رئيس المؤتمر المقبل يدعو إلى زيادة الاستثمارات المناخية لتجنب الكوارث وخسائرها الاقتصادية.. والدول الجزرية تطالب بتمويل عادل وتسريع التخلص من الوقود الأحفوري
دعا مراد كوروم، وزير البيئة والتوسع العمراني وتغير المناخ التركي والرئيس المعيّن لمؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ COP31، الدول الغنية إلى زيادة إنفاقها على مواجهة أزمة المناخ إلى مستويات تتجاوز بكثير ما تخصصه للإنفاق الدفاعي، محذرًا من أن تغير المناخ لم يعد قضية بيئية فحسب، بل أصبح تهديدًا مباشرًا للأمن والاستقرار والاقتصادات والمجتمعات.
وقال كوروم إن الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي «الناتو» تعهدت بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، مدفوعة بمخاوفها بشأن الأمن القومي، بينما لا تزال الالتزامات المالية المخصصة لمواجهة تغير المناخ أقل بكثير من حجم المخاطر التي يفرضها على العالم.
وردًا على سؤال بشأن ما إذا كان ينبغي أن يصل الإنفاق المناخي إلى مستوى الإنفاق الدفاعي أو يتجاوزه، قال كوروم: «أكثر بكثير»، مؤكدًا أن مواجهة تغير المناخ يجب أن تحتل مكانة متقدمة في أولويات الحكومات، بالنظر إلى الأضرار التي قد تترتب على التأخر في اتخاذ الإجراءات الوقائية.
وأضاف، في تصريحات صحفية، أن «قضية المناخ هي نفسها قضية الأمن»، موضحًا أن الاستثمار في الوقاية قبل وقوع الكوارث أقل تكلفة بكثير من تمويل عمليات الاستجابة والتعافي وإعادة الإعمار بعد حدوثها.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تستعد فيه تركيا لاستضافة مؤتمر COP31 في مدينة أنطاليا خلال نوفمبر 2026، وسط ضغوط دولية لتعزيز التمويل المناخي، وتسريع خفض الانبعاثات، والتوصل إلى خطوات أكثر وضوحًا بشأن مستقبل الوقود الأحفوري.
COP31 في تركيا.. اختبار جديد لالتزامات الدول
جاءت تصريحات كوروم خلال الاجتماع التحضيري لمؤتمر المناخ COP31، الذي استضافته مدينة نادي في فيجي، بمشاركة مسؤولين ووزراء وممثلين عن المؤسسات الدولية والمجتمع المدني، في إطار الاستعدادات للمؤتمر الرئيسي المقرر عقده في تركيا.
وشهد الاجتماع حضور عدد من قادة دول المحيط الهادئ، إلى جانب نحو 30 وزيرًا ومسؤولين وممثلين عن دول كبرى، من بينها الصين والسعودية، فضلًا عن ممثلين للمؤسسات الدولية وآلاف المشاركين الآخرين.
وتولت أستراليا دور رئاسة المفاوضات في COP31، فيما تتولى تركيا استضافة المؤتمر ورئاسته، في ترتيب يضع البلدين أمام مسؤولية مشتركة لدفع المفاوضات الدولية وتحقيق تقدم في ملفات التمويل وخفض الانبعاثات والتحول في قطاع الطاقة.
لكن الاجتماع انعقد في ظل تحديات جيوسياسية وأزمات الطاقة والنزاعات المسلحة، إلى جانب استمرار الخلافات بشأن حجم التمويل الذي ينبغي أن تقدمه الدول الغنية للدول النامية، ومدى الالتزام بالتعهدات المناخية السابقة.
وتكتسب هذه الخلافات أهمية خاصة مع تزايد الفجوة بين حجم المخاطر المناخية التي تواجه الدول الأكثر ضعفًا، والموارد المتاحة لها للتكيف مع ارتفاع درجات الحرارة والجفاف والفيضانات وارتفاع مستوى سطح البحر.
العالم يتجه إلى احترار يتجاوز 1.5 درجة مئوية
تواجه المفاوضات المناخية ضغوطًا متزايدة في ظل استمرار ارتفاع الانبعاثات العالمية، إذ أشار تقرير حديث لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، وفقًا لما ورد في التغطية الصحفية، إلى أن الاحترار العالمي قد يصل إلى 1.8 درجة مئوية على الأقل حتى في أكثر السيناريوهات المستقبلية تفاؤلًا.
ويمثل هذا المستوى تجاوزًا للحد الطموح البالغ 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، الذي يسعى اتفاق باريس للمناخ إلى الحد من تجاوزه، نظرًا إلى المخاطر المتزايدة التي يفرضها ارتفاع درجات الحرارة على النظم البيئية والمجتمعات والاقتصادات.
وحذر التقرير من الحاجة إلى خفض سريع ومستدام للانبعاثات، مؤكدًا أن كل جزء من الدرجة يمكن تجنب ارتفاعه قد يسهم في إنقاذ الأرواح وتقليل الخسائر الاقتصادية والحد من الأضرار البيئية.
وتضع هذه التوقعات مؤتمر COP31 أمام اختبار مهم يتعلق بقدرة الدول على تحويل التعهدات المناخية إلى إجراءات فعلية، تشمل تسريع نشر الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، وتعزيز التمويل الموجه للتكيف، وتطوير خطط أكثر طموحًا لخفض الانبعاثات.
الدول الجزرية الصغيرة تطالب بتمويل مناخي عادل
كانت احتياجات الدول الجزرية الصغيرة في المحيط الهادئ من أبرز الملفات التي تصدرت الاجتماع التحضيري، في ظل تعرض هذه الدول لمخاطر متزايدة ناجمة عن ارتفاع مستوى سطح البحر والعواصف واشتداد الظواهر الجوية المتطرفة.
وخلال زيارة إلى توفالو، وهي دولة جزرية منخفضة الارتفاع يبلغ عدد سكانها نحو 10 آلاف نسمة، اطلع وفد من المشاركين على مشروع لاستصلاح الأراضي يمتد على مساحة 20 هكتارًا، واستمع إلى شهادات السكان بشأن تأثير ارتفاع المياه والعواصف على حياتهم اليومية ومستقبل مجتمعاتهم.
وتقع أجزاء واسعة من توفالو على ارتفاع يقارب مترين فوق مستوى سطح البحر، ما يجعلها من أكثر الدول تعرضًا لمخاطر ارتفاع المياه والعواصف البحرية والتغيرات المناخية المتسارعة.
وفي كلمة مؤثرة، تحدثت ميليلوسي سوكوتيا، البالغة من العمر 13 عامًا، عن مخاوف جيلها بشأن المستقبل، مشيرة إلى أن أحلام أصدقائها في أن يصبحوا معلمين وأطباء وبنّائين باتت مرتبطة بسؤال أساسي: هل سيتمكنون من النمو والعيش بأمان في وطنهم؟
وعكست هذه الشهادة البعد الإنساني لأزمة المناخ، التي لم تعد تقتصر على الخسائر الاقتصادية أو تدهور النظم البيئية، بل تمتد إلى الأمن المعيشي وحقوق الأجيال المقبلة وإمكانية استمرار المجتمعات في أراضيها.
وطالب قادة دول المحيط الهادئ خلال الاجتماع بضرورة إبقاء هدف الحد من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية في صدارة العمل المناخي، وتوفير تمويل يسهل وصول المجتمعات الفقيرة والأكثر ضعفًا إليه، إلى جانب إعطاء حماية المحيطات أولوية أكبر في المفاوضات الدولية.
الدول الجزرية تحصل على 0.2% فقط من تمويل المناخ
كشف وزير المناخ الأسترالي كريس بوين أن الدول الجزرية الصغيرة النامية تحصل على نحو 0.2% فقط من التمويل المناخي العالمي المخصص لمساعدتها على التكيف مع تغير المناخ، رغم أنها من أكثر الدول تعرضًا لمخاطره.
وقال بوين إن الدول الأكثر احتياجًا إلى التمويل، مثل توفالو، تحصل على أقل نصيب منه، معتبرًا أن هذا الوضع يجب أن يتغير، وأن تحسين وصول الدول الجزرية إلى التمويل يمثل أولوية رئيسية لمؤتمر COP31.
