رقم قياسي عالمي.. إزالة 45 مليون كيلوجرام من البلاستيك من المحيطات والأنهار
نجاح غير مسبوق لمبادرة تنظيف المحيطات.. ملايين الكيلوجرامات من البلاستيك تم جمعها
نجحت إحدى أكبر مبادرات تنظيف المحيطات في العالم في إزالة أكثر من 45 مليون كيلوجرام من البلاستيك من الأنهار والمحيطات، مسجلة أكبر كمية موثقة جرى جمعها ضمن مبادرة تنظيف عالمية واحدة.
ويمثل هذا الإنجاز مؤشرًا على أن أنظمة التنظيف الهندسية واسعة النطاق يمكن أن تعمل بكفاءة على نطاق أكبر مما كان متوقعًا. لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على حجم المشكلة، إذ لا تزال كميات هائلة من البلاستيك تتدفق إلى البحار كل عام.
أين يتجمع البلاستيك؟
عبر الأنهار والسواحل وحتى داخل بقعة القمامة الكبرى في المحيط الهادئ، كشفت عمليات الجمع المتواصلة عن الأماكن التي يتراكم فيها البلاستيك العائم، إضافة إلى أفضل الطرق للوصول إليه وإزالته.
وقد وثّق المهندسون والعلماء في مؤسسة The Ocean Cleanup هذه الأنماط أثناء تشغيل حواجز مائية وأنظمة عائمة مصممة لالتقاط النفايات البلاستيكية المنجرفة.
ومع استمرار نشر هذه الأنظمة عامًا بعد عام، ارتفع إجمالي النفايات التي جرى جمعها تدريجيًا حتى تجاوز 45 مليون كيلوجرام من البلاستيك.
ويمثل هذا الرقم مستوى جديدًا من عمليات تنظيف المحيطات، لكنه يطرح أيضًا سؤالًا مهمًا حول كمية البلاستيك التي لا تزال تتدفق إلى البحر وتتجاوز أنظمة الجمع.

بداية المشكلة من اليابسة
تشير الدراسات إلى أن معظم البلاستيك الموجود في المحيطات يبدأ رحلته على اليابسة، ثم تنتقله الأنهار من المدن والمناطق المكتظة بالسكان إلى السواحل.
وقدرت دراسة علمية نُشرت عام 2021 أن أكثر من ألف نهر حول العالم مسؤول عن نحو 80% من انبعاثات البلاستيك النهرية عالميًا.
ولهذا السبب، بدأت مؤسسة تنظيف المحيطات في توسيع نطاق عملها ليشمل المدن بأكملها، بدلًا من التركيز على أجهزة فردية أو مصبات الأنهار فقط.
فحين يُنظر إلى المشكلة من هذا المنظور، تصبح عملية التنظيف مرتبطة بالبنية التحتية للمدن وإدارة النفايات، وليس مجرد إزالة النفايات من المياه.

برنامج المدن الثلاثين
أطلقت المبادرة برنامجًا يُعرف باسم برنامج 30 مدينة، يستهدف المدن الكبرى التي تسهم بشكل كبير في تسرب البلاستيك إلى المحيطات.
ومن بين هذه المدن مومباي ولوس أنجلوس، حيث تركز الجهود على الأنهار والسواحل وأنظمة إدارة النفايات التي تغذي البحار بالبلاستيك.
كما تلعب المناطق الساحلية دورًا مهمًا في هذه الجهود، إذ غالبًا ما تحتجز غابات المانغروف والشواطئ وحواف الشعاب المرجانية النفايات القادمة من اليابسة قبل أن تنجرف إلى عرض البحر.
وتحدد الجهات المحلية المسؤولة عن إدارة النفايات ما إذا كانت هذه المخلفات ستتحول إلى عبء إضافي أم ستُفرز وتُعاد تدويرها وتوثيقها ضمن سلاسل إعادة التصنيع.

داخل بقعة القمامة الكبرى
بعيدًا عن السواحل، لا تزال بقعة القمامة الكبرى في المحيط الهادئ تحتوي على أكثر من 100 مليون كيلوجرام من البلاستيك العائم بين هاواي وكاليفورنيا.
وغالبًا ما تبقى معدات الصيد القديمة والنفايات البلاستيكية الكبيرة عائمة لسنوات أو عقود قبل أن تتحلل تدريجيًا إلى جزيئات بلاستيكية دقيقة (الميكروبلاستيك).
وتشير الدراسات إلى أن إزالة هذه النفايات الكبيرة مبكرًا يقلل من احتمالات تحللها إلى جزيئات أصغر يصعب تتبعها أو إزالتها لاحقًا.
لكن المشكلة لا تزال قائمة، إذ تستمر بقعة القمامة في استقبال مواد بلاستيكية جديدة كل عام.
تحسين تقنيات التنظيف
لم يتحقق هذا الرقم القياسي من خلال اختراع واحد مفاجئ، بل نتيجة سنوات من تطوير التقنيات وتحسين طرق العمل.
فقد عمل الباحثون على تحسين مسارات الحواجز العائمة، وتطوير طرق فرز النفايات، وتسريع عمليات نقلها إلى اليابسة.
كما تطلبت الأنهار ذات الفيضانات والعواصف أنظمة أكثر صلابة وسرعة في التفريغ، بينما تحتاج عمليات التنظيف في المحيط إلى تركيز أعلى من النفايات لضمان كفاءة استهلاك الوقود.
وتشير التجربة إلى أن مواجهة المشكلات البيئية الكبرى لا تعتمد فقط على الجهد المبذول، بل أيضًا على التخطيط الدقيق والتحسين المستمر للتقنيات.

إعادة تدوير النفايات
بعد جمع النفايات، يجري نقلها إلى اليابسة حيث تُفرز وتُفصل المواد القابلة لإعادة التدوير.
وأعلنت المؤسسة في تحديث نشرته في نوفمبر أن فرقها تجمع في المتوسط نحو 53 كيلوجرامًا من النفايات كل دقيقة.
كما جرى تحويل جزء من هذه المخلفات إلى نحو 118 ألف كيلوجرام من الحبيبات البلاستيكية المعاد تدويرها التي يمكن استخدامها في تصنيع منتجات جديدة.
ولا يزيل ذلك الضرر الذي حدث بالفعل في البيئة، لكنه يمنع تحول عمليات التنظيف نفسها إلى مشكلة جديدة على اليابسة.

تنظيف المحيطات دون الإضرار بالحياة البحرية
أثارت عمليات تنظيف المحيطات منذ بدايتها تساؤلات علمية بشأن احتمال أن تعلق بعض الكائنات البحرية في الشباك أو الأنظمة المستخدمة لالتقاط البلاستيك.
غير أن دراسة علمية نشرت عام 2025 أشارت إلى أن المخاطر البيئية لهذه الأنظمة تبدو أقل من الأضرار التي يسببها البلاستيك نفسه.
ومع ذلك، حذر الباحثون من وجود بعض جوانب عدم اليقين، خصوصًا فيما يتعلق بالكائنات العائمة على سطح البحر والنظم البيئية الدقيقة المرتبطة بها.
الوقاية أم التنظيف؟
رغم الإنجاز الكبير الذي تحقق، فإن الأرقام تظهر بوضوح أن عمليات التنظيف وحدها لن تكون كافية.
فحتى في عام قياسي، تظل الكميات التي تدخل المحيطات يوميًا أكبر بكثير مما يمكن جمعه.
لذلك يرى الخبراء أن الحل الحقيقي يكمن في تقليل تدفق البلاستيك من المصدر، عبر سياسات حكومية وتشريعات صناعية وتحسين أنظمة إدارة النفايات في المدن.
سباق مع الزمن
تعتمد الخطوات المقبلة على مدى قدرة البرامج الحضرية على الانتشار بسرعة، وعلى استمرار تطوير تقنيات التنظيف وخفض تكلفتها.
وتشير التجارب الأولى إلى أن مواقع الأنهار المختلفة تساعد في تطوير نماذج عمل يمكن تطبيقها لاحقًا في مدن أخرى حول العالم.
كما يمكن لبرامج العلم المواطن أن تسهم في تحسين البيانات المحلية حول مصادر التلوث البلاستيكي.
وفي النهاية، تبدو معركة تنظيف المحيطات اليوم أشبه بسباق بين العلم والهندسة والزمن.
فبينما يثبت الرقم القياسي الجديد أن عمليات التنظيف أصبحت قادرة على إحداث فرق حقيقي، فإنه يذكر أيضًا بأن الحل الكامل لن يتحقق إلا إذا انخفضت كميات البلاستيك التي تدخل المياه في المقام الأول.






This article came at the perfect time for me.