أخبارتغير المناخ

«فرض الجهل».. علوم المناخ الأمريكية تحت الحصار في عهد ترامب

من إلغاء التقارير إلى حذف الدراسات.. علوم المناخ الأمريكية تواجه هجومًا غير مسبوق

تواجه علوم المناخ في الولايات المتحدة ضغوطًا متزايدة، مع إلغاء تقرير علمي مرجعي عن التغيرات السريعة في منطقة القطب الشمالي، وحذف فصل حول الاحتباس الحراري من دليل مرجعي مخصص للقضاة.

وتأتي هذه التطورات بعد عمليات تسريح واسعة وخفض في الميزانيات خلال الأيام الأولى من الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في وقت تشهد فيه المحيطات والكتل الأرضية مستويات قياسية من الحرارة.

وكان تقرير القطب الشمالي لعام 2025، الذي أُلغي هذا الأسبوع، قد خلص إلى أن المنطقة القطبية سجلت أكثر أعوامها حرارة منذ بدء تسجيل البيانات، مع تداعيات متسلسلة شملت ذوبان الأنهار الجليدية والجليد البحري، وزيادة اخضرار المناطق البرية، واضطرابات في أنماط الطقس العالمية.

وقال ريك سبينراد، المدير السابق للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية (NOAA)، إن القطب الشمالي يمثل مؤشرًا مبكرًا على تغير المناخ، محذرًا من أن ما يحدث يمثل محاولة لـ«فرض الجهل» على منظومة علمية بدلًا من التعامل مع التحديات المناخية الفعلية.

آثار تتجاوز القطب الشمالي

ترتفع درجات الحرارة في القطب الشمالي بمعدل أسرع بعدة مرات من المتوسط العالمي، وهي الظاهرة المعروفة باسم «تضخم القطب الشمالي».

ولا تقتصر تداعيات هذه التغيرات على المنطقة القطبية، إذ يمكن أن تمتد آثارها إلى مناطق بعيدة حول العالم.

فعلى سبيل المثال، يؤدي فقدان الجليد البحري إلى زيادة تدفق المياه العذبة إلى شمال المحيط الأطلسي، ما يجعل المياه السطحية أقل كثافة وملوحة، ويحد من قدرتها على الغوص إلى الأعماق ودفع دوران انقلاب خط الزوال الأطلسي، وهو نظام محيطي رئيسي يساعد على إبقاء فصول الشتاء في أوروبا أكثر اعتدالًا.

وكانت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) قد نشرت تقرير القطب الشمالي سنويًا منذ عام 2006، لكنها لم تقدم تفسيرًا واضحًا لإيقاف التقرير.

واكتفت الوكالة بالقول إن تنسيق تقرير القطب الشمالي لعام 2026 لن يتم من خلالها، مؤكدة في الوقت نفسه أن البيانات السابقة ستظل متاحة للجمهور.

ويُعد إلغاء التقرير أحدث حلقة في سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها إدارة ترامب ضد الأبحاث العلمية التي توثق آثار تغير المناخ الناتج عن الأنشطة البشرية.

حذف فصل عن تغير المناخ من دليل للقضاة

في الأسبوع الماضي، أزالت الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة فصلًا عن علوم المناخ من موقعها الإلكتروني، وكان الفصل جزءًا من دليل مرجعي مخصص للقضاة.

وجاءت الخطوة بعدما هاجم ترامب الفصل عبر منصة «تروث سوشيال»، ووصفه بأنه «احتيالي ومنحاز ومضلل»، واتهم الأكاديمية بأنها تدار من جانب ما وصفهم بـ«الديمقراطيين اليساريين المتطرفين».

وقالت الأكاديمية، في بيان لها، إن الفصل تعرض لـ«تدقيق كبير»، مضيفة أنها قررت أن الأسئلة المتعلقة بالعمليات المستخدمة في إعداد الفصل تستدعي إجراء مراجعة مستقلة، ولذلك لن يظهر الفصل على موقعها الإلكتروني خلال فترة المراجعة.

وقال متحدث باسم الأكاديمية إن المراجعة من المتوقع أن تكتمل خلال الخريف.

