سترة ذكية تستخرج مياه الشرب من الهواء مباشرة.. ابتكار قد يغير حياة الملايين
وداعًا للعطش في الصحراء.. جاكيت جديد يحول رطوبة الهواء إلى مياه صالحة للشرب

سترة ذكية تحصد مياه الشرب من الهواء وتمنح الأمل لمواجهة ندرة المياه
في إنجاز علمي قد يغير مستقبل الوصول إلى المياه النظيفة، نجح مهندسون من جامعة تكساس في أوستن في تطوير سترة ذكية قادرة على جمع مياه الشرب مباشرة من الهواء المحيط وتحويل الرطوبة الجوية إلى مصدر متنقل للمياه، ما قد يوفر حلاً عمليًا للملايين في المناطق الجافة والمحرومة من البنية التحتية المائية.
ويأتي هذا الابتكار في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بندرة المياه والتغيرات المناخية، حيث يسعى العلماء إلى تطوير تقنيات جديدة قادرة على توفير مصادر مياه مستدامة بعيدًا عن الأنظمة التقليدية المكلفة والمعقدة.
وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Science Advances، فيما كشفت دراسة موازية للفريق نفسه في مجلة Nature Water عن جهاز آخر حقق أرقامًا قياسية في إنتاج مياه الشرب من الهواء في ظروف مناخية مختلفة.
إعادة تصور حصاد المياه من الهواء
لطالما ارتبطت تقنيات حصاد المياه الجوية بأجهزة ثابتة وضخمة تتطلب تجهيزات خاصة ومساحات كبيرة للعمل.
لكن الباحثين في جامعة تكساس قرروا إعادة التفكير بالكامل في شكل هذه التكنولوجيا من خلال دمجها داخل الملابس اليومية.
ويقول البروفيسور جويهوا يو، أحد قادة المشروع ورئيس قسم الهندسة الميكانيكية في كلية كوكريل للهندسة، إن معظم أنظمة جمع المياه من الهواء تُصمم على هيئة صناديق أو ألواح أو وحدات امتصاص كبيرة الحجم، بينما كان الهدف من هذا المشروع هو تحويل التقنية نفسها إلى جزء من الملابس التي يمكن ارتداؤها بسهولة.
وأوضح أن جعل النسيج نفسه قادرًا على جمع الرطوبة من الهواء يفتح الباب أمام جيل جديد من حلول المياه الشخصية والمحمولة.

كيف تعمل السترة؟
تعتمد السترة على نسيج متطور مصمم خصيصًا لالتقاط بخار الماء الموجود في الهواء المحيط.
ويعمل هذا النسيج على امتصاص الرطوبة وتجميعها ثم توجيهها إلى وحدات حصاد قابلة للفصل مدمجة في تصميم الملابس.
وبعد امتلاء هذه الوحدات، يتم وضعها داخل جهاز تجميع قابل للطي وتسخينها لإطلاق المياه المختزنة داخل الألياف وتحويلها إلى قطرات قابلة للتكثيف والجمع.
وبهذه الطريقة تتحول رطوبة الهواء غير المرئية إلى مياه شرب نظيفة يمكن استخدامها مباشرة.
إنتاج يصل إلى 900 ملليلتر يوميًا
أظهرت التجارب الميدانية أن السترة قادرة على إنتاج ما بين 400 و900 ملليلتر من المياه الصالحة للشرب يوميًا، أي ما يعادل نحو نصف لتر إلى ما يقرب من لتر كامل، وذلك وفقًا لمستويات الرطوبة في البيئة المحيطة.
ورغم أن هذه الكمية قد لا تلبي الاحتياجات اليومية الكاملة للفرد، فإنها تمثل مصدرًا مهمًا للمياه في الحالات الطارئة أو أثناء الأنشطة الخارجية الطويلة.
ويرى الباحثون أن التقنية يمكن أن تكون مفيدة بشكل خاص للمتنزهين والعدائين وعمال الزراعة وفرق الإغاثة والعسكريين والعاملين في المناطق النائية.
قفزة كبيرة في كفاءة حصاد المياه
أحد أبرز إنجازات الدراسة يتمثل في الكفاءة العالية للنسيج الجديد مقارنة بالمواد التقليدية المستخدمة في حصاد المياه الجوية.
فبحسب نتائج الاختبارات حقق النسيج تحسنًا يتراوح بين ثلاثة وعشرة أضعاف مقارنة بالأنظمة المتاحة حاليًا عند تطبيقه على نطاق عملي.
ويؤكد الباحث كيث جونستون أن سر هذا النجاح لا يكمن فقط في قدرة المادة على امتصاص الماء، بل في تصميم مسار متكامل يسمح بانتقال الماء بسرعة من بخار في الهواء إلى قطرات سائلة على سطح الألياف ثم إلى داخل النسيج نفسه.
وهذا التصميم يجعل التقنية قابلة للاستخدام الواقعي خارج المختبرات وفي التطبيقات القابلة للارتداء.

تطبيقات تتجاوز الملابس
لا يقتصر استخدام النسيج الجديد على السترات فقط.
فالفريق البحثي يخطط لتطبيق التقنية في مجموعة واسعة من المنتجات اليومية، تشمل حقائب الظهر والخيام والملاجئ المؤقتة ومعدات الرحلات والاستجابة للكوارث.
ويعني ذلك أن الأدوات التي يحملها الأشخاص معهم بشكل يومي قد تتحول مستقبلًا إلى مصادر متنقلة لإنتاج المياه من الهواء.
كما يمكن أن تساهم هذه التكنولوجيا في دعم المجتمعات البعيدة التي تعاني من محدودية الوصول إلى شبكات المياه التقليدية.
جهاز يحقق رقمًا قياسيًا عالميًا
بالتوازي مع تطوير السترة الذكية، تمكن الفريق البحثي من تطوير جهاز مستقل لحصاد المياه الجوية حقق نتائج لافتة خلال الاختبارات الميدانية.
ففي مناطق صحراوية جافة بولاية نيو مكسيكو الأمريكية، وكذلك في بيئات أكثر رطوبة بمدينة أوستن، استطاع الجهاز إنتاج نحو 1.3 لتر من المياه النظيفة يوميًا.
كما سجل معدل إنتاج بلغ 4.3 لتر من المياه لكل كيلوجرام من المواد الماصة للرطوبة يوميًا، وهو أعلى معدل تم تسجيله حتى الآن وفقًا للباحثين.
وتعتمد هذه التقنية على نسيج هلامي مائي متطور مصنوع من مواد حيوية مشتقة من الكتلة الحيوية، حيث يمتص بخار الماء من الهواء ثم يطلقه عند تسخينه بأشعة الشمس ليتم تكثيفه وجمعه بسهولة.
حل واعد للمناطق الأكثر عطشًا
تشير تحليلات الباحثين إلى أن المناطق التي ستستفيد أكثر من هذه التقنية تتطابق مع العديد من أكثر مناطق العالم معاناة من الإجهاد المائي.
وتشمل هذه المناطق أجزاء واسعة من شمال أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا ودول أفريقيا جنوب الصحراء.
ولهذا يرى العلماء أن التكنولوجيا الجديدة قد تمثل حلًا لا مركزيًا لإمدادات المياه، خاصة في الأماكن التي يصعب فيها إنشاء شبكات توزيع المياه أو تشغيلها بشكل مستدام.
من المختبر إلى الواقع
يأتي هذا الابتكار ضمن مشروع أوسع يعرف باسم AirGel، وهو نظام متكامل لحصاد المياه من الهواء حصل على الجائزة الكبرى لفئة الدراسات العليا في مسابقة المخترعين الجامعيين الوطنية لعام 2025 في الولايات المتحدة.
ويؤكد الباحثون أن الهدف النهائي لا يقتصر على تطوير أجهزة متقدمة، بل يتمثل في توفير حلول عملية قابلة للاستخدام اليومي تساعد البشر على مواجهة تحديات المياه المتفاقمة نتيجة النمو السكاني والتغير المناخي.
ومع استمرار تطوير هذه التقنيات وتحسين كفاءتها، قد تصبح الملابس والخيام والحقائب القادرة على إنتاج المياه من الهواء جزءًا من الحياة اليومية في المستقبل، لتمنح ملايين الأشخاص مصدرًا جديدًا للمياه النظيفة أينما كانوا.





