د.مصطفى حسين كامل: الحر يقتل.. موجات حر قياسية تكشف هشاشة المواجهة المناخية
أستاذ بعلوم القاهرة- وزير البيئة الأسبق
في مشهد لم يعد استثنائيًا، تضرب موجات حر غير مسبوقة أجزاء واسعة من العالم، مخلّفةً وراءها آلاف الضحايا، وأزمات بيئية وصحية متفاقمة.
من أوروبا إلى آسيا، ومن الأمريكيتين إلى شمال إفريقيا، يعيش العالم صيفًا خانقًا يُعيد طرح السؤال المصيري: كيف سنتأقلم مع كوكب يزداد سخونة عامًا بعد عام؟
حرارة قاتلة تسجل أرقامًا تاريخية
خلال يوليو 2025، شهدت مدن أوروبية كروما ومدريد وأثينا درجات حرارة تجاوزت 47 درجة مئوية، بينما تخطت الحرارة في بعض مناطق الصين والهند عتبة الـ50 درجة، وهي مستويات تهدد الحياة مباشرةً، خاصة عند انعدام وسائل التبريد.
في الولايات المتحدة، أُعلنت حالة الطوارئ في عدة ولايات بعد وفاة العشرات نتيجة ضربة الشمس، معظمهم من كبار السن والشرائح الاجتماعية الهشة.
وفي الشرق الأوسط، سجلت العراق والكويت درجات حرارة قريبة من 54 درجة مئوية، مما دفع الحكومات إلى إغلاق المؤسسات العامة، وإصدار تحذيرات عاجلة بعدم الخروج في ساعات النهار إلا للضرورة القصوى.
حصيلة ثقيلة… والمستقبل أكثر فتكًا
بحسب منظمة الصحة العالمية، أودت موجات الحر خلال العقد الأخير بحياة أكثر من نصف مليون شخص حول العالم.
وتتوقع المنظمة أن تتضاعف هذه الأرقام في العقود القادمة إذا لم تُتخذ إجراءات حاسمة للحد من الانبعاثات الكربونية وتعزيز أنظمة التأقلم مع التغير المناخي.
ويؤكد الدكتور جان بريسون، خبير المناخ في جامعة أكسفورد: “لسنا أمام ظاهرة عابرة، بل أمام أزمة وجودية. موجات الحر باتت أطول وأكثر تكرارًا وشدة، ومع اختفاء الليالي الباردة، يفقد الجسم القدرة على التعافي.”
بنى تحتية تنهار… وكلفة بشرية مرتفعة
تداعيات الحر الشديد لم تقتصر على الصحة البشرية، بل طالت البنى التحتية في مختلف دول العالم. انهارت شبكات الكهرباء تحت ضغط استخدام أجهزة التكييف، واندلعت حرائق غابات واسعة كما في الجزائر وكاليفورنيا واليونان. في بعض المدن، ذابت الطرق الإسفلتية، وتأخرت القطارات بسبب تمدد السكك الحديدية.
أما في الدول النامية، حيث يُعد التكييف ترفًا لا يملكه كثيرون، فقد تفاقمت الأزمة. الانقطاعات الطويلة للكهرباء، ونقص المياه، وارتفاع حالات ضربة الشمس، كلها عوامل كشفت عن هشاشة الأنظمة الصحية والاجتماعية في مواجهة موجات الحر.
الاحتباس الحراري… الجاني الرئيسي
تشير تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) إلى أن متوسط درجة حرارة الأرض ارتفع بنحو 1.2 درجة مئوية منذ بداية الثورة الصناعية. هذه الزيادة، وإن بدت بسيطة رقميًا، كفيلة بإحداث اضطرابات مناخية هائلة، وعلى رأسها تفاقم موجات الحر.
وتحذر التقارير من أن كل زيادة إضافية بمقدار نصف درجة ستؤدي إلى تمدد موجات الحر جغرافيًا وزمنيًا، مما يعني أن دولًا معتدلة مثل كندا والمملكة المتحدة والدول الإسكندنافية قد تواجه مستقبلاً صيفًا لا يُطاق.
“لا وقت للتأجيل”: تحذير أممي صارخ
في تقرير حديث صادر عن الأمم المتحدة بعنوان “لا وقت للتأجيل“، جاء التحذير واضحًا: “إذا لم يتحرك العالم الآن، فإن موجات الحر الحالية قد تصبح القاعدة خلال 20 عامًا، وسيكون من المستحيل العودة إلى الوضع السابق.”
التحرك المطلوب لا يتوقف عند خفض الانبعاثات، بل يتطلب أيضًا:
- تصميم مدن مقاومة للحرارة
- تحسين البنية التحتية للمياه والكهرباء
- زيادة المساحات الخضراء داخل المدن
- إنشاء ملاجئ مبردة للمجتمعات الضعيفة
- تطوير أنظمة إنذار مبكر وتحذير فعالة
خاتمة: أمام مفترق طرق مناخي
“الحر يقتل” — ليست مجرد عبارة بل واقع تؤكده الأرقام والصور والقصص التي تتكرر كل صيف. التغير المناخي لم يعد قضية مؤجلة أو شأنًا علميًا مجردًا، بل صار واقعًا يوميًا يفرض نفسه على حياتنا وقراراتنا.
الخيار بات واضحًا: إما التحرك الجاد والعاجل لإنقاذ مستقبل الأجيال القادمة، أو المضي في طريق الانهيار المناخي الذي بدأ بالفعل.
وللحديث بقية ،،،،





