وجهات نظر

د.عاطف معتمد: هل الجغرافي العربي قابل لتصديق نظرية المؤامرة؟

أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة

تمثل نظرية المؤامرة عقبة كبيرة أمام العقل في استيضاح كامل صورة الصراع الدولي، فهي لا ترى في الأزمات الداخلية من أعطاب وعيوب وخلل بنيوي إلا نتاج تآمر العالم على هذا الوطن أو ذاك.

تصيب نظرية المؤامرة معتنقيها بحول في النظر، فبدلا من توجه الأعين إلى أسباب التأخر والتخلف والاستبداد في البنية الدينية والقومية والعرقية والقبلية والعشائرية والطائفية، إذ بها توجه أصابع اللوم إلى المتآمرين في الخارج.

كيف يقع الجغرافي العربي في فخ نظرية المؤامرة؟ ولماذا؟

في عالمنا العربي وقف علم الجغرافيا الحديث على قدميه في الربع الأول من القرن العشرين، ففي عام 1925 تأسس قسم الجغرافيا في جامعة القاهرة، وحصل الجغرافي الرائد الملهم “محمد عوض محمد” على أول دكتوراه عربية في الجغرافيا في تلك الفترة، وصدر له واحد من أهم الكتب في الجغرافيا عام 1953 بعنوان “الاستعمار ..والمذاهب الاستعمارية”.

محمد عوض محمد هو الأب الشرعي لكثير من أفكار الجغرافيين اللاحقين ونعرف منهم جمال حمدان. حصل عوض على الدكتوراه من ألمانيا، وكان في شبابه ناشطا سياسيا مع سعد زغلول ومن بين رفاقه الذين نفوا معه إلى الخارج.

أجاد عوض ثلاث لغات أوروبية: الألمانية والفرنسية والإنجليزية، وعرف بعضا من اللغات واللهجات الأفريقية لا سيما حين أسس في جامعة القاهرة لاحقا معهد البحوث السودانية.

في كتابه عن الاستعمار عام 1953 كان عوض ابنا للتجربة الحية حين جرب كيف يدبر الاستعمار مقدرات الشعوب.

ومن ثقافته الفرنسية استشهد عوض ببعض أفكار كبار المفكرين الأوربيين الذين نتشدق بأسمائهم هنا من مصابيح العقل الإنساني، ومنهم مثلا منتسكيو في كتابه “روح القوانين”.

يقول منتسكيو – هذا “المصباح العقلي” التنويري – في كتابه:

“إذا طلب منى أن أدافع عن حقنا المكتسب لاتخاذ الزنوج عبيداً، فإني أقول: إن شعوب أوربا بعد أن أفنت سكان أمريكا الأصليين، لم تر بدا من أن تستعبد شعوب أفريقيا لكي تستخدمها في استغلال كل هذه الأقطار الفسيحة.

والشعوب المذكورة ما هي إلا جماعات سوداء البشرة من أخمص القدم إلى قمة الرأس، وأنفها أفطس فطساً شنيعاً، بحيث يكاد أن يكون من المستحيل أن ترثى لها.

ولا يمكن للمرء أن يتصور أن الله سبحانه وتعالى – وهو ذو الحكمة السامية – قد وضع روحاً – وعلى الأخص روحاً طيبة – في داخل جسم حالك السواد”.

بهذه العبارة الاستشهادية يبدأ عوض كتابه المهم عن الاستعمار في فترة التحرر عام 1953.

عوض هنا لا يجلس في غرفة مكيفة ويقرأ كلاما نظريا، بل خاض كفاحا مع أبناء جيله ضد الاستعمار البريطاني ورأى عنصريتهم وتعاليهم وتدبيرهم لتمزيق خريطة العالم الشرقي.

هذه هي النقطة الأولى وهي أن الجغرافيا الحديثة في عالمنا العربي وفي مصر قامت أساسا من رحم معاناة الاستعمار وتدابيره ومؤامراته.

في الجيل التالي لمحمد عوض محمد ظهرت مسألة القومية العربية التي كان العبقري جمال حمدان أكبر مروج لها، في ظل صعود الناصرية وانبثاق روح التحرر من الاستعمار.

لم يكن حمدان مؤمنا بالمؤامرة، لكنه كان مؤمنا بمعكوسها: أي القدرة الذاتية المصرية على تبوء مكانة قوية على المسرح الإقليمي والعالمي.

مشروع حمدان الفكري اصطدم بنكسة يونيو 1967، لكنه كان يؤمن بأنها نكسة وليست هزيمة ساحقة منبطحة، وفي غضون 6 سنوات من النكسة جاء نصر أكتوبر 1973 ليبدد عار الهزيمة، لكن معاهدة سلام السادات مع إسرائيل وتسليم الملف للولايات المتحدة ضرب أحلام القوة الذاتية لمصر عند حمدان في مقتل، وكانت آخر أفكار حمدان مرتبطة بهذه الأجواء المحبطة القاتلة للمشروع النهضوي الوطني العروبي: نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات.

تعززت نظرية المؤامرة في جيل ما بعد حمدان ولا سيما في مطلع التسعينيات حينما ارتكب صدام حسين الحماقة التاريخية التي أدخلت المنطقة كلها إلى نفق كارثي باستدراجه لغزو الكويت في أغسطس 1990.

كل ما ترتب على غزو الكويت يشير إلى خطة محكمة للسيطرة على دول الخليج العربي، فقد ترتب عليها زرع القواعد العسكرية الأمريكية في كل حدب وصوب، حتى أن دولا عربية في الخليج تجدها تحتضن أكبر قواعد أمريكية في الشرق الأوسط وتطالب في نفس الوقت بالحق العربي في التحرر وحقوق فلسطين!!

بعد عقد من حماقة صدام الكبرى دبر لنا المشهد الدولي ما صار يعرف باسم “أحداث 11 سبتمبر 2001 ” وتكالبت القوى الاستعمارية على عالمنا العربي والإسلامي رافعة راية جديدة قال عنها الأمريكيون إنها حملة صليبية، وغضبوا منا لأننا ترجمناها “صليبية” وقالوا إنهم يقصدون حملة جماعية لنصرة السلام!

في هذه الحملة “المناصرة للسلام” – التي ترجمناها خطأ بحملة صليبية- تم تدمير العراق وتفتيت سوريا وإحكام الخناق على دول الخليج العربي وابتزازها وتخويفها بإيران وكانت النتيجة عملقة إسرائيل.

إن الجغرافي العربي الذي يعمل عقله فيما جرى في المشهد اللبناني والعراقي والسوري والأردني والخليجي، يرى تكالبا مدهشا على استعمار هذا الإقليم والإبقاء عليه بعد زمن طويل من الاستعمار التقليدي، الأمر الذي يرجعه مرة أخرى إلى الأفكار القديمة عن الاستعباد والعنصرية والتمييز التي كان محمد عوض محمد قد استهل بها دراساته ومؤلفاته.

هذا عن الحقائق السياسية والتاريخية: أين إذن الخلل في عقل الجغرافي العربي؟!

يعاني الجغرافي العربي من صعوبة توجيهه أصابع اللوم إلى المشاكل الحقيقية في الداخل.

لا يخشى الجغرافي العربي هنا من بطش السلطة فحسب، بل يخشى من الصدام مع الملفات النارية في الإقليم المشتعل، ملفات مذهبية بين السنة والشيعة، وعرقية بين العرب والكرد، والعرب والأفارقة، والعرب والبربر، والعرب والفرس، بل وملفات داخل البناء التشريحي لكل واحدة من هذه الطوائف والأعراق..والملل والنحل.

وعلينا أن نفرق بداية بين نوعين من الجغارفة:

– الجغرافي المفكر الذي يجلس في بيته لديه مصدر مستقل ولا يخشى على نقد أفكاره من فقدان وظيفة، وهذا النوع يمثل 1 % من إجمالي عدد الجغرافيين في عالمنا العربي. ولو أن لدينا مثلا 5 آلاف بروفيسور في الجغرافيا في العالم العربي (وهو رقم ضئيل جدا بالحجم السكاني) فإن عددا لا يتجاوز اليد الواحدة ينتمي إلى هذه الفئة.

– الجغرافي الموظف أو الجغرافي المهني – والذي ينتمي إليه كاتب هذه السطور وجيله- ممن يعيشون خائفين على الرهائن. والرهائن التي أقصدها لا تعني الارتهان للرزق والأمن فحسب، بل رهائن على سبيل الأمانة وهم طلاب الجامعة الذين يستمعون المحاضرات ويتلقون الدروس وليس لهم ذنب أن يخسر الجغرافي وظيفته وأمنه لكي يكتب ويؤلف ويتكلم في موضوعات حقيقية وشائكة ونارية.

في ظل هذه المخاطر والملابسات، ليس لدى الجغرافي العربي فرصة للتفكير بحرية والكتابة بحرية وتفنيد نظرية المؤامرة ونقد ذاته وأفكاره.

وبناء على كل ما تقدم، بداية من الأفكار العنصرية التي روجها مصابيح العقل الأوروبي ضد الإنسان العربي والإفريقي وترجمها محمد عوض محمد من كتاب روح القوانين، وانتهاء بالمشاركة العالمية الدولية والإقليمية في تدمير شعوب وجماعات ومحو أقاليم من خريطة المنطقة العربية، يصبح الجغرافي العربي مستعدا بكل سهولة للتحليل التآمري، وفي كثير من الأحيان لا يعرف أنه ابن هذا التحليل ومروج له فاتحا الأعين على قوى الخارج …وغاضا الطرف عن أسباب الداخل ذات العيوب البنيوية التكوينية.

نقلا عن صفحة الدكتور عاطف معتمد الشخصية على فيس بوك

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading