زراعة خارج الأرض.. فريق طلابي يختبر الطحالب لإنتاج محفزات حيوية للمحاصيل
الزراعة على القمر والمريخ تبدأ من الطحالب.. تقنية أمريكية لإغلاق دورة الكربون
في خطوة تجمع بين علوم الأحياء والزراعة والطاقة واستكشاف الفضاء، اختير فريق طلابي تقوده جامعة جنوب إلينوي كاربونديل، ضمن 15 فريقًا فقط من مختلف أنحاء الولايات المتحدة للتأهل إلى المرحلة النهائية من مسابقة AlgaePrize 2023-2025 التابعة لوزارة الطاقة الأمريكية.
ويعمل فريق AlgaeUnlocked، بقيادة سكوت دي. هاميلتون-بريم، الأستاذ المشارك في كلية العلوم البيولوجية بالجامعة، على تطوير مشروع قد يحمل تطبيقات مستقبلية تتجاوز حدود الأرض، من خلال توظيف الطحالب الدقيقة إلى جانب تقنية حاصلة على براءة اختراع، بهدف إنتاج محفزات حيوية ووقود حيوي.
وإذا نجح المشروع في تحقيق أهدافه، فقد تساعد الفكرة مستقبلًا في إنتاج المحاصيل داخل بيئات خارج الأرض، بما في ذلك البيئات التي قد تشبه تلك الموجودة على القمر أو المريخ.
وحصل الفريق على 10 آلاف دولار لمواصلة أبحاثه، بينما يضم طلابًا من جامعة جنوب إلينوي ومدرسة كاربونديل الثانوية المجتمعية. وتمكن الفريق من الوصول إلى المرحلة النهائية بعد منافسة شارك فيها نحو 50 فريقًا من مختلف أنحاء الولايات المتحدة.
الطحالب الدقيقة وتقنية لإعادة تدوير الكربون
تركز المسابقة على البحث عن طرق أكثر كفاءة لمعالجة الطحالب الدقيقة والاستفادة منها، وهو المجال الذي رأى فيه هاميلتون-بريم فرصة لدمج أبحاث الجامعة في مجالين مختلفين بهدف دعم استكشاف الفضاء مستقبلًا.
ويتمحور المشروع حول الجمع بين الطحالب الدقيقة وتقنية التحلل الحراري المائي التأكسدي (OHD)، وهي تقنية يمكن أن تساعد على تحويل المواد العضوية المعقدة إلى منتجات أبسط قابلة للذوبان في الماء.
ويرى هاميلتون-بريم أن الجمع بين التقنية والطحالب الدقيقة قد يساعد على إغلاق دورات الكربون، وإتاحة زراعة النباتات في تربة غير ملائمة بطبيعتها للزراعة، مثل تلك التي قد تواجهها بعثات بشرية مستقبلية على المريخ.
وقال إن تقنية التحلل الحراري المائي التأكسدي والطحالب الدقيقة يمكن أن تشكلا مزيجًا مناسبًا لإعادة تدوير العناصر ودعم نمو النباتات في البيئات التي قد تستضيف مستعمرات بشرية مستقبلية.

كيف تعمل تقنية التحلل الحراري المائي التأكسدي؟
تعتمد تقنية OHD على استخدام الحرارة والضغط والأكسجين والماء لتفكيك المواد العضوية المعقدة وتحويلها إلى منتجات بسيطة قابلة للذوبان في الماء.
وقد طوّر هذه التقنية كين أندرسون، مدير مركز أبحاث الطاقة المتقدمة في جامعة جنوب إلينوي، وهي تمثل أحد المحاور الرئيسية لشركته المنبثقة عن الجامعة Thermaquatica Inc.
ويشير أندرسون إلى أن استخدام الطحالب الدقيقة باعتبارها كتلة حيوية في عملية التحلل الحراري المائي التأكسدي مناسب بصورة خاصة، بسبب وجودها أصلًا في صورة معلقة في الماء.
وأوضح أن ما توصل إليه هاميلتون-بريم وطلابه هو أن معالجة الطحالب الدقيقة بتقنية OHD تنتج مادة يمكن استخدامها للمساعدة في زراعة أنواع أخرى من المحاصيل.
من المخلفات إلى دعم الزراعة في الفضاء
تكمن إحدى الأفكار الرئيسية للمشروع في الاستفادة من الموارد المتاحة داخل بيئة الاستيطان البشري مستقبلًا.
فالإنسان يحتاج، أينما كان، إلى الماء والأكسجين والطاقة للبقاء على قيد الحياة، وهي في الوقت نفسه عناصر تدخل في تشغيل عملية التحلل الحراري المائي التأكسدي.
ويرى أندرسون أن ذلك يفتح الباب أمام إمكانية استخدام التقنية في بيئات مختلفة، سواء على الأرض أو داخل محطة مستقبلية على المريخ.
وبحسب التصور البحثي، إذا تمكن البشر مستقبلًا من زراعة الطحالب الدقيقة على المريخ لإنتاج الأكسجين ومنتجات أخرى، فيمكن إعادة معالجة المخلفات الناتجة باستخدام تقنية OHD، ثم الاستفادة من المنتجات الناتجة في أنشطة أخرى، مثل دعم زراعة المحاصيل.
وبذلك يمكن أن تصبح التقنية جزءًا من نظام دائري لإعادة استخدام الموارد، بدلًا من التخلص من المخلفات باعتبارها نفايات نهائية.
تجربة زراعة الذرة والقنب وفول الصويا
يعتزم الفريق اختبار تأثير الطحالب الدقيقة المعالجة بتقنية OHD على ثلاثة محاصيل هي الذرة والقنب وفول الصويا.
وسيُزرع فول الصويا في تجارب تستخدم مواد تحاكي التربة أو الغبار الصخري القمري والمريخي (Regolith)، وهي مواد صُممت لتكون قريبة كيميائيًا من المواد الموجودة على القمر والمريخ.
وأوضح هاميلتون-بريم أن المادة التي تحاكي تربة المريخ تستثني مكونًا واحدًا هو البركلورات (Perchlorate)، وهي مادة مؤكسدة خطرة.
وتهدف التجربة إلى محاكاة سيناريو مستقبلي يقوم فيه رواد الفضاء بزراعة النباتات داخل قاعدة على القمر أو المريخ، باستخدام الطحالب الدقيقة ونظام OHD باعتبارهما جزءًا من منظومة إنتاج الموارد وإعادة تدويرها.
المحفز الحيوي ليس سمادًا
أحد المنتجات الرئيسية التي يهتم بها الفريق هو المحفز الحيوي (Biostimulant)، وهو مفهوم يختلف عن الأسمدة التقليدية.
وأوضح هاميلتون-بريم أن المحفز الحيوي ليس سمادًا بالمعنى التقليدي، وإنما مجموعة من المركبات، مثل المواد الهيومية والفولفات، التي يمكن أن تحفز نشاط البكتيريا الموجودة في التربة أو ترسل إشارات كيميائية إلى النباتات، بما يؤدي إلى تغييرات في نموها ووظائفها.
وقد تساعد هذه المركبات النبات على النمو بصورة أقوى، أو زيادة قدرته على تحمل الجفاف، أو مقاومة الأمراض، أو إنتاج مزيد من الثمار.
وهذا الجانب من المشروع يحمل أهمية خاصة للزراعة في البيئات القاسية، سواء على الأرض في ظل ظروف الإجهاد المناخي أو في البيئات الفضائية المستقبلية التي ستكون شديدة الصعوبة بالنسبة لنمو النباتات.
تجارب في الحقول والصوب والمعامل
لن تقتصر التجارب على البيئات المحاكاة للفضاء، إذ يخطط الفريق لاختبار المحاصيل في أكثر من بيئة بحثية.
وسيجري العمل على زراعة النباتات في الحقول البحثية التابعة لمزارع جامعة جنوب إلينوي، والصوب البحثية داخل الحرم الجامعي، إضافة إلى مختبر هاميلتون-بريم.
وستساعد هذه التجارب في تقييم تأثير المنتجات الناتجة عن معالجة الطحالب الدقيقة على نمو النباتات، قبل الانتقال إلى اختبارها في البيئات التي تحاكي الظروف الموجودة خارج الأرض.
الطريق إلى المنافسة النهائية
وبصفته أحد الفرق المتأهلة إلى المرحلة النهائية من مسابقة AlgaePrize، بدأ فريق AlgaeUnlocked الاستعداد لندوة بحثية مقررة في الفترة من 20 إلى 23 فبراير.
كما كان من المقرر أن يقدم الفريق أول ثلاثة تحديثات بحثية، يتكون كل منها من خمس صفحات، إلى الموقع الإلكتروني للمسابقة بحلول 19 يونيو، مع مواصلة العمل البحثي لمدة عام تقريبًا.
وكانت المرحلة النهائية من مسابقة AlgaePrize مقررة في الفترة من 11 إلى 13 أبريل 2025 في المختبر الوطني للطاقة المتجددة بمدينة غولدن في ولاية كولورادو، على أن تختتم بإعلان الفريق الفائز باللقب.
فريق متعدد التخصصات
ضم الفريق الأساسي عددًا من الطلاب والباحثين من تخصصات مختلفة، بما يعكس الطبيعة متعددة المجالات للمشروع.
وتولت هانا فيليبس، الطالبة في السنة الأخيرة بتخصص الأحياء الدقيقة، قيادة الفريق والتخصص في الطحالب الدقيقة.
أما أليسا زان، الطالبة في السنة الأخيرة بتخصص بيولوجيا النبات والبستنة، فتخصصت في المحفزات الحيوية.
وشارك مورجان رودن، الطالب في السنة الأخيرة بتخصص اللغة الإنجليزية، بصفته كاتبًا تقنيًا.
كما شارك شيتان سينج، طالب الدراسات العليا في تخصص الأحياء الدقيقة والجزيئية الحيوية والكيمياء الحيوية والزراعة، بصفته متخصصًا في الزراعة والطحالب الدقيقة.
وضم الفريق أيضًا أليكس بيشتل، طالب الدراسات العليا في الأحياء الدقيقة والجزيئية الحيوية والكيمياء الحيوية، الذي عمل باحثًا ميدانيًا، إلى جانب دانييل سنايدر، الطالبة في مدرسة كاربونديل الثانوية المجتمعية والباحثة الميدانية.
ويعكس المشروع محاولة لبناء منظومة زراعية مستقبلية لا تعتمد فقط على جلب الموارد من الأرض، بل تسعى إلى إعادة تدوير المياه والمخلفات والكتلة الحيوية وتحويلها إلى موارد جديدة يمكن استخدامها لإنتاج الغذاء والطاقة ودعم الحياة في البيئات القاسية.
ومع أن تطبيق هذه الفكرة على القمر أو المريخ لا يزال في نطاق البحث والتجارب، فإن المشروع يطرح تصورًا مهمًا لمستقبل الزراعة خارج الأرض: استخدام الكائنات الحية الدقيقة وتقنيات إعادة تدوير الموارد لتقليل الاعتماد على الإمدادات القادمة من الأرض.





