سيناريوهات المناخ الجديدة تضيق نطاق الاحترار المتوقع.. لكنها لا تستبعد أن تجاوز 4 درجات مئوية
الطاقة النظيفة تغيّر حسابات الاحترار العالمي.. ومخاطر المناخ الشديدة لا تزال قائمة
كشفت التحديثات الجديدة لسيناريوهات الانبعاثات المناخية العالمية، المعروفة باسم CMIP7، عن تحول مهم في تقديرات الاحترار حتى نهاية القرن؛ إذ أصبح نطاق التقديرات المركزية أضيق مقارنة بالجيل السابق من السيناريوهات، مع انخفاض الحد الأعلى للسيناريوهات المرجعية، في حين لم يعد تجنب تجاوز مستوى الاحترار البالغ 1.5 درجة مئوية واقعيًا وفق المسارات الجديدة، حتى مع اتخاذ إجراءات قوية لخفض الانبعاثات.
ولا تعني هذه النتائج أن العالم أصبح في مأمن من الاحترار الشديد؛ إذ يحذر البرنامج العالمي لأبحاث المناخ من أن ارتفاع درجات الحرارة بأكثر من 4 درجات مئوية بحلول عام 2100 لا يزال ممكنًا في ظل بعض أوجه عدم اليقين المرتبطة بحساسية النظام المناخي والتفاعلات بين المناخ ودورة الكربون.
وتكتسب التحديثات أهمية تتجاوز الأبحاث المناخية؛ لأنها ستسهم في إعداد التقرير التقييمي السابع للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، كما يمكن أن تؤثر في كيفية تقييم البنوك والمؤسسات المالية والشركات للمخاطر المناخية، إذا اعتمدت الجهات التي تستخدم هذه السيناريوهات التقديرات الجديدة في اختبارات الضغط والتخطيط طويل الأجل.

ما الذي تغير في سيناريوهات CMIP7؟
تعتمد سيناريوهات CMIP7، وهي المرحلة السابعة من مشروع مقارنة النماذج المناخية، على مسارات جديدة لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، تأخذ في الحسبان التطورات التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب السياسات المناخية واتجاهات استخدام الطاقة.
وبحسب تحليل نشرته مؤسسة «أوكسفورد إيكونوميكس»، تقلص نطاق التقديرات المركزية لارتفاع درجات الحرارة بحلول عام 2100 من نحو 1.5 إلى 4.7 درجة مئوية في مجموعة سيناريوهات CMIP6 السابقة، إلى نحو 1.6 إلى 3.3 درجة مئوية في السيناريوهات الجديدة.
ويعكس هذا التغير إعادة تقييم لمسارات الانبعاثات الأكثر تطرفًا، في ضوء انخفاض تكاليف الطاقة المتجددة، وتباطؤ نمو الطلب العالمي على الفحم، وزيادة الاستثمارات في الطاقة النظيفة.
لكن هذا النطاق لا يمثل سقفًا مضمونًا للاحترار المستقبلي، ولا يعني استبعاد جميع الاحتمالات الأعلى؛ إذ يشير البرنامج العالمي لأبحاث المناخ إلى أن أوجه عدم اليقين في استجابة النظام المناخي قد تدفع الاحترار إلى ما فوق 4 درجات مئوية بحلول نهاية القرن.
ومن ثم، فإن انخفاض التقدير المركزي للسيناريو الأعلى لا يلغي أهمية الاستعداد للمخاطر المناخية شديدة التأثير، حتى إذا كانت احتمالات وقوعها أقل.

لماذا لم يعد تجاوز 1.5 درجة مئوية قابلًا للتجنب؟
في الطرف الأقل انبعاثًا، تكشف السيناريوهات الجديدة عن مشكلة مختلفة؛ فالتخفيضات السريعة والعميقة للانبعاثات التي افترضتها بعض السيناريوهات السابقة لم تتحقق بالسرعة المطلوبة خلال السنوات الأخيرة.
ونتيجة لذلك، لم يعد المسار الأكثر تفاؤلًا في مجموعة CMIP7 يفترض إمكانية إبقاء الاحترار العالمي دون 1.5 درجة مئوية طوال الفترة المقبلة. وبدلًا من ذلك، تستكشف السيناريوهات إمكانات الحد من تجاوز هذا المستوى، ثم خفض درجات الحرارة لاحقًا إذا أمكن تحقيق انبعاثات سالبة صافية، أي إزالة كميات من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي تفوق الكميات المنبعثة.
ويوضح البرنامج العالمي لأبحاث المناخ أن السيناريو الأقل انبعاثًا قد يتجاوز مستوى 1.5 درجة مئوية بنحو 0.2 إلى 0.3 درجة مئوية على الأقل، قبل العودة إلى هذا المستوى بحلول نهاية القرن.
ويتطلب هذا المسار تخفيضات سريعة في الانبعاثات، إلى جانب الاعتماد على نطاق واسع على تقنيات إزالة الكربون والحلول القائمة على الطبيعة. ولا تزال قدرة هذه الحلول على التوسع بالسرعة والحجم المطلوبين موضع تحديات تقنية واقتصادية وعملية.
وهنا تكمن الرسالة الأساسية: تجاوز 1.5 درجة مئوية لا يعني التخلي عن جهود الحد من الاحترار، بل يجعل سرعة خفض الانبعاثات وحجم التجاوز ومدته عوامل أكثر أهمية في تحديد الأضرار المستقبلية.

سيناريو متوسط جديد يستند إلى السياسات القائمة
من التغييرات المهمة أيضًا أن السيناريو المتوسط في CMIP7 أصبح يستند إلى السياسات المناخية المنفذة حتى عام 2025، بدلًا من المقارنة بخط أساس افتراضي يفترض غياب السياسات المناخية.
ويساعد هذا التغيير على بناء مقارنة أكثر واقعية بين المسار الذي قد ينتج عن استمرار السياسات الحالية، والمسارات التي تتضمن تشديد الإجراءات المناخية أو التراجع عنها.
كما تغيرت طريقة تسمية السيناريوهات؛ إذ أصبحت تعكس اتجاهات الانبعاثات بصورة مباشرة، من «مرتفع» إلى «منخفض إلى سلبي»، بدلًا من الاعتماد على الرموز الفنية السابقة المرتبطة بالمسارات الاجتماعية والاقتصادية ومستويات التأثير الإشعاعي.
وتسعى هذه التسمية إلى جعل السيناريوهات أسهل فهمًا واستخدامًا لدى الباحثين وصناع السياسات والمؤسسات التي تحتاج إلى مقارنة نتائجها.

كيف تؤثر التحديثات في البنوك والشركات؟
لا تقتصر أهمية CMIP7 على توقع درجات الحرارة؛ إذ تعتمد المؤسسات المالية والشركات على السيناريوهات المناخية لتقدير المخاطر التي قد تواجه الأصول والاستثمارات وسلاسل الإمداد والأنشطة الاقتصادية.
وتستخدم المؤسسات المالية هذه المسارات في اختبارات الضغط المناخي، التي تحاول تقدير مدى قدرة المحافظ الاستثمارية والأنظمة المالية على تحمل آثار الاحترار، أو التحولات السريعة في السياسات وأسواق الطاقة.
وقد يؤثر تحديث السيناريوهات في الافتراضات المستخدمة لتقييم المخاطر المادية، مثل موجات الحر والفيضانات والجفاف، وكذلك مخاطر التحول المرتبطة بتسعير الكربون والتكنولوجيا والطاقة والسياسات التنظيمية.
لكن تضييق نطاق التقديرات المركزية لا يعني أن البنوك والشركات يمكنها خفض استعدادها للمخاطر تلقائيًا. فالسيناريوهات المرتفعة تظل مفيدة لاختبار قدرة المؤسسات على مواجهة أحداث أقل احتمالًا، لكنها قد تكون شديدة التأثير إذا وقعت.
وتؤكد «أوكسفورد إيكونوميكس» أنها ستواصل الاحتفاظ بسيناريوهاتها عالية الانبعاثات، التي تصفها بأنها «كارثة مناخية» و«ضائقة مناخية»، لاستخدامها في اختبار المخاطر الطرفية، بما يشمل احتمال حدوث نقاط تحول مناخية أو إخفاق السياسات في تحقيق أهدافها.

لماذا لا تغير «أوكسفورد إيكونوميكس» سيناريوهاتها الآن؟
تنتج المؤسسة خمسة سيناريوهات مناخية طويلة الأجل وسيناريوهين قصيري الأجل، وتحدثها كل ثلاثة أشهر، مع ارتباط أربعة من السيناريوهات طويلة الأجل بإطار شبكة تخضير النظام المالي (NGFS).
وتتراوح تقديرات الاحترار في سيناريوهاتها طويلة الأجل بين 1.5 و4.5 درجة مئوية بحلول عام 2100. وترى المؤسسة أن التحديث الجديد لا يستدعي في الوقت الحالي تغييرات جوهرية في هذه المجموعة، رغم أنه قد يؤثر في المنهجية التي تطورها لتحديد احتمالات السيناريوهات المختلفة.
وتشير المؤسسة إلى أن سيناريوها الخاص بالوصول إلى صافي انبعاثات صفريّة يعتمد بدرجة أقل على التوسع التكنولوجي في إزالة الكربون، وبدرجة أكبر على التحولات في الطلب وأنماط الاستهلاك، بهدف الحد من الاحترار.
ويستند هذا النهج إلى أن إدارة الكربون وإزالته يمكن أن تؤديا دورًا مهمًا في خفض الانبعاثات، لكنهما لا تستطيعان أن تحلا محل التخفيضات العميقة والمباشرة للانبعاثات.
وتعتزم المؤسسة مراجعة افتراضاتها بعد صدور التحديث المقبل للسيناريوهات طويلة الأجل من شبكة تخضير النظام المالي، لضمان استمرار توافقها مع احتياجات عملائها في الإفصاح عن المخاطر وتقييمها.

ماذا تعني النتائج لمستقبل العمل المناخي؟
تقدم CMIP7 صورة أكثر تحديثًا لمسارات الانبعاثات المحتملة، لكنها لا تقدم ضمانًا بشأن مستوى الاحترار الذي سيبلغه العالم. فالنتائج تعتمد على السياسات المستقبلية، وتطور التكنولوجيا، وسرعة التحول في نظم الطاقة، ومدى قدرة المجتمعات على تقليل الانبعاثات وإزالة الكربون من الغلاف الجوي.
كما أن انخفاض الحد الأعلى للتقديرات المركزية لا يعني اختفاء مخاطر الاحترار الشديد؛ إذ يمكن أن تؤدي أوجه عدم اليقين في حساسية المناخ والتفاعلات بين الغلاف الجوي والمحيطات والأنظمة الطبيعية إلى نتائج أشد من التقديرات المركزية.
وفي المقابل، فإن صعوبة تجنب تجاوز 1.5 درجة مئوية لا تجعل خفض الانبعاثات أقل أهمية، بل تزيد الحاجة إلى تقليل مقدار التجاوز ومدته، والحد من الأضرار التي قد تصيب النظم البيئية والأمن الغذائي والمياه والصحة والاقتصاد.
وتكمن القيمة العملية للسيناريوهات الجديدة في أنها تساعد على اتخاذ قرارات أفضل في ظل عدم اليقين، لا في اختيار توقع واحد والتعامل معه باعتباره مستقبلًا محسومًا. وبالنسبة إلى الحكومات والمؤسسات المالية والشركات، يظل التخطيط لمجموعة واسعة من النتائج المناخية، بما فيها السيناريوهات الأقل احتمالًا والأشد ضررًا، جزءًا أساسيًا من الاستعداد للمستقبل.





