وجهات نظر

د.عاطف معتمد: الأنفس المنطفئة!

أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة

جاءنا صديق صحفي يعمل في الخارج من سنوات طويلة، وزار بعضا من أصدقاء الشباب في عدد من الجامعات، وكنت آخر من قابل بالأمس قبيل تحركه إلى المطار.

بادرني بسؤال مفاجئ: “لماذا أرى أرواحا منطفئة في الجامعات؟

تلعثمت في الإجابة، ولم يكن هناك من وقت لتقديم نقاش يروي العقول في اللقاء الخاطف.

سأفكر هنا بصوت مكتوب لعلي أصل إلى شطر من الإجابة.

أولا:

– تبدو الأرواح المنطفئة في الوجوه الشاحبة والعيون الشاردة والألسن الصامتة الحذرة. كما تبدو في غياب الابتسامة، وبعض من التجهم والترقب والتشكك، وتبدو أحيانا في عدم المبالاة والفتور من عدم انتظار حدوث شيء له معنى.

– ويبدو الانطفاء في اختيار ملابس عادية لا تميز أستاذ الجامعة، ملابس من زمن فات أحيانا، أو غير متناسقة، واللاتناسق يرمز إلى التماهي مع الفوضى واللانظام في الشارع والفضاء الجغرافي العام.

يبدو الانطفاء في غياب مسحة من رشاقة ولياقة بدنية.

وهذه المظاهر الثلاثية لا تستوقفنا في أي وظيفة أخرى. فهي منتشرة في كل القطاعات الحكومية وفي الشارع والمواصلات والنوادي والشركات.

وكأن أستاذ الجامعة شخص لا يعيش في هذا المجتمع، وكأنه في طبقة اجتماعية أخرى وفي حيز مكاني منعزل لا يتعرض لما يتعرض له بقية المجتمع.

وتفسير الأمر هنا بسيط جدا: لم يعد أستاذ الجامعة يختلف عن أي شريحة أخرى من شرائح المجتمع في أسبابه الشكلية والمظهرية.

ثانيا:

إذا سلمنا بفرضية الصديق الزائر بأنه يرى أرواحا منطفئة فهذا يعني أنه كان يراها من قبل متوهجة أو منيرة كالمصابيح.
والمصباح ينير إذا توفرت له سبل الإنارة.

القنديل القديم كان لابد له من زيت، والمصباح الكهربائي لابد له من زيت أيضا من بترول أو غاز أو موارد طاقة متجددة مثل المياه الجارية السيارة أو الرياح المنتظمة الدوارة.

في كل حال لا إنارة من دون مصدر طاقة آمن وإلا انطفأت القناديل.

بعض من مصادر الطاقة استقرار اجتماعي وأسري وإشباع عاطفي.

بعض منه إيمان بفكرة أو أيديولوجية هادية للحياة.

بعض من الطاقة موارد مالية تعين على تكاليف المعيشة وتحقق الشعور بالقدرة والكفاءة على تلبية نفقات الأبناء.

بعض من الطاقة شعور لدى الأستاذ أنه بمجرد دخوله أسوار الجامعة أصبح إنسانا يختلف عن بقية الناس من خارج الأسوار، فقد أصبح هنا في قصره ومملكته، هنا سيصبح محل تقدير واحترام وإجلال من طلابه، وأن ما يقدمه لهم من محاضرات ومؤلفات لا تتوفر لهم من دونه.

أما إذا شعر الأستاذ أنه غريب وأن الجامعة مكان مؤقت لابد أن يغادره بسرعة، وأنها مكان غير مضياف لا يقدم موئلا فقد فقدت الجامعة حضانتها وفقد الأستاذ علاقته العضوية بقصره الذي كان يحلم بأن يمرح فيه وهو طالب بين الطلاب.

تستمد الأنفس الطاقة الروحية من العلاقة المقدسة بين الأستاذ والطالب، حيث الأستاذ مصباح منير، يرى أثر شعاع ضوئه على الطلاب حين تنتعش وجوههم وتلمع أعينهم ويعرفون أنهم يأخذون من الأستاذ أسباب العثور على فرصة عمل في المستقبل.

دعنا نضع الأمر بحروف بارزة ، نحن الآن في عام 2024 الطلاب لن يجلسوا أمام الأستاذ ليعجبوا بكلامه المنمق، ولا قدرته على الحديث الخطابي، الطلاب أبناء جيل جديد، أبناء عصرهم، صحيح أنهم سيكونون سعداء إذا كان الأستاذ مصباح فكري لكنهم سيكونون سعداء أكثر وأكثر إذا هداهم إلى الطرق والوسائل والمهارات التي تساعدهم على الأخذ بأسباب الرزق ليتمكن الواحد منهم بعد التخرج من بناء أسرة ويكسب مالا يواجه به صعوبات الحياة ويشق طريقه يبني أسره ويشارك في المجتمع.

لو تحدثنا بلسان الجيل الحالي من الشباب لقلنا إن قيمة الأستاذ اليوم في قدرته النفعية والعملية والبراغماتية…مع قليل لا بأس به من قيمة فكرية وروحية.

ثالثا:

تهتم الجامعات بتطبيق برنامج شكلي اسمه “الجودة”، وهو كلمة حق يراد بها باطل في هذه السنوات، يهدر الوقت ويعطل الطاقات ويراكم أكوام من الأوراق ويهتم بالشكل دون المضمون.

في هذا البرنامج لابد أن تكون كل الأوراق سليمة، والمعايير مطبقة، والشكليات مكتملة حتى تحصل الكليات على “اعتماد” الجودة.

لم يهتد رجل رشيد إلى البحث عن “جودة نفسية” أخرى لأساتذة الجامعات، ولم يسأل عن أسباب الانطفاء لمحاولة وضع حلول لها.

نحتاج إلى مكاشفة ثورية لعلاج الانطفاء يتحمل فيها الفاعلون مسؤولياتهم.

الأساتذة ليسوا ملائكة وضحايا والجامعة هي الجاني دوما وفي كل حال.

أول خطوة ان يعترف المخطئ بانه على خطأ، ولكي يعرف الضحية أنه مشارك في الجناية لابد له من مكاشفة ونقاش مفتوح حر نتحمل فيه المسؤولية بحوار جماعي وليس بقرارات فوقية.

هناك من الأساتذة من توقف عن تطوير نفسه وغرق في التدريس المتخلف عن زمنه وإعادة تدوير المعلومات القديمة.

هناك من الأساتذة من خلط الانتماء السياسي بالعمل الجامعي، فلما انهزم تياره السياسي انهزم معه وأصبح قعيدا لا يريد فعل شيء من عشر سنوات.

وهناك أسوأ من هؤلاء المهزومين، أولئك الذين ركبوا الموجة وقفزوا في أي مركب متجهة في أي وجهة، طالما ستحقق الربح والمال والمنصب.

كل هذه أمراض وسلوكيات خاطئة وإفساد للتعليم والعلم في الجامعة.

لا يجب أن يكون في الجامعة مهزوم ورابح في العملية السياسية، السياسة تتغير والمهزوم قد يصبح رابحا والرابح اليوم سينهزم غدا.. وهكذا الحياة دول.

الجامعة لا يجب أن ترتهن للمناورات السياسية لأنها تفسد العقول وتوغر الصدور وتسمم الأرواح .. وتطفئ المصابيح.

رابعا:

التعليم هو الحل، لأن الجامعة القوية الحرة المستقلة الاحترافية ستقدم خريجين يبنون المجتمع وينهضون به.

أستاذ الجامعة هو القاطرة الأساسية في هذا الحل، وإذا كان من الصعب إصلاح أمور الجيل الأكبر فلتكن البداية الصحيحة مع جيل الشباب من أول وظيف معيد (أستاذ المستقبل) بأن نوفر لهم ضمانين:

أن يترك في حاله العلمي دون توجيه سياسي أو استقطاب ووعد ووعيد.

– ألا يرهق بأوراق الجودة وأعمال الامتحانات، يجب أن يرهق دوما بالورش العلمية والتدريبات والتطوير الذاتي والتأهيل العلمي مدفوع الأجر من الجامعة مع توفير راتب مناسب لا يشغله عن عمله العلمي ليكون أستاذا جديرا محترفا يساهم في تخريج طلاب قادرين على الانخراط بنجاح في سوق العمل والمساهمة في إنقاذ الاقتصاد الوطني.

خامسا:

أما الأجيال الأكبر عمرا فأوصي نفسي وأوصيهم بنصيحة عباس العقاد التي عبر عنها في استعراض مسيرة حياته وأسباب نجاحه حين قال:وبواعثك أولى بالعناية من غاياتك

والعقاد يقصد ألا يهتم المرء بتحقق النتائج بقدر اهتمامه بالأسباب التي تبعث في نفسه العمل والعطاء.

الاهتمام بالبواعث يحافظ – لأطول فترة ممكنة – على الأرواح دون انطفاء، أو فلنكن واقعيين، رعاية البواعث الروحية يعيد إليها نورها إذا انطفأت..وما أكثر أن يحدث ذلك !

نقلا عن صفحة الدكتور عاطف معتمد الشخصية على فيس بوك 

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading