثلاثة أضعاف للاضطرابات السلوكية وفرط الحركة، مع وجود اختلافات بين الجنسين؛ إذ كانت الفتيات أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، بينما ظهر لدى الأولاد ميل أكبر للاضطرابات السلوكية.
ورغم أن آليات تأثير الإجهاد قبل الولادة غير مفهومة بالكامل، فإن بعض النظريات العلمية تربطها بتنشيط محور الغدة النخامية، الغدة الكظرية، وارتفاع مستوى الكورتيزول لدى الأم، وتأثيره في الجنين نتيجة ضعف قدرة المشيمة على تنظيمه. وترتبط زيادة التعرض للكورتيزول بانخفاض القدرات المعرفية لدى الرضع، إلا أن الأبحاث أشارت إلى إمكانية التخفيف من هذه الآثار عبر ارتباط آمن بين الأم والطفل بعد الولادة.
وتشير الدراسات الأوروبية الحديثة إلى أن التعرض لدرجات حرارة شديدة، سواء حرارة أو برودة، خلال الحمل يرتبط بتغيرات في بنية المادة البيضاء في الدماغ، وهي تغيرات ترتبط بأداء معرفي وضعف السلوكيات لاحقًا.

زيادة خطر الولادة المبكرة
كما ترتبط موجات الحر بزيادة خطر الولادة المبكرة، وهي حالة ترتبط بزيادة مخاطر الاضطرابات العصبية والنمائية.
وتعد الحرائق البرية مصدرًا آخر للخطر، إذ قد تسمح عدم اكتمال حاجز الدم–الدماغ بدخول الجسيمات الدقيقة مثل PM2.5 إلى دماغ الجنين.
وتدعو هذه النتائج إلى إدراج مخاطر تغير المناخ ضمن العناصر التي يناقشها الأطباء مع المرضى، إلى جانب التوعية بوسائل الحماية مثل مراكز التبريد، وخطط الطوارئ، وأدوات مراقبة جودة الهواء.
وتواصل نومورا وفريقها متابعة “أطفال ساندي” الذين دخلوا مرحلة المراهقة، وتجرى دراسات مطولة على مستويات الدماغ والهرمونات والعوامل الجينية والبيئية بهدف تحديد نقاط التدخل المبكر للحد من مخاطر الاضطرابات النفسية.





