د.فوزي يونس: الأنهار الجليدية.. أرشيف مناخي يكشف أسرار الماضي ويُنذر بمستقبل الأرض
أستاذ بمركز بحوث الصحراء- خبير العمل المناخي والاستدامة
تمثل الأنهار الجليدية (Glaciers) أحد أهم مكونات النظام المناخي للأرض وأكثرها حساسية للتغيرات. تعمل هذه الكتل الجليدية العملاقة كمخازن رئيسية للمياه العذبة وتساهم في تنظيم مناخ الأرض ومستوى سطح البحر.
ما هو النهر الجليدي؟
طبقًا لتعريف برنامج رصد الأنهار الجليدية العالمي (WGMS) فإن النهر الجليدي هو:
“تراكم فائض من الثلوج المتساقطة على مدى عدة سنوات يزيد عن معدل ذوبان الثلج الطبيعي على اليابسة، وينتج عنه كتلة جليدية تتحرك استجابة للجاذبية الأرضية وتظهر أدلة على تلك الحركة بمساحة لا تقل عن 0.1 كيلومتر مربع” (Zemp et al., 2019).
ببساطة هو نظام ديناميكي يتشكل عندما يتجاوز تراكم الثلوج في الشتاء ذوبانها في الصيف، مما يؤدي إلى ضغط الثلوج وتحولها إلى جليد ثم إلى جليد صلب ينزلق ببطء تحت وزنه.
الأهمية البيئية والمناخية للأنهار الجليدية
لا تقتصر أهمية الأنهار الجليدية على كونها مناظر طبيعية خلابة، بل تلعب أدوارًا حيوية:
1- خزانات المياه العذبة:
تُعد الأنهار الجليدية أكبر خزان للمياه العذبة على الأرض، حيث تخزن نحو 69% من إجمالي المياه العذبة العالمية (USGS, 2023). وخلال المواسم الجافة يذوب الجليد تدريجيًا، ما يغذي الأنهار ويوفر مصدرًا مستدامًا لمياه الشرب والري والطاقة الكهرومائية لملايين الأشخاص.
2- منظمات للمناخ ومستوى سطح البحر:
تعكس الأسطح الجليدية البيضاء (نتيجة ارتفاع معامل الانعكاس) جزءًا كبيرًا من الإشعاع الشمسي مما يساعد في تبريد الكوكب. كما أن المياه المخزنة على اليابسة في شكل جليد لا تساهم في ارتفاع مستوى سطح البحر، بينما يُعد ذوبانها الحالي أحد المساهمين الرئيسيين في ارتفاع منسوب مياه المحيطات (IPCC, 2021).
3- أرشيف مناخي:
تحتوي طبقات الجليد على فقاعات هواء ورواسب تعود لآلاف السنين، ما يوفر للعلماء بيانات لا تُقدر بثمن عن ظروف المناخ في الماضي، وتركيب الغلاف الجوي، والنشاط البركاني (Thompson et al., 2006).

التوزيع الجغرافي للأنهار الجليدية في العالم
تنتشر الأنهار الجليدية في جميع القارات باستثناء أستراليا، لكن توزيعها غير متجانس:
-
المنطقة القطبية: تحتوي على الحجم الأكبر من الجليد، حيث تحتل الأنهار الجليدية في أنتاركتيكا وغرينلاند نحو 99% من إجمالي الجليد الأرضي.
-
ألاسكا وكندا: تضم مساحات واسعة من الأنهار الجليدية الجبلية خارج القطبين.
-
آسيا: تتركز الكتلة الرئيسية في سلسلة جبال الهيمالايا – هندوكوش، والتي تُعرف بـ”القطب الثالث”، وهي مصدر حيوي لعدة أنهار كبرى مثل الغانغ والسند والبراهمابوترا والميكونغ.
-
أمريكا الجنوبية: توجد في سلسلة جبال الأنديز خاصة في باتاغونيا وبيرو.
-
أوروبا: تتركز في جبال الألب والبيرينيه.
-
إفريقيا: وجودها نادر ومقتصر على أعلى القمم.

الأنهار الجليدية في قارة إفريقيا: جيوب متجمدة على خط الاستواء
على عكس الاعتقاد الشائع تمتلك إفريقيا أنهارًا جليدية لكنها مقتصرة على ثلاث قمم جبلية فقط، وجميعها في حالة تراجع سريع ومتقدم:
-
جبل كليمنجارو (تنزانيا): أعلى جبل في إفريقيا (5,895 متراً). كانت قمته مغطاة بكتلة جليدية مستمرة، وتشير الدراسات إلى أن الغطاء الجليدي تقلص بأكثر من 90% منذ عام 1912، ومن المتوقع أن يختفي تمامًا في العقد القادم (Thompson et al., 2009).
-
جبل كينيا (كينيا): ثاني أعلى قمة في إفريقيا (5,199 متراً). شهدت أنهاره الجليدية تراجعًا كارثيًا، ومن المتوقع أن تختفي بحلول عام 2030 إذا استمرت الاتجاهات الحالية (Prinz et al., 2016).
-
جبال روينزوري (أوغندا/الكونغو الديمقراطية): تُعرف أيضًا باسم “جبال القمر”، وتحتوي على عدة كتل جليدية صغيرة أظهرت الأبحاث تراجعًا شديدًا في مساحتها منذ القرن التاسع عشر.

التحديات والمستقبل: ذوبان الجليد الإفريقي كجرس إنذار
يُعد ذوبان الأنهار الجليدية في إفريقيا أحد أوضح المؤشرات على تأثير تغير المناخ. وتشمل الأسباب الرئيسية ارتفاع درجات الحرارة العالمية، والتغيرات في أنماط هطول الأمطار (مثل الجفاف الذي يقلل من تراكم الثلوج)، والرطوبة النسبية (Kaser et al., 2004).

لذوبان هذه الأنهار عواقب رمزية وبيئية كبيرة:
-
فقدان التراث الثقافي والسياحي: هذه القمم رموز ثقافية ودينية مهمة وجاذبية سياحية كبرى، كما أن التغير في أنماط الذوبان يمكن أن يؤثر على النظم البيئية الفريدة حول هذه القمم.
-
جرس إنذار عالمي: إذا كانت القمم الاستوائية التي ظلت متجمدة لآلاف السنين تذوب بهذه السرعة، فهذا دليل قوي على شدة التحول المناخي الذي يمر به الكوكب.
خلاصة
الأنهار الجليدية أكثر من مجرد كتل جليدية؛ فهي مؤشرات حيوية لصحة كوكب الأرض ومورد أساسي للمياه. وبينما تتراجع الأنهار الجليدية في جميع أنحاء العالم، فإن الوضع في إفريقيا يقدم نموذجًا مأساويًا وسريعًا بشكل خاص.
إن اختفاء هذه الجيوب الجليدية الاستوائية ليس مجرد خسارة لإفريقيا، بل هو صفارة إنذار للعالم بأسره حول الحاجة الملحة لاتخاذ إجراءات عاجلة للتخفيف من آثار تغير المناخ، كما تسعى إلى دعم ذلك مبادرات مثل مرفق البيئة العالمي (GEF) والمبادرة العالمية لإعداد التقارير (GRI) لتعزيز الشفافية ورصد هذه التغيرات.