وتكشف هذه الأرقام عن أحد التحديات الأساسية التي تواجه التمويل المناخي الدولي، والمتمثل في الفجوة بين حجم الاحتياجات الفعلية للدول الأكثر ضعفًا، والموارد التي تصل إليها لتنفيذ مشروعات حماية السواحل والبنية التحتية وإدارة المياه وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة الكوارث.
وتحتاج الدول الجزرية الصغيرة إلى تمويل مشروعات طويلة الأجل، لا تقتصر على الاستجابة للكوارث بعد وقوعها، وإنما تشمل الاستعداد المسبق، وتحسين أنظمة الإنذار المبكر، وتطوير البنية التحتية القادرة على تحمل الظواهر الجوية المتطرفة، وحماية النظم البيئية الساحلية.
ويضع هذا التحدي الدول الغنية أمام مسؤولية أكبر، خاصة أن المجتمعات الأكثر عرضة لتأثيرات تغير المناخ ليست بالضرورة الأكثر مساهمة في الانبعاثات العالمية المسببة للاحتباس الحراري.
لماذا يرى رئيس COP31 أن الوقاية المناخية أقل تكلفة؟
يرتكز موقف كوروم على أن الاستثمار في الحد من المخاطر المناخية والتكيف معها يمكن أن يقلل الأعباء الاقتصادية التي تتحملها الدول بعد وقوع الكوارث.
فالكوارث المرتبطة بالمناخ قد تؤدي إلى تدمير المنازل والطرق وشبكات الكهرباء والمياه، وتعطيل الأنشطة الاقتصادية، وتراجع الإنتاج الزراعي، فضلًا عن تكاليف الإغاثة وإعادة الإعمار وتعويض المتضررين.
وفي المقابل، يمكن للاستثمارات الوقائية أن تشمل بناء بنية تحتية أكثر قدرة على تحمل الفيضانات والعواصف، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتحسين إدارة المياه، وتعزيز حماية السواحل، وتحديث خطط الاستجابة للطوارئ.
وقال كوروم إن الدول التي لا تنفق على الاستعداد قبل وقوع الكوارث قد تضطر إلى إنفاق أضعاف هذه المبالغ بعد حدوثها، مشددًا على أن الاستثمار المسبق أقل تكلفة من تحمل الخسائر لاحقًا.
ولا يعني ذلك أن الإنفاق الدفاعي والإنفاق المناخي يؤديان الوظيفة نفسها، وإنما يعكس الدعوة إلى التعامل مع تغير المناخ باعتباره أحد مصادر المخاطر الأمنية والاقتصادية التي تستلزم تخطيطًا وتمويلًا يتناسبان مع حجم التهديد.
الكهرباء والطاقة المتجددة في قلب مفاوضات أنطاليا
إلى جانب التمويل، يعتزم البلدان المضيفان التركيز خلال مؤتمر COP31 على حشد الدعم لهدف عالمي يقضي بتوفير 35% من الطاقة اللازمة لتشغيل المنازل والشركات والمصانع والمركبات من الكهرباء بحلول عام 2035، مقارنة بنحو 21% حاليًا، وفقًا للتصريحات الواردة في التقرير.
ويعكس هذا الهدف توجهًا نحو زيادة الاعتماد على الكهرباء في قطاعات النقل والصناعة والمباني، بما يتيح توسيع استخدام مصادر الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، شريطة أن يتزامن ذلك مع خفض انبعاثات قطاع الكهرباء وتطوير الشبكات وقدرات التخزين.
ويمثل التحول نحو الكهرباء أحد المسارات التي يمكن أن تساعد على خفض الانبعاثات في قطاعات متعددة، من خلال انتشار السيارات الكهربائية، واستخدام المضخات الحرارية، وتطوير العمليات الصناعية المعتمدة على الكهرباء، إلى جانب زيادة إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح.
لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وتحديث شبكات الكهرباء، وتعزيز مرونة أنظمة الطاقة، وتوفير التمويل والتكنولوجيا اللازمين للدول النامية.
الوقود الأحفوري.. الخلاف الأصعب في COP31
رغم الاتفاق على أهمية تسريع التحول في قطاع الطاقة، لا تزال قضية التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري من أكثر الملفات إثارة للخلاف داخل مفاوضات المناخ.