وأثارت هذه الخطوة اهتمامًا واسعًا، خصوصًا أن الأكاديمية كانت قد أصدرت قبل أسابيع مراجعة شاملة لعلوم إسناد الظواهر المناخية المتطرفة.

ماذا تقول علوم إسناد الظواهر المناخية؟

بحثت المراجعة العلمية في مدى إمكانية ربط بعض الظواهر الجوية المتطرفة الفردية بتغير المناخ، وخلصت إلى أن الأدلة العلمية قوية في العديد من الحالات.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الولايات المتحدة، حيث تشكل علوم إسناد الظواهر المناخية أساسًا علميًا مهمًا في عشرات القضايا القضائية المرفوعة ضد شركات النفط والغاز.

وتبحث هذه القضايا، من بين أمور أخرى، في مسؤولية الشركات عن الأضرار المرتبطة بتغير المناخ، ومدى إمكانية إثبات العلاقة بين انبعاثات غازات الدفيئة والظواهر المناخية المتطرفة والأضرار التي تلحق بالمجتمعات.

وقالت كارلي فيليبس، كبيرة العلماء في منظمة اتحاد العلماء المهتمين، إنها ترى «هجومًا واسعًا على علوم الإسناد» مستمرًا منذ عدة أشهر، بما في ذلك من جانب جمهوريين في الكونجرس يسعون إلى منع دعاوى المساءلة المناخية.

وأضافت أن القضاة يحتاجون إلى معلومات علمية موثوقة حول تغير المناخ حتى يتمكنوا من تقييم هذه القضايا وفق الأدلة العلمية.

إلغاء «حكم الخطر» المناخي

وتأتي هذه التطورات بعد قرار إدارة ترامب في فبراير الماضي إلغاء ما يُعرف باسم «حكم الخطر»، وهو القرار الصادر عام 2009 الذي خلص إلى أن تلوث الهواء الناتج عن غازات الدفيئة يشكل خطرًا على صحة الإنسان، وبالتالي يستوجب التنظيم.

وكان لهذا الإطار تأثير مباشر على معايير الانبعاثات الفيدرالية الخاصة بالمركبات.

كما يرتبط الإطار التنظيمي نفسه بقيود مفروضة على محطات توليد الكهرباء، في وقت يشهد فيه قطاع الذكاء الاصطناعي توسعًا سريعًا في الطلب على الكهرباء، وما يرافقه من خطط جديدة لإنشاء مشروعات للغاز الطبيعي.

الأدلة المناخية تتراكم رغم الضغوط

يرى عالم المناخ مايكل مان، المؤلف المشارك للكتاب الجديد «Science Under Siege»، أن الهجمات على علوم المناخ تمثل محاولة محكومة بالفشل، في ظل تراكم الأدلة العلمية وازدياد وضوح آثار تغير المناخ على حياة الناس.

وقال إن هذه المحاولات تأتي في وقت يشهد فيه العالم موجات حرارة شديدة و«قبابًا حرارية» وحرائق غابات واسعة النطاق، وهي ظواهر يقول العلماء إنها تتفاقم بفعل الاحترار العالمي.

وأضاف أن تراكم الأدلة العلمية وازدياد شعور الناس المباشر بآثار تغير المناخ يجعلان هذه الجهود «محاولة خاسرة»، لكنه حذر في الوقت نفسه من أنها لن تتوقف بالضرورة.

الخلاصة

تأتي الضغوط المتزايدة على علوم المناخ الأمريكية في لحظة تتسارع فيها التغيرات البيئية عالميًا، من ارتفاع حرارة القطب الشمالي وذوبان الجليد إلى زيادة شدة موجات الحر والحرائق والظواهر الجوية المتطرفة.

وبينما يمكن للسياسات الحكومية أن تغير حجم التمويل والدعم المؤسسي للأبحاث، فإن إلغاء التقارير أو سحب الدراسات من المواقع الرسمية لا يلغي البيانات المناخية التي جُمعت على مدى عقود، ولا يغير الاتجاهات التي ترصدها القياسات العلمية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة