أخبارالاقتصاد الأخضر

عندما تُسرق المليارات.. هل يتحمل المستثمر أم المنصة خسائر اختراق العملات المشفرة؟

كم تكلف حماية العملات المشفرة؟ من أين تأتي أموال تعويض المستثمرين؟ من يدفع فاتورة خسائر مليارات الدولارات

كتب مصطفى شعبان

من خزائن الشركات وصناديق حماية المستخدمين إلى وثائق التأمين والاقتراض.. تتعدد مصادر تمويل التعويضات، لكن العملاء قد يتحملون الخسائر إذا عجزت المنصات عن الوفاء بالتزاماتها

أعاد الاختراق الإلكتروني الذي استهدف منصة «بينانس»، إحدى أكبر منصات تداول العملات المشفرة في العالم، فتح ملف التكلفة الاقتصادية لحماية الأصول الرقمية، بعدما أعلنت الشركة سرقة أصول تقدر قيمتها بنحو 6.3 مليارات دولار، وتعهدت بتغطية الخسائر من مواردها المالية، بدلا من تحميل المستخدمين تبعاتها.

لكن الحادثة لا تقتصر على قيمة الأموال التي خرجت من المحافظ الرقمية؛ إذ تكشف عن سؤال اقتصادي أوسع: من يتحمل فاتورة الاختراق عندما تتجاوز الخسائر الاحتياطيات المتاحة؟ وهل تستطيع شركات العملات المشفرة الاعتماد على التأمين وصناديق الطوارئ وحدها لحماية أموال العملاء، أم أن الخزينة والتمويل الخارجي قد يصبحان خط الدفاع الأخير؟

وفي تحديثها المنشور في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2026، قالت «بينانس» إنها رفعت نسبة تغطية الأصول المتضررة إلى نحو 90%، بعدما كانت قد أعلنت في تحديث سابق تخصيص أكثر من 6.34 مليارات دولار لتغطية الخسائر، من بينها نحو 5 مليارات دولار من الأصول المطابقة للعملات التي تعرضت للسرقة.

وأوضحت المنصة أن عملية التغطية اعتمدت على أموال الشركة، وجزء من صندوق حماية المستخدمين «سافو» (SAFU)، إضافة إلى جزء من صندوق تأمين العقود الآجلة، مع استمرار شراء العملات المتبقية من الأسواق ومن خلال الصفقات المباشرة خارج منصات التداول.

وشملت التغطية الكاملة، وفق إعلان الشركة، عددا من العملات الرئيسية، بينها بيتكوين وإيثريوم و«تيثر» و«بي إن بي» وسولانا و«يو إس دي سي»، بينما بقي نحو 10% من الأصول المتضررة، تتكون من عملات أقل سيولة، تحتاج إلى وقت أطول لتوفير الكميات المطلوبة منها.

ولا تعني تغطية 90% من الأصول أن الشركة استعادت النسبة نفسها من الأموال المسروقة؛ فهناك فارق بين تجميد الأصول التي حصل عليها المهاجمون، واستردادها فعليا، وشراء أصول بديلة لتغطية أرصدة العملاء. وقد أعلنت المنصة، في وقت سابق، تجميد نحو 3 مليارات دولار من الأصول المرتبطة بالحادثة على شبكات البلوكتشين.

من أين تأتي أموال تعويض المستثمرين؟

تبدأ المنصات عادة التعامل مع خسائر الاختراق من خلال الاحتياطيات المالية وصناديق الطوارئ التي أنشأتها لحماية العملاء، ثم تلجأ إلى موارد الشركة أو التأمين، وقد تحتاج إلى الاقتراض أو ضخ مساهمات جديدة إذا تجاوزت الخسائر قدرتها على التمويل.

وفي حالة «بينانس»، يمثل صندوق حماية المستخدمين «سافو» أحد أهم أدوات الاستجابة للطوارئ. وأنشأت الشركة هذا الصندوق في يوليو/تموز 2018، وخصصت له جزءا من رسوم التداول ليكون احتياطيا لمواجهة الحوادث الأمنية والظروف الاستثنائية التي قد تهدد أموال المستخدمين.

وكانت الشركة قد أعلنت أن قيمة أصول الصندوق بلغت نحو مليار دولار في فبراير/شباط 2026، مع تغير قيمته تبعا لحركة أسعار العملات المشفرة. غير أن حجم الاختراق الأخير، الذي قُدرت أصوله بنحو 6.3 مليارات دولار، تجاوز قيمة الصندوق المعلنة عدة مرات، ما جعل الاعتماد عليه وحده غير كافٍ لتغطية الخسائر.

ولذلك أعلنت «بينانس» الاستعانة بمصادر تمويل إضافية، تشمل خزينة الشركة وجزءا من صندوق تأمين العقود الآجلة، إلى جانب صندوق «سافو»، مع تعهدها بإعادة قيمة صندوق حماية المستخدمين إلى نحو مليار دولار.

وتوضح هذه الخطوة أن صناديق الطوارئ لا تمثل بالضرورة ضمانا شاملا لجميع أموال العملاء، بل هي جزء من منظومة تمويل قد تحتاج إلى موارد أخرى عندما تكون الخسائر أكبر من الاحتياطيات المتاحة.

ما حجم الخسائر في قطاع العملات المشفرة؟

بعد اختراق بينانس.. من يدفع فاتورة خسائر مليارات الدولارات في منصات العملات المشفرة؟

التأمين.. حماية مشروطة وليست ضمانا مفتوحا

لا يعني امتلاك المنصة وثيقة تأمين ضد الجرائم الإلكترونية أن جميع أموال العملاء محمية بالكامل؛ إذ تخضع التغطية لسقف مالي محدد، وشروط تعاقدية، وأنواع معينة من الحوادث، فضلا عن استثناءات قد تستبعد بعض صور الاحتيال أو اختراق حسابات المستخدمين.

وتكشف إفصاحات شركات العملات المشفرة عن تفاوت واضح في مستويات التغطية التأمينية، بحسب نوع الأصول وطريقة حفظها.

فقد أظهرت إفصاحات مرتبطة بصندوق استثماري مقدمة إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية أن شركة «كوينبيس» تمتلك وثيقة تأمين تجاري ضد الجرائم تصل تغطيتها إلى 320 مليون دولار، وتشمل أصول العملاء لدى الشركة والكيانات التابعة لها، وفقا لشروط الوثيقة.

لكن هذا المبلغ ليس مخصصا لكل عميل على حدة، بل يمثل تغطية مشتركة لعملاء الكيانات المشمولة، ما يعني أن تعدد المطالبات قد يؤدي إلى تقاسم حصيلة التأمين، كما أن الوثيقة قد لا تغطي جميع أنواع الخسائر المحتملة.

وتقدم شركة «جيميني» مثالا آخر على اختلاف التأمين باختلاف مكان حفظ الأصول؛ إذ أفصحت عن تغطية تأمينية ضد الجرائم بقيمة 25 مليون دولار للأصول الموجودة في المحافظ الساخنة المتصلة بالإنترنت، مقابل تغطية تصل إلى 100 مليون دولار للأصول المحفوظة في المحافظ الباردة غير المتصلة بالإنترنت.

ويعكس هذا التفاوت اختلاف مستوى المخاطر بين وسائل حفظ الأصول الرقمية، لكنه يؤكد أيضا أن قيمة التأمين لا تعني بالضرورة أن جميع أصول العملاء مشمولة بالتغطية.

وفي حال تجاوزت الخسائر قيمة الوثيقة أو لم تكن الواقعة مشمولة بها، تعود مسؤولية تدبير الأموال إلى موارد الشركة واحتياطياتها، أو إلى ترتيبات تمويل أخرى، بحسب شروط الخدمة والالتزامات القانونية والتعاقدية.

كم تكلف حماية العملات المشفرة؟

لا تقتصر تكلفة الحماية على أقساط التأمين؛ إذ تتحمل المنصات نفقات تشغيلية وتقنية تشمل تطوير أنظمة مراقبة المعاملات، وتأمين المحافظ الرقمية، والتحقق من هوية العملاء، ومكافحة غسل الأموال والاحتيال، وتوظيف فرق متخصصة في الأمن والامتثال.

وبحسب تقرير نشرته «بينانس» في 29 يونيو/حزيران 2026، تحت عنوان «الامتثال بالأرقام.. داخل البنية العالمية لحماية بينانس»، تنفق الشركة نحو 300 مليون دولار سنويا على أنشطة الامتثال، التي تشمل التكنولوجيا والتحقيقات والعمليات التشغيلية والموارد البشرية المرتبطة بمكافحة الجرائم المالية وحماية المستخدمين.

وقالت المنصة إن نحو 1500 موظف، أي ما يقارب ربع قوتها العاملة، يشغلون وظائف مرتبطة بالامتثال، بما يعكس حجم الموارد البشرية التي تخصصها لمراقبة المعاملات وإدارة المخاطر المالية والتنظيمية.

ووفقا لتقديرات أوردتها الشركة، يعادل إنفاقها السنوي على الامتثال نحو 0.22% من قيمة الأصول التي تحتفظ بها، مقارنة بنحو 0.14% في القطاع المالي الأوسع.

لكن هذه الأرقام لا تمثل ميزانية مستقلة للأمن السيبراني؛ فالإنفاق على الامتثال يشمل أيضا الالتزامات القانونية والتنظيمية ومكافحة غسل الأموال والتعاون مع السلطات، ولا يمكن اعتبار المبلغ المعلن إنفاقا مخصصا بالكامل لمنع اختراق الأنظمة والمحافظ الرقمية.

كما قالت «بينانس» إنها خصصت أكثر من 3 ملايين دولار للقدرات الحاسوبية المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال الامتثال خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، بهدف تطوير أنظمة رصد المعاملات المشبوهة وكشف الاحتيال.

وتكشف هذه الأرقام حجم الإنفاق الذي تعلنه الشركة على منظومة الحماية بمعناها الواسع، لكنها لا توضح بصورة مستقلة مقدار ما يذهب تحديدا إلى تأمين البنية التقنية والمحافظ الرقمية.

«باينانس» أمام اختبار استعادة الثقة
كم تكلف حماية العملات المشفرة؟

الاختراقات قد تكلف أكثر من الأموال المسروقة

تتجاوز التكلفة الاقتصادية للاختراقات قيمة الأصول التي يستولي عليها المهاجمون، لتشمل نفقات التحقيقات والاستجابة التقنية والتعويضات والأعباء القانونية، فضلا عن الخسائر التجارية المحتملة نتيجة انتقال العملاء إلى منصات منافسة.

وبحسب تقرير شركة «تي آر إم لابس» الصادر في الأول من يوليو/تموز 2026، شهد النصف الأول من العام 207 عمليات اختراق في قطاع العملات المشفرة، مقارنة بـ83 عملية خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة تجاوزت 149%.

ورغم ارتفاع عدد الحوادث، تراجعت قيمة الأموال المسروقة إلى نحو 972 مليون دولار، مقابل 2.3 مليار دولار في النصف الأول من العام السابق، بما يشير إلى أن زيادة عدد الهجمات لا تعني بالضرورة ارتفاع إجمالي الخسائر، التي تتأثر بحجم كل حادثة.

وأظهر التقرير أن الهجمات التي استهدفت البنية التحتية والأنظمة التشغيلية شكلت نحو 15% من إجمالي الحوادث، لكنها استحوذت على قرابة 76% من الأموال المسروقة، في حين تركزت نسبة كبيرة من الهجمات الأخرى في استغلال ثغرات العقود الذكية.

وبلغ متوسط الخسارة نحو 4.7 ملايين دولار لكل اختراق، مقابل قيمة وسيطة بلغت 219 ألف دولار، وهو فارق يكشف أن عددا محدودا من الهجمات الضخمة يستحوذ على الجزء الأكبر من الخسائر المالية.

وتبرز أهمية هذه البيانات عند مقارنتها بحادثة «بينانس»، إذ إن قيمة الأصول المسروقة المعلنة، البالغة 6.3 مليارات دولار، تتجاوز بكثير متوسط خسائر الاختراقات المسجلة في القطاع خلال النصف الأول من العام.

لكن المقارنة بين قيمة الاختراق والإنفاق السنوي على الامتثال لا تقيس كفاءة الحماية بصورة مباشرة؛ لأن مخصصات الامتثال لا تقتصر على الأمن السيبراني، كما أن قيمة الأصول المسروقة لا تساوي بالضرورة الخسارة النهائية بعد التجميد والاسترداد وتوفير الأصول البديلة.

الاختراقات قد تكلف أكثر من الأموال المسروقة
الاختراقات قد تكلف أكثر من الأموال المسروقة

كوينبيس.. فاتورة بمئات الملايين رغم عدم سرقة المفاتيح الخاصة

تقدم منصة «كوينبيس» مثالا على أن الحوادث الأمنية قد تفرض أعباء مالية كبيرة حتى عندما لا تتعرض المفاتيح الخاصة للعملات المشفرة للسرقة.

فوفقا لتقريرها السنوي عن السنة المالية المنتهية في 31 ديسمبر/كانون الأول 2025، استخدمت الشركة نحو 311.2 مليون دولار نقدا خلال العام، في مدفوعات مرتبطة بحادثة سرقة بيانات العملاء، شملت تعويضات طوعية للعملاء المتضررين وتكاليف قانونية مباشرة.

وكانت الشركة قد أعلنت في مايو/أيار 2025 أن جهة مهاجمة حصلت على معلومات تخص بعض حسابات العملاء ووثائق داخلية، بعد دفع أموال لموظفين أو متعاقدين لديهم صلاحيات للوصول إلى أنظمة خدمة العملاء.

واستُخدمت المعلومات لاحقا في محاولات احتيال تعتمد على انتحال الهوية والهندسة الاجتماعية، بهدف خداع العملاء ودفعهم إلى تحويل أموالهم إلى المهاجمين، دون وجود دليل على تعرض كلمات المرور أو المفاتيح الخاصة للاختراق في الحادثة المعلنة.

كما بلغت نفقات «كوينبيس» على التكنولوجيا والتطوير نحو 1.67 مليار دولار خلال 2025، بزيادة 14% عن العام السابق، وشكلت نحو 24% من صافي إيراداتها. وشملت هذه النفقات أجور العاملين والبنية التحتية والتطوير التقني، دون الإفصاح عن مخصص مستقل للأمن السيبراني.

وتوضح هذه الأرقام أن حماية المنصات لا تتعلق فقط بمنع سرقة العملات من المحافظ، بل تشمل أيضا تأمين بيانات العملاء وأنظمة خدمة المستخدمين، والحد من الاحتيال الذي قد ينشأ عن تسريب المعلومات.

السيولة.. الاختبار الأصعب بعد الاختراق

قد تواجه المنصة، إلى جانب خسائر السرقة، موجة من طلبات السحب من عملاء يخشون اتساع الأزمة، وهو ما يضع قدرتها على توفير العملات المطلوبة في اختبار مباشر.

وتقدم حادثة اختراق منصة «بايبت» في فبراير/شباط 2025 مثالا على ذلك؛ إذ قالت الشركة إنها تعاملت مع أكثر من 350 ألف طلب سحب خلال نحو 10 ساعات، عقب الهجوم الذي استهدفها.

وأوضحت «بايبت» أنها تلقت عملات إيثيريوم بقيمة تقارب 1.23 مليار دولار من خلال قروض وإيداعات من كبار المتعاملين ومشتريات مباشرة خارج منصات التداول، للمساعدة في توفير الأصول المطلوبة.

لكن توفير السيولة لا يعني انتهاء الخسارة؛ فالقروض تظل التزامات واجبة السداد، وإيداعات العملاء تقابلها التزامات تجاه أصحابها، بينما تحتاج الشركة إلى تدبير مواردها الخاصة لتغطية العجز النهائي.

وهنا يظهر الفرق بين السيولة والملاءة المالية؛ فالسيولة تعني قدرة المنصة على توفير الأصول المطلوبة في موعدها، أما الملاءة فتعني امتلاكها موارد كافية للوفاء بالتزاماتها.

وقد تمتلك الشركة أصولا كبيرة من حيث القيمة الإجمالية، لكنها تواجه صعوبة في تحويلها بسرعة إلى العملات التي يطلبها العملاء، أو تضطر إلى شرائها من السوق بأسعار أعلى في ظل نقص المعروض.

كما أن توفير عملات بديلة بالقيمة الدولارية نفسها لا يكفي دائما؛ فقد يحتاج العميل إلى العملة ذاتها التي كان يحتفظ بها، وهو ما يفسر إعلان «بينانس» شراء الأصول المتضررة نفسها، بدلا من الاكتفاء بتوفير قيمتها النقدية.

هل أموال العملات المشفرة مؤمَّنة مثل الودائع المصرفية؟
هل أموال العملات المشفرة مؤمَّنة مثل الودائع المصرفية؟

هل أموال العملات المشفرة مؤمَّنة مثل الودائع المصرفية؟

من المخاطر التي قد لا ينتبه إليها بعض المستثمرين الاعتقاد بأن الأصول المشفرة لدى منصات التداول تتمتع بالحماية نفسها التي توفرها الودائع المصرفية.

ففي الولايات المتحدة، لا يغطي تأمين المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع (FDIC) الأصول المشفرة، كما لا يحمي عملاء الشركات غير المصرفية من إفلاسها أو تعثرها. ويقتصر التأمين الفيدرالي على الودائع المؤهلة لدى البنوك المشمولة به، وليس على العملات المشفرة التي تحتفظ بها منصات التداول.

وبالتالي، لا يمثل وجود حساب لدى منصة كبيرة أو حصولها على تغطية تأمينية خاصة ضمانا حكوميا لاسترداد جميع الأصول في حال الاختراق أو الإفلاس.

وتختلف حقوق العملاء بحسب شروط الاستخدام، وطبيعة العلاقة القانونية مع المنصة، والجهة التي تحتفظ بالأصول، والقواعد التنظيمية المطبقة في الدولة التي تقدم فيها الخدمة.

عندما يتحمل العملاء جزءا من الخسارة

لا تنتهي جميع الاختراقات بتعويض كامل وفوري من موارد الشركة. ففي بعض الحالات، قد تتحول الخسائر إلى التزامات مالية طويلة الأجل، أو تُوزع على العملاء، أو يجري تعويضهم من خلال أدوات مالية وأسهم وترتيبات أخرى.

وبعد اختراق منصة «بيتفينكس» عام 2016، وزعت الشركة خسارة بلغت نحو 36% على حسابات العملاء، وأصدرت رموز «بي إف إكس» لتسجيل قيمة الخسائر، مع إتاحة استردادها لاحقا أو تحويلها إلى أسهم في الشركة الأم وفق ترتيبات محددة.

وقالت «بيتفينكس» إن جميع الرموز القائمة استُردت أو حُولت إلى أسهم خلال الأشهر الثمانية التالية للاختراق، بحلول أبريل/نيسان 2017.

وتكشف هذه التجربة أن طريقة التعويض وتوقيته قد يحددان حجم الخسارة الفعلية التي يتحملها المستثمر؛ فالحصول على تعويض مؤجل أو تحويل المطالبة إلى أداة مالية لا يعادل بالضرورة استرداد الأموال نقدا وبالقيمة نفسها وفي الوقت نفسه.

كما أن إعلان المنصة امتلاك احتياطيات لا يكفي وحده للحكم على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها؛ إذ حذر مكتب مناصر المستثمرين لدى مجلس الرقابة على محاسبة الشركات العامة الأمريكي من أن تقارير إثبات الاحتياطيات لا تمثل تدقيقا ماليا شاملا، وقد لا تكشف جميع الالتزامات أو الأصول المقترضة أو مدى فاعلية الرقابة الداخلية.

فاتورة الثقة.. خسائر قد تستمر بعد التعويض

تتحمل منصات العملات المشفرة تكلفة إضافية عندما يفقد العملاء الثقة في قدرتها على حفظ أموالهم، إذ قد ينقل المستثمرون أصولهم إلى منصات منافسة أو محافظ شخصية، بما قد يقلص الأصول المحفوظة لدى الشركة ويؤثر في نشاطها التجاري وإيراداتها المستقبلية.

وتشير دراسة بحثية بعنوان «التهافت على سحب الأموال من وسطاء البلوكتشين»، أعدها الباحثان دانييلي بيانكي من جامعة كوين ماري في لندن وكيريل شاخنوف من جامعة ساري البريطانية، ونُشرت على منصة «إس إس آر إن» في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إلى أن صافي الأصول الخارجة من المنصات المتضررة بلغ في المتوسط نحو 8% من أرصدتها عقب الحوادث الأمنية، مقابل 17% في حالات الإعسار ونحو 1% عقب الإجراءات التنظيمية.

وأظهرت الدراسة أن جزءا كبيرا من عملات بيتكوين المسحوبة اتجه إلى جهات خارج منصات التداول، بما يشير إلى أن بعض المستثمرين يفضلون نقل أصولهم بعيدا عن الجهات المركزية عند تصاعد المخاطر الأمنية.

ولا تعني هذه النتائج أن «بينانس» ستشهد بالضرورة سحوبات تعادل 8% من أصولها؛ فالرقم متوسط مستخلص من الحالات التي تناولتها الدراسة، وليس توقعا خاصا بالمنصة أو بالاختراق الأخير.

وتكشف هذه النتائج أن تعويض العملاء يمثل مصلحة اقتصادية للمنصة أيضا؛ إذ يساعد على الحد من انتقالهم إلى المنافسين، والحفاظ على الأصول التي تديرها، وحماية إيراداتها المستقبلية من رسوم التداول والخدمات الأخرى.

وقد بلغت إيرادات «كوينبيس» الصافية نحو 6.9 مليارات دولار خلال 2025، منها 4.1 مليارات دولار من المعاملات و2.8 مليار دولار من الاشتراكات والخدمات، فيما بلغ صافي ربحها نحو 1.3 مليار دولار، وفق تقريرها السنوي.

أما «بينانس»، فأعلنت تجاوز عدد مستخدميها المسجلين 300 مليون مستخدم في يوليو/تموز 2026، وهو رقم لا يعني بالضرورة أن جميعهم يتداولون بصورة نشطة، لكنه يعكس اتساع قاعدة العملاء التي تسعى المنصة إلى الحفاظ عليها.

 الاختراق الإلكتروني الذي استهدف منصة «بينانس»، إحدى أكبر منصات تداول العملات المشفرة في العالم
الاختراق الإلكتروني الذي استهدف منصة «بينانس»، إحدى أكبر منصات تداول العملات المشفرة في العالم

من يدفع في النهاية؟

تتوزع فاتورة الاختراقات بين خزينة الشركة وصناديق حماية المستخدمين وشركات التأمين والمقرضين، وقد تصل إلى المساهمين والعملاء إذا لم تكفِ الموارد المتاحة لتغطية الخسائر.

وفي حالة «بينانس»، تعهدت الشركة بتحمل الأثر المالي للاختراق، وأعلنت تغطية نحو 90% من الأصول المتضررة حتى 31 أكتوبر/تشرين الأول 2026، مع مواصلة شراء العملات المتبقية، وإعادة تمويل صندوق حماية المستخدمين.

لكن نجاح التعويض لا ينهي جميع التحديات؛ إذ يتعين على المنصة استعادة انتظام عمليات السحب، وإثبات كفاية الاحتياطيات، ومعالجة الثغرات الأمنية، والحفاظ على ثقة العملاء، دون استنزاف الموارد اللازمة لاستمرار أعمالها.

وتؤكد الحادثة أن حماية الأصول الرقمية لم تعد مجرد بند تقني في ميزانيات منصات العملات المشفرة، بل أصبحت قضية مالية تتصل بالسيولة والملاءة والتأمين والقدرة على الوفاء بالتزامات العملاء.

ويبقى السؤال الأهم للمستثمرين ليس فقط كم تنفق المنصة على الحماية، بل ما الأصول التي يغطيها هذا الإنفاق، وما حدود التأمين والاحتياطيات، ومن يتحمل الخسارة عندما تفشل إجراءات الوقاية.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى