خلال العقود الأخيرة، أصبح التغير المناخي وتقليل الانبعاثات الكربونية محورًا رئيسيًا في السياسات العامة والخطط الصناعية.
قطاع البناء والتصنيع يمثلان حصة كبيرة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم، ولذلك فإن تقليل البصمة الكربونية في هذه القطاعات ضروري لتحقيق أهداف اتفاق باريس والحد من الاحترار العالمي.
يهدف هذا المقال إلى تقديم عرض متكامل ومفصل لاستراتيجيات وإجراءات وتقنيات عملية لتقليل البصمة الكربونية في مجالات البناء والتصنيع .
فهم البصمة الكربونية في قطاعات البناء والتصنيع
البصمة الكربونية هي مجموع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري معادلةً إلى ثاني أكسيد الكربون( CO2-e) الناتجة عن نشاط معين خلال دورة حياته.
تشمل الانبعاثات المباشرة مثل احتراق الوقود والانبعاثات غير المباشرة مثل استهلاك الكهرباء أو المواد الأولية. في قطاع البناء، تنقسم البصمة إلى انبعاثات ناتجة عن إنتاج المواد كالخرسانة والصلب والألومنيوم والزجاج، الانبعاثات المرتبطة بالنقل والتشييد، والانبعاثات أثناء تشغيل المبنى مثل التدفئة والتبريد والإضاءة، فضلاً عن الانبعاثات الناتجة عن الهدم .
أما في التصنيع فتشمل بصمة انبعاثات استهلاك الطاقة في العمليات، الانبعاثات الناتجة عن العمليات الكيميائية مثل صناعة الأسمنت والصلب والكيماويات، بالإضافة إلى الانبعاثات المرتبطة بالمواد الخام والنقل والتجميع والتخلص من النفايات.
وفي قطاع الطاقة، يتضمن الحساب انبعاثات إنتاج الكهرباء من محطات الوقود الأحفوري، انبعاثات استخراج ومعالجة الوقود مثل النفط والغاز والفحم، وفقدان الطاقة في النقل والتوزيع.
من هنا يظهر بوضوح أن قطاع الطاقة يؤثر مباشرة على انبعاثات قطاعات البناء والتصنيع.
مبادئ عامة لخفض البصمة الكربونية
أول مبدأ يجب تبنيه هو نهج دورة الحياة (LCA) لتحديد نقاط الاختناق أو “الـ Hotspots” في المشروع أو المنتج، والتركيز على المراحل التي تسهم بأكبر قدر من الانبعاثات سواء كانت في المواد أو التصنيع أو النقل أو التشغيل أو التخلص.
كما أن الكفاءة في استخدام الطاقة والموارد تشكل ركيزة مهمة؛ فتحسين كفاءة الطاقة وتقليل الهدر يؤديان إلى تقليل الانبعاثات بشكل مباشر وغير مباشر، ويشمل ذلك تحسين عمليات الإنتاج وتقنيات العزل وإدارة الطلب.
إلى جانب ذلك، يأتي مبدأ الاستبدال بالمصادر منخفضة الكربون، والذي يعني الانتقال من الوقود الأحفوري إلى مصادر طاقة متجددة واستخدام مواد منخفضة الكربون مثل الأسمنت منخفض الانبعاث والفولاذ المعاد تدويره.
وله أهمية كبيرة أيضاً الاقتصاد الدائري الذي يشجع على تصميم المنتجات لتقليل النفايات وزيادة إعادة التدوير وإطالة عمر المنتج، ما يقلل الطلب على المواد الأولية التى تزيد من الكربون.
أخيراً، يلعب الابتكار والتكنولوجيا دوراً محورياً في تقليل البصمة من خلال استخدام التكنولوجيا الرقمية مثل الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والتصنيع المتقدم لتعزيز الكفاءة وتقليل الانبعاثات.
تقليل البصمة الكربونية في قطاع البناء
في قطاع البناء، يقل تأثير المواد إذا ما تم اختيارها بعناية؛ فالخرسانة منخفضة الكربون المتاحة اليوم تعتمد على استخدام بدائل لمكونات الأسمنت التقليدي مثل الرماد المتطاير وخبث الأفران ومواد رابطة مبتكرة، كما أن تقنيات احتجاز الكربون أثناء تصنيع الأسمنت وأساليب الخلط المبتكرة تساهم في خفض الانبعاثات. كما أن استخدام الفولاذ المعاد تدويره يقلل من انبعاثات الإنتاج مقارنة بالفولاذ المصنع من خامات أولية.
من ناحية التصميم، يلعب التصميم المعماري المستدام دوراً أساسياً في تقليل احتياجات الطاقة ، فالتوجيه المناسب للمبنى للاستفادة من الإشعاع الشمسي الطبيعي، والتصميم لتهوية طبيعية، يمكن أن يقلل من الحاجة للتبريد والتدفئة.
كذلك، يساهم العزل الحراري الفعال وغرف المبنى عالية الأداء في تقليل استهلاك الطاقة التشغيلية طوال عمر المنشأة، فيما يمكن للنوافذ والزجاج عالي الأداء أن يخفضا فقد الحرارة.
على صعيد نظم التشغيل، تسمح أنظمة إدارة المباني (BMS) وإنترنت الأشياء بمراقبة وتحكم دقيق في الإضاءة والتهوية والتدفئة والتبريد، مما يؤدي إلى تحسين استهلاك الطاقة وتشغيل أقل انبعاثاً.
أما تقنيات التشييد، فالتشييد المسبق (البريكاست ) يسهم في تقليل النفايات واختصار زمن المشروع وتخفيض التأثير الميداني، كما أن استخدام معدات كهربائية مدعومة بالطاقة النظيفة يقلل من انبعاثات الموقع. وتعتبر إدارة النفايات وإعادة التدوير في موقع التشييد أمراً ضرورياً للحد من التأثير البيئي.
بعد الانتهاء من البناء، يجب التركيز على التشغيل والصيانة منخفضي الكربون من خلال أنظمة HVAC عالية الكفاءة مثل المضخات الحرارية وأنظمة استعادة الحرارة واستخدام مبردات منخفضة التأثير البيئي، بالإضافة إلى تركيب مصادر طاقة متجددة في الموقع كالألواح الشمسية وأنظمة تخزين الطاقة لتقليل الاعتماد على شبكة كهرباء قائمة على الفحم والغاز.
كما أن تقنيات الحفاظ على المياه وإعادة استخدامها تقلل من الطاقة المرتبطة بمعالجة ونقل المياه. وأخيراً، يمكن دعم جهود البناء الخضراء باتباع معايير وشهادات مثل LEED وBREEAM ، وقياس البصمة عبر شهادات LCA وبرامج تقييم الكربون للمواد والمباني.
رابعاً: تقليل البصمة الكربونية في المجال الصناعي
في التصنيع، تبدأ الاستراتيجيات بتحسين كفاءة العمليات عبر صيانة دقيقة للمعدات وتحسين تدفق العمليات لتقليل استهلاك الطاقة وأنتاج المخلفات.
ويشمل ذلك استخدام محركات كهربائية عالية الكفاءة، ومحولات تردد متغيرة (VFD) وأنظمة إضاءة LED لتقليل استهلاك الكهرباء. كما أن إدارة الطاقة الصناعية عبر أنظمة مراقبة وتحكم تساعد على تحديد فرص التحسين وتقليل الهدر.
إلى جانب ذلك، يلعب تغيير مصادر الطاقة والوقود دوراً مهماً، فاستبدال الوقود الأحفوري بالغاز أو بالوقود الحيوي منخفض الكربون أو بالكهرباء من مصادر متجددة يساهم في خفض الانبعاثات، في حين يقدم الهيدروجين الأخضر حلاً للعمليات التي تتطلب درجات حرارة عالية أو عامل اختزال مثل صناعة الصلب.
تتضمن بدائل المواد والعمليات خفض الكربون في صناعات رئيسية تحولاً في الطرق التقليدية؛ ففي صناعة الصلب، يمكن الانتقال إلى أفران القوس الكهربائي (EAF) التي تستخدم خردة الحديد، مع الاعتماد على طاقة متجددة لتشغيلها، أو استخدام تقنيات الاحتجاز الكربوني أو الهيدروجين كبديل للفحم في الأفران التقليدية.
أما في صناعة الأسمنت، فيعد تقليل محتوى الكلنكر عبر إضافات مثل الرماد المتطاير والخبث واستخدام بدائل الأسمنت مثل الجيوبوليمرات من الخيارات الفعالة، إضافة إلى التوجه لتقنيات تقلل حرارة التكلس واحتجاز الكربون.
كذلك، يمكن في العمليات الكيميائية اعتماد مسارات تفاعلية أو محفزات جديدة تسمح بعمل عند درجات حرارة وضغوط أقل، مما يخفض استهلاك الطاقة والانبعاثات.
* ماهو الجيوبوليمر؟ الجيوبوليمر (Geopolymer) هو نوع من المواد اللاعضوية المصنوعة من الفلزات القلوية والسيليكات تحت درجات حرارة عالية وظروف كيميائية محددة.
ويتم اعتماد الجيوبوليمر في العديد من التطبيقات التي تتطلب خواص ميكانيكية وكيميائية محددة، مثل صنع الخرسانة والعوازل والمواد الحرارية.
تم تطوير الجيوبوليمر بشكل رئيسي كبديل صديق للبيئة للإسمنت التقليدي، حيث يتم إنتاجه بشكل أقل استهلاكًا للطاقة وانبعاثات أقل من ثاني أكسيد الكربون.
الاقتصاد الدائري وإدارة المواد يمثلان ركناً أساسياً في الصناعة منخفضة الكربون، إذ يجب تصميم المنتجات لتسهيل فصلها وإعادة استخدامها وإعادة تدويرها لتقليل الاعتماد على المواد الأولية. ويمكن تحويل المخلفات الصناعية إلى مدخلات للعمليات أو منتجات ثانوية ذات قيمة، بالإضافة إلى تبني نماذج أعمال تقدم الخدمة بدل بيع المنتج (Product-as-a-Service) لتمديد عمر المنتج وتقليل الاستهلاك.
من جهة أخرى، تتيح الرقمنة والتحكم الذكي عبر البيانات الكبيرة والذكاء الاصطناعي تحسين جداول الإنتاج وتقليل الخسائر وتحسين جودة المنتج، إضافة إلى تنفيذ الصيانة التنبؤية لتقليل الأعطال وتحسين كفاءة المعدات.
وأخيراً، تلعب التوريدات المستدامة دوراً في تقليل البصمة من خلال التعاقد مع موردين لديهم سجلات انبعاثات واضحة ودمج متطلبات الانبعاثات في عقود الموردين ودعمهم بالتحول إلى ممارسات منخفضة الكربون.
أدوات وتكنولوجيا قياس وتقليل البصمة
لقياس وتقليل البصمة الكربونية، يعد تقييم دورة الحياة (LCA) واستخدام برمجيات متخصصة وأطر عمل معيارية أمراً أساسياً لتقدير انبعاثات المنتجات والمباني وتحديد فرص التحسين.
كما تعتمد الحسابات الدقيقة على قواعد بيانات المواد مثل ecoinvent والمقاييس المعيارية للحساب، توفر حساسات إنترنت الأشياء قياسات لاستهلاك الطاقة وانبعاثات العمليات وكفاءة المعدات، بينما تساهم تقنيات الكشف عن تسرب الميثان مثل الحساسات والطائرات بدون طيار والأقمار الصناعية في الحد من التسريبات.
ومن الجانب الإداري، يساعد تبني نظم إدارة الكربون مثل ISO 14064 وISO 14001 في تتبع وخفض الانبعاثات وتقديم تقارير وشفافية للمستثمرين.
أما تقنيات احتجاز وتخزين واستخدام الكربون، فهي توفر أدوات للتعامل مع الانبعاثات الصناعية الصعبة، سواء عبر احتجاز الكربون من مصادر الانبعاث أو تخزينه جيولوجياً أو استخدامه في صناعات مثل تصنيع المواد الكيميائية والخرسانة أو الوقود الصناعي.
بالإضافة إلى ذلك، تتيح تقنيات التصنيع المتقدمة مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد تقليل النفايات، فيما تساعد النمذجة والمحاكاة في تحسين التصميم والعمليات لخفض الانبعاثات.
سياسات وتشريعات داعمة وتقنيات سوقية
تلعب السياسات دوراً محورياً في تمكين الانتقال منخفض الكربون ، تكلفة الكربون عبر فرض ضريبة كربون أو نظام تجارة بالانبعاثات تشجع الشركات على تبني حلول اقتصادية لخفض الانبعاثات.
كما تساهم معايير كفاءة الطاقة للمباني والمعدات واشتراطات الحد الأقصى للبصمة الكربونية في المشاريع الكبيرة بتوجيه الاستثمار نحو ممارسات منخفضة الكربون. ويتطلب دعم الابتكار والتمويل تقديم منح وتمويل للمشاريع والتقنيات الجديدة مثل الهيدروجين الأخضر، إلى جانب برامج لدعم البحث والتطوير.
كما تسهم متطلبات الشفافية ومسؤولية سلاسل الإمداد، مثل الإفصاح عن انبعاثات ، في دفع الشركات لتقليل الانبعاثات، ويعد تحفيز الطلب على المنتجات منخفضة الكربون من خلال الشراء الحكومي الأخضر والحوافز للمستهلكين وبرامج الاعتماد طريقة فعالة لخلق سوق مستدام لهذه المنتجات والخدمات.
التحديات والقيود
تواجه جهود تقليل البصمة الكربونية عدة قيود؛ أولها تكلفة الاستثمار الأولي إذ تتطلب كثير من الحلول استثمارات كبيرة مقدمًا مما يشكل عائقًا خاصة في الدول النامية والشركات الصغيرة.
كما أن بعض التقنيات مثل الهيدروجين الأخضر ما زالت تواجه صعوبات في التكلفة والطرح التجاري.
ثمة أيضاً مشكلة في القياس والبيانات مثل تسرب الميثان وعدم اليقين في الإحصاءات، مما قد يؤدي إلى تقديرات خاطئة لفعالية الحلول.
بالإضافة إلى ذلك، قد تبطئ البيروقراطية والتشريعات غير المتناسقة الاستثمار في الحلول منخفضة الكربون، بينما يتطلب تغيير المواد والعمليات تدريباً وإعادة تأهيل للعمال وتعديلاً في سلاسل الإمداد، وهو ما يواجه مقاومة ثقافية واقتصادية أحياناً.
خارطة طريق عملية للتطبيق في المنظمات
أول خطوة في أي منظمة هي إجراء تقييم كامل للبصمة الكربونية باستخدام أدوات LCA وتحديد النقاط الساخنة التي تسهم بأكبر نسبة من الانبعاثات.
يلي ذلك وضع هدف واضح ومحدد مثل تقليل نسبة محددة من الانبعاثات بحلول سنة محددة واعتماد خارطة طريق زمنية متدرجة.
على الفور، ينبغي تنفيذ تدابير منخفضة التكلفة وسريعة الأثر مثل تحسين العزل وصيانة المعدات وتحويل الإضاءة إلى LED.
في المدى المتوسط، يُنصح بالاستثمار في مشاريع مثل تركيب طاقة متجددة بالموقع وتغيير المواد إلى بدائل منخفضة الكربون.
أما على المدى الطويل، فتتضمن الخطة تنفيذ حلول متقدمة أستخدانم الهيدروجين الأخضر وإعادة تصميم سلسلة الإمداد لتقليل الاعتماد على المواد عالية الانبعاث.
طوال هذه المراحل يجب قياس التقدّم والتحقق منه والإبلاغ الدوري عن النتائج وتعديل الخطة استنادًا إلى البيانات، كما أن الشراكات مع الموردين والعملاء والجهات الحكومية تزيد من تأثير الإجراءات وتخفف التكاليف والمخاطر.
تقليل البصمة الكربونية في قطاعات البناء والتصنيع يتطلب مزيجاً من التحسينات التقنية وتغيير المواد وسياسات داعمة واستثمارات استراتيجية.
إن النهج الأكثر فعالية يقوم على تقييم دورة الحياة والاقتصاد الدائري، مع دمج التقنيات الرقمية للمراقبة والتحكم. وتعد السياسات المالية والتشريعية التي تشجع الاستثمار المبكر وتخفف من المخاطر المالية محورية لتسريع الانتقال.
كما أن التعاون بين القطاعين العام والخاص والالتزام بالشفافية في القياسات والتقارير يمثلان مفتاحين أساسيين لتحقيق نتائج ملموسة.

