“ريفييرا غزة”.. خطة استثمارية أم غطاء لتصفية القضية؟
300 مليار دولار على أنقاض غزة.. مشاريع بمليارات الدولارات تواجه واقع الحرب والحصار
غزة بين مخططات الهندسة الديموغرافية وأوهام التنمية الاقتصادية
300 مليار دولار لمشاريع في غزة تثير جدلاً: استثمار أم تهجير مقنع؟ تقرير يكشف أبعاد الخطة ومآلاتها السياسية والاقتصادية.
هل يمكن أن تبني المليارات مستقبلًا على أنقاض المأساة؟ خطة غربية–إسرائيلية بقيمة 300 مليار دولار تزعم تحويل غزة إلى “ريفييرا اقتصادية” وسط ركام الحرب والحصار.
في ظاهرها استثمار ضخم، وفي باطنها، كما يرى الخبراء، مشروع لتصفية القضية وتهجير السكان مقابل المال.
بين الركام والدمار، وعلى وقع واحدة من أعتى المآسي الإنسانية المعاصرة، تتكشف خطة استثمارية غربية–إسرائيلية ضخمة.
في هذا التقرير، نكشف تفاصيل الخطة، ونتساءل: أي تنمية ممكنة قبل إنهاء الاحتلال ورفع الحصار؟
خطة “الريفييرا“: تجميل الحصار أم إعادة تشكيل غزة؟
تفاصيل المشروع تبدو في ظاهرها طموحة:
لكن خلف هذه المشاريع الجذابة تكمن معضلة أخلاقية صارخة، إذ تنص الخطة بشكل غير مباشر على تحفيز التهجير الطوعي مقابل المال، ما اعتبره الخبراء “محاولة لتطهير ديموغرافي مغلف بالمال والاستثمار“.
اللافت أن جهات مثل مجموعة بوسطن للاستشارات ومؤسسة توني بلير سارعت إلى نفي صلتها الرسمية بالخطة رغم ورود أسمائها، مؤكدة أن من تورط فعل ذلك “بصفة شخصية“، هذا يؤكد أنها مبادرة غير أخلاقية، لأن أي مشروع حقيقي كان ليحظى بتوقيع رسمي، لا بتصميمات مسربة وتنصل لاحق.
غزة بين الخراب والتصورات الحالمة
بينما تتداول بعض الأطروحات مشاريع «تنمية سياحية» و«تحويل غزة إلى ريفييرا شرقية»، ترسم تقارير المؤسسات الدولية صورة قاتمة تُظهر عمق الانهيار الاقتصادي والاجتماعي في القطاع.
ففي عام 2024، سجّل اقتصاد غزة انكماشًا تاريخيًا بلغت نسبته 83%، وفق البنك الدولي، في ظل عدوان عسكري مدمّر وحصار طويل الأمد، ما أدى إلى شلل شبه كامل في الدورة الاقتصادية.
أما الخسائر المادية المباشرة فقد قُدرت بنحو 29.9 مليار دولار، وتوزعت بين البنية التحتية والصحة والتعليم والطاقة، فيما بلغ معدل البطالة 80%، وهي من بين الأعلى عالميًا، بحسب تقارير أممية.
وعلى الصعيد الصحي، أعلنت منظمة الصحة العالمية عن خسائر تتجاوز 6.3 مليار دولار، مع تضرر 772 منشأة.
أمام هذه الأرقام، يرى عبد الكريم أن أي حديث عن تحويل غزة إلى وجهة استثمارية دون معالجة الجذور السياسية والإنسانية للأزمة يبقى محض وهم اقتصادي.
وكما يعبّر: «أهل غزة لا يحتاجون مشاريع استعراضية، بل حلولًا حقيقية تضمن الكهرباء والمياه والخروج من الحصار.»
من الربحية إلى الشرعية: الشركات أمام اختبار الأخلاق
يرى خبراء أن الشركات الدولية لم تعد تعمل وفق منطق الربح فقط، بل تخضع لمعايير المسؤولية البيئية والاجتماعية والحوكمة، ولكن «حتى المشاريع الربحية الكبرى باتت ملزمة بمعايير المسؤولية الاجتماعية، ولا يمكنها تجاوز القانون الدولي أو التورط في انتهاك حقوق الإنسان.»
ومحاولة بعض الشركات ورجال الأعمال الإسرائيليين اللعب على وتر الربح من خلال هذه المشاريع لن تصمد طويلًا أمام ضغط الرأي العام الدولي والمؤسسات القانونية.
من شارك من الشركات أو الأفراد سيدفع الثمن، حتى وإن تبرأت منهم مؤسساتهم لاحقًا.
الخطة العربية: الإعمار وفق شروط سياسية وإنسانية واضحة
يأتي هذا في وقت يتغاضي الغرب عن الخطة العربية المصرية التي حظيت بموافقة وتأييد عربي إسلامي وهي الخطة التي تقودها مصر، السعودية، الإمارات، والأردن، بدعم فلسطيني وتنسيق مع الأمم المتحدة، قُدرت تكلفتها بـ53 مليار دولار، وجاءت على مرحلتين:
كما تتضمن الخطة بندًا تنظيميًا أساسيًا: وحدة المرجعية الفلسطينية في إدارة الإعمار، من خلال لجنة تكنوقراطية تابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، تكفل شفافية التنفيذ وتوحيد المسار السياسي.
التنمية ليست بديلًا للحرية
ما تسوقه بعض الأطراف على أنه استثمار ضخم في غزة ليس سوى تصور مشوّه للتنمية، يُغيّب العامل السياسي ويُقايض الناس على بقائهم في وطنهم مقابل حفنة دولارات. فـ«الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من تهجير السكان، بل من إنهاء الحصار، وإحلال السلام، وتمكين الناس من تقرير مصيرهم»،.
إن اختزال القضية الفلسطينية في أرقام ومشاريع لا يعالج جذور المشكلة، بل يعمّقها.
الحديث عن استثمار بقيمة 300 مليار دولار في غزة، دون إنهاء الحرب ورفع الحصار، لا يعدو كونه وهمًا اقتصاديًا تغلفه لغة البزنس وتُسوقه النوايا الانتهازية. ومهما بلغت قدرة الخطة على الإقناع من الناحية الشكلية، فإنها تفتقر إلى الشرعية السياسية والأخلاقية والواقعية.
وفي النهاية “ نعم، يمكن بناء غزة، لكن ليس على أنقاض كرامة شعبها… ولا على جثث ضحاياها“.