وكان مؤتمر COP28 في دبي قد أقر دعوة إلى التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري في أنظمة الطاقة، في خطوة اعتُبرت تحولًا مهمًا في لغة الاتفاقات المناخية الدولية.
لكن مراد كوروم أبدى تحفظًا بشأن إمكانية تحقيق تقدم جديد في الصياغات المتعلقة بالتخلص من الوقود الأحفوري خلال مؤتمر أنطاليا، مشيرًا إلى أن العالم يشهد بالفعل تحولًا في قطاع الطاقة، وأن التركيز على تكرار العبارات نفسها قد لا يؤدي بالضرورة إلى تقدم إضافي.
وفي المقابل، يؤكد ناشطون وخبراء أن تحقيق الأهداف المناخية يتطلب خطوات أكثر وضوحًا بشأن وقف التوسع في مشروعات الفحم والنفط والغاز، إلى جانب تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة.
ورغم دعم تركيا وأستراليا بيانًا متعدد الدول خلال الاجتماع التحضيري في فيجي يؤيد التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري، تعرض البلدان لانتقادات بسبب استمرار دعم مشروعات جديدة للفحم والغاز، وهو ما أثار تساؤلات بشأن مدى اتساق سياساتهما المحلية مع أهداف العمل المناخي الدولي.
وقال وزير المناخ الأسترالي كريس بوين إن خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري يمكن أن يتحقق من خلال بناء قدرات كافية من الطاقة المتجددة، بحيث لا تعود هناك حاجة إلى تشغيل محطات الكهرباء العاملة بالوقود الأحفوري.
لكن تزيبوراه بيرمان، رئيسة مبادرة معاهدة عدم انتشار الوقود الأحفوري، شددت على أن التخلص التدريجي من هذه الأنواع من الوقود يتطلب وقف إنشاء مشروعات جديدة، معتبرة أنه لا يمكن إنهاء الاعتماد على الوقود الأحفوري في الوقت الذي يستمر فيه التوسع في إنتاجه.
ومن المنتظر أن يظل هذا الملف من أبرز نقاط الخلاف في مفاوضات أنطاليا، خاصة مع استمرار اعتراض بعض الدول المنتجة للنفط والغاز على إدراج التزامات أكثر تحديدًا بشأن مستقبل الوقود الأحفوري في الاتفاقات الدولية.
COP31 أمام اختبار التمويل والعدالة المناخية
تعكس المناقشات التي شهدها الاجتماع التحضيري في فيجي التحديات التي تواجه مؤتمر COP31، الذي لا يقتصر نجاحه على صياغة تعهدات جديدة، بل يرتبط بمدى قدرة الدول على توفير التمويل اللازم وتنفيذ الإجراءات التي تعهدت بها سابقًا.
فالدول الأكثر تعرضًا لتغير المناخ تطالب بموارد مالية يمكن الوصول إليها بسهولة، وبخطط واضحة لدعم التكيف وحماية المجتمعات والبنية التحتية، فيما تتزايد الضغوط على الاقتصادات الكبرى لخفض الانبعاثات وتسريع التحول في قطاع الطاقة.
ويطرح المؤتمر أيضًا سؤالًا بشأن كيفية تحقيق التوازن بين أولويات الأمن التقليدي ومتطلبات الأمن المناخي، في ظل ارتفاع تكلفة الكوارث وتزايد تأثيراتها على الغذاء والمياه والصحة والاستقرار الاقتصادي.
وتؤكد الرسالة التي حملها قادة المحيط الهادئ أن مواجهة تغير المناخ لا يمكن أن تنتظر وقوع الكوارث، وأن التمويل المبكر والعادل، إلى جانب خفض الانبعاثات وحماية النظم البيئية، يمثل مسارًا أساسيًا لتقليل الخسائر وضمان مستقبل أكثر أمانًا للمجتمعات الأكثر ضعفًا.
وبين دعوة تركيا إلى زيادة الإنفاق المناخي، ومطالب الدول الجزرية بالحصول على التمويل الذي تحتاج إليه، والخلافات حول مستقبل الوقود الأحفوري، يدخل مؤتمر COP31 مرحلة حاسمة ستحدد مدى قدرة المجتمع الدولي على تحويل التحذيرات العلمية إلى التزامات قابلة للتنفيذ.
