د.عاطف معتمد: على حافة النهر.. في البر الشرقي!
أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة
في شتاء 2021 سافرت إلى الأقصر، أمضيت خمسة أيام بين شوارع وأزقة المدينة التي تسمع في حوانيتها القديمة القرآن الكريم بصوت علم من أعلام مدرسة التلاوة المصرية: محمد صديق المنشاوي، وترى صور الإمام الطيب، شيخ الأزهر، معلقة على الجدران.
في كل صباح، كنت أركب المعدية التي تكلفني جنيها واحدا إلى البر الغربي الذي يمكن تسميته “مدينة كبرى لعالم الآخرة”.
بعض من أصحابي لا يحبون البر الغربي، ويقولون إنه قابض للنفس ويذكر بالموت والفناء.
بالنسبة لي، يعد البر الغربي أكبر مدرسة للجغرافيا والآثار والتاريخ.
بعد أيام خمسة من التعب والتجوال في البر الغربي، فكرت أن آخذ يوم راحة، أتناول فيه طعاما طيبا، وأفكر فيما رأيت، وأشترى بعض الكتب الأجنبية.
لو أن هناك مكانا للراحة والتقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب الأفكار، أنصحك أن يكون متحف الأقصر وجهتك، لا سيما أنه يطل مباشرة على ضفاف النيل من الجهة الشرقية.
ولو أن هناك لؤلؤة فريدة في هذا المتحف العظيم يمكنك أن تقف أمامها فلعلني أقترح أن تقف مليا أمام التمثال المرفق صورته مع هذا المقال، وفيه نرى الملك أمنحتب الثالث الذي حكم مصر في حدود الفترة من 1390 ق. م وحتى 1353 ق.م
تتجسد في هذه الأعجوبة أربعة دلالات على الأقل:
الجيولوجيا
يعد هذا التمثال تحفة فريدة لنوع نادر من الصخور الذي نسميه تجاوزا في مصر “الألباستر” ويسميه علماء جيولوجيا الآثار “الترافرتين” ويعرف أيضا باسم “المرمر”.
وإذا كانت معظم التماثيل قد نحتت من الجرانيت أو الحجر الرملي وقليل من الحجر الجيري فإن الألباستر نادر الوجود في الطبيعة ولا يمكن العثور عليه بسهولة.
هذا النوع من الصخور مدفون في عروق فريدة تحت السطح في مواضع بعينها من صحراء مصر الشرقية فيما بين النيل والبحر الأحمر وفي طبقات دون غيرها من الصخور الجيرية.
حتى في الميدان والبحث الجيولوجي المعمق على الأرض لا يمكن التعرف على هذه الصخور إلا بخرائط جيولوجية تفصيلية كالتي توصل إليها الجيولوجيون والمهندسون والجغرافيون في عهد الملك أمنحتب الثالث قبل نحو 3400 سنة، وجاءوا بهذه الصخور وأقاموا له هذا التمثال الفريد العجيب.
في هذا التمثال يقف أمنحتب الثالث الذي نراه على يمين الصورة في سن مبكرة من عمره، بينما يجلس على مقعد عظيم المعبود “سوبك”. يقدم سوبك البركة والحماية إلى أمنحتب الثالث.
“سوبك” هنا يجسده إنسان برأس تمساح يحمل على رأسه كل صفات المعبودات المصرية الأخرى.
المناخ القديم
يعبر هذا التمثال عن دلالة مناخ قديم وفير المياه. فصخور الترافرتين (الألباستر ) في حقيقتها نوع من الترسيبات التي احتضنتها بيئات أنهار قديمة وحياة من الكهوف العميقة التي مر عليها عشرات آلاف السنين قبل أن تبدأ الحضارة في وادي النيل.
تقع محاجر الألباستر في عمق صحراء المنيا وأسفل غطاء صخري من الحجر الجيري باهت اللون. وتؤشر على طبيعة سيادة مناخ الكارست أو مناخ معبر عن مياه جوفية كانت نشطة وأنهار كانت عميقة تختفي وتظهر في الهضبة الشرقية للنيل.
وبصفة شخصية لم أتمكن من معرفة هذه المحاجر في صحراء مصر الشرقية إلا بفضل بعض زملائي من الأثرييين والجغرافيين في مثل هذه الأيام من العام الماضي.
لمحة من الدين
يبدو في التمثال أحد المعبودات المصرية القديمة الذي يجسده رأس التمساح أو المعبود الشهير باسم “سوبك”.
يعطينا هذا التمثال أهمية عن فكرة التوازن بين الخير والشر.
وإذا كنا هنا في الأقصر فإنه على بعد 160 كم إلى الجنوب سنجد في معبد كوم أمبو شطرا كاملا مخصصا لتقديس معبود الشر ” سوبك” وفق المفهوم الشعبي الذي اشتهر بأنه يلتهم الأطفال ويقتل الفلاحين على ضفاف النيل.
في التمثال الذي نشاهده الآن، نتعرف على فكرة توزان الشر، حيث يقدم سوبك للملك الشاب أمنحتب الثالث علامة الحياة “عنخ” في إشارة إلى حمايته من الموت وضمان الخلود عبر آلاف السنين بل عبر “ملايين السنين” كما يطلق على بعض معابد الأقصر.
ينبهنا علماء الآثار إلى طريقة وضع اليدين التي يقف بها أمنحتب الثالث مستمعا إلى صلوات ومباركة سوبك، يضع أمنحتب الثالث كفيه على الفخذين، تماما كما سيفعل أبناء الديانات الحديثة لاحقا.
التكامل الجغرافي:
لا يقف هذا التمثال ليعبر عن نقطة موضعية ورقعة محلية بل هو توحيد جغرافي وتكامل مكاني.
لقد عثر على التمثال الحالي بعد آلاف السنين من تشكيله في بلدة أرمنت جنوب الأقصر وذلك في عام 1967.
رأينا كيف جاءت الصخور المرمرية (الألباستر) من كتلة وحيدة فريدة من الصحراء الشرقية، ونزل بها العمال إلى نهر النيل في المنيا وصعدوا بها النهر في اتجاه الأقصر واتخذوا دلالات ورموز الجنوب في أثر النيل وسوبك على المعتقدات.
ويضاف إلى التكامل المكاني التكامل البشري خاصة أن العمال والفنيين والمهندسين والجيولوجين والجغرافيين الذين أقاموا هذه التحف الخالدة جاءوا من كافة طبقات المجتمع المصري وعاشوا في مجتمع نادر كشفت عنه التنقيبات الحديثة أسرارا ستغير وجهة نظرنا عن حياة مصر القديمة خاصة في المستعمرة الرائعة المسماة “دير المدينة”.
تستحق “دير المدينة” مقالات عدة..ولعلنا نتقابل حولها في مرات مقبلة.




