د.نسرين السعيد تكتب عن أسرار المارشميللو الفرعوني وحلوى الخطمية المقدسة.. وكيف احتفى المصريون القدماء بالحب؟
اكتشف جذور الحب في الحضارة المصرية القديمة، من أعياد حتحور وأوزوريس وإيزيس إلى حلوى المارشميللو المقدسة
كتبت د.نسرين السعيد ،رئيس بحوث الكيمياء الحيوية والتغذية المتفرغ بمركز البحوث الزراعية – عضو اللجنة الوطنية لعلوم التغذية بأكاديمية البحث العلمى عن كيف احتفى المصريون القدماء بالحب؟ أسرار المارشميللو الفرعوني وحلوى الخطمية المقدسة، وعن قصة حب أبدية حلوى النقاء المصري “المارشميللو” : تجمع بين رمز الصحة والرومانسية… من أسرار المعابد الفرعونية إلى نوفمبر الحب العصري.
وتكتب عن كيف أن فكرة الاحتفال بالحب أصلها موروث من الثقافة المصرية القديمة، وإن اختلفت التواريخ والأسماء، حيث تؤكد أن المصريين القدماء كانوا شعبًا امتلك العاطفة والرومانسية، وهم من أوائل الشعوب التي كتبت قصائد الحب والغزل، خاصة في الدولة الحديثة (الأسرتان الثامنة عشرة إلى العشرين).
وقد عُثر في برديات مثل بردية “تشستر بيتي الأولى” على أشعار تُشبه ما نسميه اليوم كلمات عيد الحب، ومنها قول إحداهن:
“أخي الحبيب، حبك يجعلني أقوى من كل دواء.”
كانت المرأة المصرية القديمة تتبادل مع زوجها زهور اللوتس الزرقاء (رمز الحب النقي والإخلاص)، والعطور، والطعام الحلو مثل التمر والعسل وحلوى الخطمية، التي نعرفها اليوم باسم المارشميللو، كرموز للحب والارتباط.

ورغم عدم وجود “عيد حب” رسمي في مصر القديمة، فإن هناك أعيادًا حملت جوهر الحب والعلاقات الإنسانية، منها:
-
عيد الإلهة حتحور – إلهة الحب والموسيقى والجمال والأمومة، التي كانت تُكرَّم في معبدها بدندرة قرب قنا، وكان عيدها يُقام غالبًا في أواخر نوفمبر أو أوائل ديسمبر حسب التقويم القمري المصري.

الإلهة حتحور -
عيد الزواج المقدس بين أوزوريس وإيزيس – الذي كان رمزًا للحب الخالد والوفاء بعد الموت، حيث احتفل به المصريون بطقوس رمزية في معابد الدلتا والصعيد، تجسد فكرة الحب الأبدي والانبعاث من جديد.

كان المصريون القدماء يُقدّمون في أعياد الحب أو المناسبات الرومانسية زهور اللوتس والبردي رمزًا للنقاء والخصوبة، والتمر والعسل دلالة على الحلاوة في الحياة الزوجية.
كما كانت النساء يجتمعن في أبهى ثياب الكتان الأبيض، يحملن أوعية صغيرة من حلوى الخطمية، وهي الحلوى المقدسة التي تُعد رمزًا للنقاء والحياة الأبدية. وتتقدّم كل امرأة نحو تمثال الإلهة حتحور، تضع قطعة من الحلوى عند قدميها وتهمس:
“يا حتحور، يا سيدة الحب والموسيقى،
اجعل قلبي حلوًا مثل هذا العسل،
وروحي طاهرة مثل نبتة الخطمية.”
كذلك كانت العطور والزيوت المعطرة، خاصة زيت اللوتس والمسك، تُستخدم في طقوس الحب، إلى جانب التمائم والحلي على شكل قلوب أو رموز إيزيس وحتحور، وتُرافقها الأغاني والرقص باعتبار الموسيقى لغة العشق لديهم.
كانت حلوى المارشميللو الفرعونية تُقدَّم قربانًا للحب الصادق ورمزًا للعهد بين القلوب، ثم تُوزَّع على العشاق والمتزوجين حديثًا لتباركهم الإلهة بصفاء النية ودوام الود. فقد آمن المصريون أن الحب لا يُقاس بالكلمات فقط، بل بما يُقدَّم من الحلاوة والنقاء.
كان الكهنة المصريون يستخلصون عصارة لزجة من جذور نبات الخطمية – نبات المستنقعات والطمى الذي كان ينمو على ضفاف النيل – ويخلطونها بالعسل وثمار النخيل لصنع الحلوى المقدسة، التي تُعرف أيضًا باسم حلوى الخطمية، رمزًا لنقاء الروح وصدق المشاعر.
ارتبطت هذه الحلوى بطقوس الحب والمشاعر في أعياد الإلهة حتحور، حيث كانت النساء يقدمن منها قطعًا صغيرة قرابين حب في المعابد أو كهدايا رمزية لمن يحببن، رمزًا لعذوبة الحديث وصفاء القلب والعهد الصادق.
وفي نقوش المعابد بموقعي دندرة وإدفو تظهر رموز نبات الخطمية إلى جانب رموز الزهور والعسل، كإشارات فرعونية للحب والطهارة. وكانت الحلوى تُستخدم في الاحتفالات الزوجية أو الأعياد الموسمية المرتبطة بالخصوبة والإخلاص كجزء من قرابين “الحب الطاهر” الذي يربط بين الإلهة والإنسان.
واليوم، وبعد آلاف السنين، تعود تلك الروح النقية في يوم الحب المصري (٤ نوفمبر)، حين تتلاقى القلوب كما كانت تتلاقى القرابين في المعابد القديمة، لتؤكد أن الحب في مصر قصة أبدية لا يغيّرها الزمن.
فالـ”مارشميللو” لم تكن مجرد حلوى مقدسة، بل رسالة من الماضي تقول إن الحلاوة الحقيقية تسكن القلوب الصافية.

وفي العصور الحديثة، أطلق الكاتب مصطفى أمين عام 1988 يوم الحب المصري ليعيد إلى وجدان المصريين ذكرى الحب والمودة والتعاون على الخير، في امتداد روحي لما عاشه الأجداد قبل آلاف السنين.
أما عالميًا، فقد طوّر الفرنسيون في القرن التاسع عشر الفكرة نفسها بمزج السكر وبياض البيض وعسل الفركتوز، ثم تطورت في أمريكا إلى شكلها المعروف اليوم بالمارشميللو الأبيض الناعم، محتفظة بجوهرها الرمزي القديم: حلاوة النقاء وصدق العاطفة ودفء الروح.
واليوم، بفضل جهود الأستاذة الدكتورة نسرين محمد السعيد علي شام، عادت حلوى المارشميللو إلى جذورها المصرية الأصيلة، بعد أن طوّرت أبحاثًا علمية أعادت إنتاجها من مصدرها الطبيعي بقيمة صحية ووظيفية، مما أضاف ميزة تنافسية للمحصول البستاني المستخدم في إنتاجها، وأحيا معها رمز الصفاء والنقاء والخلود والحب التقي في أبهى صورة مصرية معاصرة.





